في كنف الشيخ حكايات سوما ج2

تفتكري برّه الديرة دي، في وسط الديون والرجالة اللي كسروا باب بيتك في القاهرة، كنتِ راح تلاقي ستر وأمان زي هِنا؟ لو طلعتِ بره حدود حمايتنا، تفتكري مين راح يحميