اكتمال البدر بقلم نورهان العشري

ملكش حق يا بدر.. مرات أخوك الله يرحمه لسه صبية وحلوة، والعرسان كل شوية يدقوا بابنا. يا تتجوزها وتربي ولاد أخوك، يا تسيبها تشوف حالها وتتلم على راجل يصونها!” دا كان صوت سميحة اللي واقفة في وسط الصالة، حاطة إيدها في وسطها وبتبص لبدر بنظرة كلها لوم وعتاب، وصوتها كان فيه حدة خلت بدر يغمض عينه بضيق لكن أول ما سمع جملة “راجل يصونها” دي، حس بنغزة في قلبه كأن حد ضـ,ـربه بسـ,ـكينة. قام وقف فجأة وعروق رقبة ظهرت من الغيظ، وصوته طلع مكتوم ومنفعل: حكايات نورهان العشري — “تشوف حالها؟ تتجوز مين يا أما؟ ولاد حامد لسه ريحة أبوهم في البيت، عايزة غريب يدخل ينام في سريره ويربي عياله؟” سميحة قربت منه ووضت صوتها بمكر الأمومة: — “ما هو ده اللي بنقوله يا ضنايا.. الغريب ملوش أمان، لكن أنت عمهم وسندهم. نهال بقالها سنتين أرملة، شالت فوق طاقتها وصابرة، وهي لسه في عز شبابها. هتفضل قافل عليها وعلى نفسك لمتى؟” بدر لف وشّه الناحية التانية، مش عايز يبص في عين أمه عشان متقراش اللي فيها. هو بيحب نهال.. بيحبها من قبل حتى ما حامد الله يرحمه يخطبها، بس كان دايماً بيكتم في قلبه ويقول “دي عرض أخويا”. وبعد ما حامد مات، الحب ده اتحول لمرض وجع قلبه أكتر. — “مش هتجوزها يا أما.. قفلي على السيرة دي. أنا مش هخـ,ـون حامد وهو تحت التراب، مش هاخد مكانه في بيته ومع مراته.. أنا مش واطي للدرجة دي!” سميحة خبطت على صدرها بشهقة: — “خـ,ـيانة إيه يا مغلبني؟ ده شرع الله، وده ستر لولاد أخوك! نهال ست أدب وأصل، ولو وافقت فده عشان خاطر العيال، مش عشان حاجة تانية.” بدر سابها وخرج البلكونة، ولع سيجارة وإيده بتترعش. كان شايف نهال من شباك المطبخ وهي بتنشر هدوم العيال، وشها كان شاحب بس لسه ملامحها الرقيقة بتخطف قلبه. الغيرة كانت بتاكله من مجرد فكرة إن “عريس” ممكن يقرب منها، وفي نفس الوقت، خياله كان بيصورهاله وهي لابسة أبيض لحامد، فبيحس إنه لو لمس إيدها يبقى بيغرز خنجر في ضهر أخوه.
★★★
المحل كان زحمة، وصوت مكنة القص وتوب القماش وهو بيتمطر على الرخامة كان عامل دوشة، بس بدر كان في عالم تاني.. عينه سرحانة في الفراغ وإيده ساندة على دفتر الحسابات. فجأة، دخل “رشيد” ابن عمه، شاب طول بعرض وضحكته سابقة خطاويه، خبط بإيده على المكتب خبطة خفيفة: حكايات نورهان العشري — “يا عيني على اللي واخد عقله! القماش هياكل منك حتة يا غالي، ركز معانا!” بدر رفع عينه بابتسامة باهتة حاول يداري بيها ضيقته: — “أهلاً يا رشيد.. منور يا ابن عمي. الشغل واخد الواحد يا صاحبي، السوق مبقاش يرحم.” رشيد قعد على الكرسي اللي قدام المكتب وطلب قهوة من الولد اللي في المحل وفضل يلف ويدور في الكلام شوية عن الأسعار والبضاعة، وبعدين ميل بجسمه لقدام ونبرة صوته اتغيرت وبقت جدية ممزوجة بضحكة “عشم”: — “بقولك إيه يا بدر.. إحنا أهل ومفيش بينا زواق. أنا جاي لك في مصلحة تخصنا إحنا الاتنين، وتخص بيت الغالي حامد الله يرحمه.” بدر قلبه انقبـ . ــض، وصوابعه ضغطت على القلم اللي في إيده: — “خير يا رشيد؟ قلقتني.” رشيد فرك إيده في بعض وقال: — “بصراحة يا سيدي.. أنا بقالي فترة بفكر في ‘نهال’ ست البنات ومرات أخونا الغالي. الست دي محترمة و بنت ناس والعيال محتاجين حد من د.مهم يحميهم. وأنا قلت مفيش حد أولى مني بمرات ابن عمي.. إيه رأيك؟ أنا عايز أفتح الموضوع مع الوالدة ‘سميحة’ بس قلت اتكلم معاك أنت الأول يا كبير العيلة.” في اللحظة دي، بدر حس إن المحل كله بيدور بيه. ريحة القماش كتمت على نفسه، والد.م غلى في عروقه لدرجة إن وشه احمر وعينه بقت زي الجمر. كان عايز يقوم يطبق في زمارة رقبة رشيد، بس “صورة حامد” أخوه جت قدام عينه وكأنها بتقوله “هتعمل إيه؟”. بدر قام وقف ببطء، صوته كان طالع غليظ ومرعب من كتر ما هو كاتم غضــ . ــبه: — “نهال مش هتتجوز بعد حامد يا رشيد.. نهال قاعدة لعيال أخويا، والبيت اللي سابه حامد مش هيدخله راجل غريب طول ما أنا حي على وش الأرض.” رشيد استغرب الحدة دي وقال بدهشة: حكايات نورهان العشري — “غريب إيه يا بدر؟ أنا ابن عمه، وبعدين الست لسه صغيرة، هي هتترهبن طول عمرها؟ ده حتى الحاجة سميحة أكيد ميعجبهاش الكلام دا!
بدر خبط بإيده على الرخامة خبطة هزت المحل كله، والعمال سكتوا وبصوا ناحيتهم: — “أمي ملهاش صالح بالموضوع دا. الكلمة كلمتي أنا! نهال خط أحمر يا رشيد.. ولو رجلك عتبت البيت ده عشان السيرة دي، لا أنت ابن عمي ولا أعرفك. فاهم؟” رشيد قام وقف وهو بيعدل قميصه بذهول، وحس إن في إنه في الموضوع: — “مالك يا بدر؟ أنت قلبت ليه كدة؟ ده أنا بطلب الحلال! عموماً يا سيدي.. حقك عليا، بس افتكر إنك كدة بتوقف حالها و دا ميرضيش ربنا.” رشيد خرج وهو بيبرطم، وبدر فضل واقف مكانه، صدره بيعلو ويهبط من كتر الغيظ، وكان بيهمهم لنفسه بصوت مسموع: — “تتجوز مين يا روح أمك.. دا على جـ,ـثتي، والله على جـ,ـثتي!”
بدر وصل الحارة والدـ,ـم بيغلي في عروقه، كلام رشيد لسه بيرن في ودنه ونــ ــار الغيرة قايدة في قلبه. أول ما قرب من البيت، شاف “نهال” واقفة قدام الباب مع جارتهم “أم عبده”، كانت بتضحك بعفوية وهي بتعدل طرحتها اللي زحفت لورا وبينت خصلات من شعرها الأسود الناعم. حكايات نورهان العشري على الناحية التانية، كان في شاب من شباب الحارة واقف ساند على مــ . ــوتوسيكل وعينه مش نازلة من عليها، بيبصلها بإعجاب صريح وابتسامة رخمة. بدر الدنيا اسودت في عينه، وصوته طلع زي الرعد هز أركان الحارة: — “نهال!!! تعالي عايزك نهال اتخضت وضحكتها اختفت فجأة، وبصت لجارتها بإحراج وجريت على جوه. دخل بدر وراها ورزع الباب بقوة خلت البيت كله يتنفض. نهال وقفت في الصالة مرعوبة، لمت طرحتها بسرعة وقالت بصوت بترعش: — “في إيه يا بدر؟ خضيتني! حصل حاجة؟ مالك يا أخويا داخل حامي كدة ليه؟” بدر قرب منها وعينه بطلع شرار، وصوته كان واطي بس مليان غضــ . ــب مكتوم: — “أخوكي! هي الهانم اللي واقفة في الشارع تضحك وتكركر وشعرها باين للرايح والجاي دي تبقى مين؟ عاجبك نظرات الصايع اللي واقف برا ده؟”
نهال عيونها د.معت من الصد.مة: — “والله ما قصدت يا بدر، الطرحة اتزحلقت غصب عني وأنا بكلم أم عبده، وبعدين أنت عارفني كويس، أنا عمري ما بصيت…” قاطعها بدر بزعيق وهو بيشاور على شعرها: — “داري شعرك ده! داريه بدل ما تزعلي مني! أنتِ مش صغيرة، أنتِ شايلة اسم راجل وشايلة شرف عيلة كاملة. السبهللة اللي أنتِ فيها دي مش هسمح بيها تاني، سامعة؟”
نهال حست كأن كف نزل على وشها، كلامه كان تقيل وقاسي فوق ما تتحمل، خصوصاً إنها دايمًا بتعامله باحترام . بصتله بكسرة وقالت بصوت مخنوق بالعيط: — “كتر خيرك يا ابن عمي.. كتر خيرك على كلامك اللي زي السم. أنا مغلطتش في حق أخوك، ولا عمري هغلط، بس الظاهر إن قعدتي في البيت ده بقت تقيلة على قلبك.”
بدر حس بنغزة في قلبه لما شاف د.موعها، بس كبريائه وغضــ . ــبه من موضوع رشيد خلاه يفضل واقف مكانه زي الصنم وميعتذرش. نهال سابته وهي بتعيط بحــر . ــقة، ولمت أطراف عبايتها وطلعت تجري على شقتها وقفلت الباب وراها. حكايات نورهان العشري بدر فضل واقف في الصالة لوحده، يضـ,ـرب إيد في إيد وهو بيلوم نفسه: “ليه قلتلها كدة؟”، بس في نفس الوقت نــ ــار الغيرة كانت لسه بتاكل في قلبه كل ما يفتكر إن في حد غيره ممكن يبصلها.
★★★
البيت كان هادي، والست سميحة قاعدة في الصالة مع “منال” سلفتها وبنتها “سلمى” اللي كانت قاعدة بتعدل في لبسها وكل شوية تبص في المراية الصغيره اللي في شنطتها، مستنية رجوع بدر. منال بدأت الكلام وهي بتشرب القهوة بصوت مسموع: — ألا قوليلي يا سميحة ياختي. هو بدر مش كبر، بقى و آن الجواز يشوف حاله. المحل بسم الله ما شاء الله شايل اسمه وزيادة. عايزين نفرح بيه بقى. ابنك شال شيلة تقيلة من بعد حامد الله يرحمه، ونفسنا نشوفله بيت وعيال يملوا عليه دنيته.” سميحة تنهدت بقلة حيلة: — “يا ريت يا منال، ده أنا ريقي نشف معاه. كل ما أفتح السيرة يقلب الوش التاني ويقولي سيبيني في حالي.” سلمى دخلت في الكلام بدلع وهي بتلعب في خصلة من شعرها: — “يمكن يا طنط ملقاش اللي تخطف قلبه لسه؟ أصل بدر ده ذوقه صعب، وعايز واحدة تفهمه وتدلعه مش واحدة شايلة الهم طول النهار.”
في اللحظة دي، بدر دخل من باب البيت، وشه كان مجهد وعينه بتدور في الصالة. سلمى قامت وقفت بسرعة وبصتله بابتسامة عريضة: — “حمد الله على السلامة يا بدر.” بدر رد باقتضاب وهو بيحاول يعدي: — “الله يسلمك يا سلمى.. أهلاً يا مرات عمي، منورين.” سلمى حاولت تشاغله وهي بتقرب منه خطوة: — “إيه يا بدر، انت تعبان ولا أيه؟ ده أنا حتى كنت جايبة لك معايا صنف أكل حلو عاملاه بإيدي، قلت لازم تذوقه وتقولي رأيك.” بدر مسح على وجهه بتعب: — “تسلم إيدك يا سلمى، ماليش نفس دلوقتي. بعد إذنكم هطلع أرتاح شوية.”
بدر سابهم وطلع السلم، بس سلمى مراحتش قعدت، فضلت واقفة عند طرف الصالة اللي بيكشف طرف السلم وممر الدور التاني. شافت “نهال” وهي طالعة شقتها، كانت ماشية ببطء والزعل باين في عينيها. بدر وقف قدامها فجأة على السلم، ونهال حاولت تعدي من جنبه من غير ما تبص له، بس هو مد إيده ومسك طرف عبايتها بلهفة: — “نهال.. استني بس.” نهال وقفت من غير ما تلف وشها، وصوتها كان مخنـ,ـوق: — “عايز إيه تاني يا بدر؟ متهيألي قلت كل اللي عندك وزيادة امبارح.” بدر وطى صوته خالص، وبقت نبرته فيها رجاء: — “حقك عليا.. والله ما كنت أقصد أوجعك. أنا بس.. أنا د.مي بيغلي لما بشوف حد بيبص لك، مبقاش شايف قدامي. شعرك ده.. وضحكتك دي.. أمانة في رقبتي، وبغير عليكي من الهوا الطاير.” نهال لفت له وعينها غرقانة د.موع: — “الغيرة مش بالسـ,ـكاكين يا بدر. أنت جـ,ـرحتني في كرامتي.” بدر قرب خطوة، وصوته بقى همس: — “والله ما تهوني عليا أبداً. امسحي د.موعك دي، وصدقيني محدش يقدر يمس كرامتك أنا اللي هقفله . انا أكيد مش محتاج أقولك اني سندك يا نهال.. حتى لو مش عاجبك.”
سلمى كانت واقفة ورا الباب زي الصنم، وضوافرها بتنغرز في كف إيدها من كتر الغيظ. سمعت الهمس، وشافت نظرة “اللهفة” اللي في عين بدر لنهال، النظرة اللي عمره ما بصها ليها هي. حكايات نورهان العشري رجعت قعدت جنب أمها ووشها بقى لونه أصفر، وعقلها بدأ يصورلها صور بشعة. همست لنفسها بحقد: — “بقى بتصالحها يا بدر؟ وبتغير عليها من الهوا؟ ماشي.. ولاد حامد دول اللي رابطينك بيها، والست “الخضرة الشريفة” دي لازم تقع من نظرك ونظر الحارة كلها.”
منال لاحظت تغير حال بنتها، مالت عليها وهمست: — “مالك يا بت يا سلمى؟ وشك جاب ألوان ليه؟” سلمى ردت بفحيح: — “مفيش يا ماما.. بس الظاهر إن البيت ده فيه “عقربة” لازم تتداس بالرجل عشان بدر يفوق لنفسه. نهال دي مش هتقعد مبقاش ينفع تقعد في البيت دا اكتر من كدا
★★★
الدنيا كانت ليل، وهدوء البيت مبيقطعهوش غير صوت الهوا اللي بيخبط في شجر الجنينة الصغيرة. بدر كان قاعد في الصالة لوحده، والبيت كله نام، وقدامه كشوفات الحسابات بتاعة المحل، بس عينه مش شايفة الأرقام.. عينه شايفة صورة نهال وهي بتعيط. فجأة، سمع صوت “خروشة” خفيفة، وريحة بخور هادية بدأت تفوح. نهال كانت نازلة من شقتها، لابسة عباية بيتي واسعة ومحتشمة، ولابسة طرحة قطن لافاها بتلقائية. شافت بدر لسه قاعد، فاترددت ترجع، بس هو لمح خيالها. بدر بصوت واطي ودافئ: — “تعالي يا نهال.. لسه صاحية ليه؟” نهال قربت بخطوات هادية، وهي باصة في الأرض: — “قلت أنزل أعمل كوباية ينسون، العيال كانوا مقلقين شوية ولسه نايمين. أنت لسه مخلصتش شغل يا بدر؟” بدر ساب القلم من إيده وسند ضهره لورا، وعينه مركزة في ملامحها اللي ضي السهاري مبين رقتها: — “الشغل مبيخلصش.. بس قعدتي هنا هي اللي بتريح بالي. تعالي اقعدي عايز اتكلم معاكي.” قعدت نهال على طرف الكرسي البعيد، فبدأ بدر كلامه “لسه زعلانه مني؟” نهال رفعت عينها وبصتله نظرة فيها عتاب مخلوط بحنية غريبة: — “أنا مزعلش منك يا بدر.. أنا بس بخاف. بخاف الناس تفهم حنيتك عليا غلط، وأنت عارف كلام الناس مبيرحمش.”
بدر ميل عليها شوية، وصوته بقى فيه بحة رجولية هادية: — “الناس مش شايفين اللي أنا شايله يا نهال. هما شايفين الظاهر، بس أنا اللي عارف مين السند ومين اللي البيت ده من غيره يبقى جدران فاضية. أنا لما بزعق، بيبقى خوف عليكي.. مش تسلط. أنتِ عندك أغلى حاجة سابها أخويا، وأنتِ نفسك.. ”
سكت بدر ثانية، وكأن الكلمة كانت هتطلع بس لجمها في آخر لحظة، وكمل: “.. وأنتِ نفسك غالية عندي قوي، يمكن أكتر ما تتخيلي.” نهال حست بقلبها بيدق بسرعة، والتوتر خلاها تفرك في طرف طرحتها. بدر مد إيده “بالغلط” وهو بيعدل كوباية الشاي، فلمست أطراف صوابعه إيدها لثانية واحدة. الثانية دي كان فيها كهربا خلت نهال تتنفض بس متبعدش إيدها. بدر بابتسامة خفيفة وساحرة: — “الشاي برد.. زي ما قلبي كان برد قبل ما تنزلي. كلي لقمة يا نهال، وشك دبلان من كتر التفكير. طول ما أنا في البيت ده، متخافيش من حد.. ولا حتى مني.”
نهال قامت وقفت بسرعة وهي بتحاول تداري كسوفها وضـ,ـربات قلبها اللي بقت مسموعة: بقلم نورهان العشري — “تصبح على خير يا بدر.. المحل محتاجك بكره فايق.” طلعت نهال السلم وهي حاسة إن رجليها مش شايلاها، وبدر فضل واقف مكانه، ريحة بخورها لسه في مناخيره، ولمسة إيدها “العفوية” معلمة على صوابعه، ولسان حاله بيقول: “يا ريتك تعرفي يا نهال إنك مراتي في قلبي، قبل ما تكوني مرات أخويا في الورق.”
★★★
سلمى كانت قاعدة في أوضتها، الإضاءة خافتة، وماسكة تليفونها بتقلبه بين إيديها بغل. صورة “نهال” وهي واقفة مع بدر على السلم مش عايزة تروح من خيالها. دخلت عليها أمها “منال” وهي بتفك طرحتها وبتقول بضيق: — “مالك يا بت يا سلمى؟ من ساعة ما رجعنا من عند عمتك وأنتِ بتبرطمي، ووشك يقطع الخميرة من البيت.”
سلمى قامت وقفت، وعينها فيها لمعة شريرة: — “عايزاني أضحك وإحنا كنا رايحين نخطب بدر، لا والبيه شكله دايب ست الحسن والجمال؟ بدر بيحب نهال يا ماما، بيحبها بجد! شوفت حبه عينه وهو بيبصلها وشوفته وهو بيمسح د.موعها.” منال اتخضت وشهقت: — “ياساتر يا رب! ده أخوه ميت بقاله سنتين، عايز يتجوز أرملة أخوه؟ وسميحة ساكتة؟”
سلمى بضحكة سخـ,ـرية: — “سميحة هانم غلبانة، فاكرة إن ابنها بيعمل كدة عشان ولاد أخوه. بس أنا مش غبية.. نهال دي لازم تخرج من البيت ده مطرودة، ومطرودة بـ “فـ,ـضيحة” تخلي بدر يقرف يبص في وشها، مش بس يتجوزها.” منال قلقت وقربت من بنتها: — “ناوية على إيه يا مقصوفة الرقبة؟ ابعدي عن سكة الفضايح، إحنا عيلة واحدة.”
سلمى لفت حوالين نفسها وهي بتخطط بصوت مسموع: — “بدر راجل د.مه حامي، والغيرة بتعميه.. شوفتي الواد الصايع اللي اسمه ‘تامر’ اللي ساكن في أول الحارة؟ الواد ده عينه من نهال وبيلف وراها بقاله كتير. أنا هخلي تامر ده ‘يتمطع’ قدام بدر بكلمتين، وهبعت لنهال رسالة من تليفون مجهول أخليها تنزل تقابله في وقت يكون بدر راجع فيه.. وساعتها بدر مش هيشوف غير إنها خاينه و ست مش كويسة منال بخوف: — “ولو اتكشفتي؟” سلمى ببرود: — “مش هتكشف. أنا هجيب خط تليفون جديد، وهعرف ألعب بـ تامر ده، هو أصلاً هيمـ,ـوت ويطول منها كلمة. المهم بدر يشوفها وهي واقفة معاه في الضلمة، وساعتها مفيش اعتذار ولا ‘حقك عليا’ هينفعوا.. ساعتها بدر هو اللي هيرميها برا البيت بإيده.” طلعت سلمى “برواز” صغير فيه صورة لبدر كانت واخداها من بيت عمتها، ومسحت عليه بضوافرها وهي بتقول بفحيح: — “بدر ليا أنا.. والبيت ده ملوش غير ملكة واحدة، وأنتِ يا نهال ملكيش مكان وسطنا.”
— “أنت.. أنت بتقول إيه؟” بدر قرب منها، وصوته بقى همس مليان شجن: — “بقول اللي كاتمه في قلبي من قبل ما تلبسي الدبلة لحامد. كنت بقول بكره أنسى، بكره تخرج من قلبي.. ولما مات، قولت هصونها بعيني بس مش هلمسها عشان مخونش اللي راح. بس ناـ,ـر الغيرة اللي شوفتيها يوم اللي حصل كانت نـ,ـار حب محبوسة بقالها سنين، وانفجرت في الوقت الغلط.” بدر قعد على الكرسي اللي جنبه وكأنه فقد طاقته: — “أنا مش عايزك تسامحيني عشان خاطر العيال، ولا عشان خاطر أمي. أنا عايزك تسامحيني عشان أنا من غيرك ولا حاجة. أنا مستعد ألف بيكي الحارة كلها وأقولهم “نهال ست الستات وجزمتها فوق راسي”، بس وافقي تكوني ليا يا نهال.. وافقي تداوي الراجل اللي اتكسر بذنبه.” نهال فضلت واقفة مكانها، الد.موع بتنزل بهدوء، بس المرة دي مكنتش د.موع وجع، كانت د.موع “راحة”. حست إن الحمل اللي شايلاه لوحدها في صمت السنين دي بدأ يتشال. قربت منه ببطء، وحطت إيدها على كتفه بحذر: — “كنت مستنية الكلمة دي يا بدر.. بس كنت مستنياها وأنا مرفوعة الراس، مش وأنا مكسورة كدة.” بدر قام وقف ورفع راسها بإيده، وبص في عينيها وقال بعهد رجالة: — “راسك هتفضل مرفوعة للسما، وهتكوني ست البيت ده وبكره الصبح الحارة كلها هتعرف إن فرح “بدر ونهال” الخميس الجاي، واللي يقدر يفتح بقه بكلمة، يجي يواجهني.” نهال ابتسمت وسط د.موعها، وبدر ضحك لأول مرة من قلبه وهو بيهمس لها: — “داري شعرك بقى يا نهال.. عشان المرة دي لو حد شاف خصلة منه، مش هزعق لك أنتِ.. أنا هحــر . ــق الحارة باللي فيها!”
الحارة كلها كانت متزينة بالأنوار، وصوت الزغاريد طالع من كل شباك. “بدر” كان واقف قدام مراية المحل، لابس بدلة سوداء شيك جداً، وشه كان منور بابتسامة لأول مرة الناس تشوفها عليه من سنين. “رشيد” كان واقف جنبه، بس المرة دي بكسرة نفس واعتذار حقيقي، وبدر بقلبه الكبير قبل اعتذاره وقرر يفتح صفحة جديدة. في البيت الكبير، كانت “سميحة” بتشرف على “نهال” وهي بتلبس فستان فرح أبيض رقيق، محتشم وزي القمر. نهال كانت قاعدة قدام المراية، ملامحها هادية وجميلة، والضحكة مش مفارقة وشها وهي شايفة ولادها (يوسف و مروة) لابسين بدل صغيرة وعمالين يتنططوا حواليها: “ماما وبابا بدر هيتجوزوا!”. بقلم نورهان العشري و جت لحظة كتب الكتاب المأذون قعد في وسط الصالة، وبدر حط إيده في إيد عم نهال. أول ما المأذون قال جملة: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”، الحارة كلها اتهزت بصوت الفرحة. بدر قام وقف وراح لنهال اللي كانت واقفة بكسوف. شال الطرحة عن وشها وباس راسها قدام الكل، وهمس في ودنها بصوت كله حنية: — “مبروك عليا روحي اللي ردتلي يا نهال.. النهاردة بس أقدر أقول إني بدأت أعيش.” نهال رفعت عينها وبصتله بحب: — ” ربنا يخليك ليا وللعيال وميحرمنيش من حنيتك أبدًا.”
نزلوا السلم وإيدهم في إيد بعض، والعيال ماسـ . ــكين في أطراف الفستان والبدلة. الزفة بدأت بالمزمار البلدي، وبدر كان ماشي وسط الحارة وكأنه ملك، شايل ابنه الصغير على كتفه وماسك إيد نهال بالإيد التانية، كأنه بيقول للعالم كله: “دي ملكي.. ودي دنيتي”. قعدوا في “الكوشة” في وسط الحارة، وسميحة كانت بتوزع الشربات وهي بتبكي من الفرحة وتدعي: — “ربنا يسعدكم يا ضنايا.. البيت نور بيكي تاني يا نهال، وبدر أخيراً لقى الراحة اللي كان بيدور عليها.” بدر ميل على نهال وسط الدوشة والأغاني، وطلع علبة قطيفة صغيرة فيها خاتم دهب مرسوم عليه “قلب”، لبسهولها وقال بضحكة فيها شقاوة: — “الخاتم ده علامة.. إنك محبوسة جوه قلبي للأبد، ومفيش خروج، فاهمة؟” نهال ضحكت من قلبها وردت بدلع: — “وأنا راضية بالحكم ده يا سيد الرجالة.. ومش عايزة أخرج أبداً.” وانتهت الليلة والكل فرحان، والظلــ . ــم اللي كان بيحاول يفرقهم بقى مجرد ذكرى بعيدة، وبدأوا حياتهم في “بيت العيلة” بس المرة دي.. كزوج وزوجة بيجمعهم حب ملوش نهاية. تمت اكتمال البدر حكايات نورهان العشري




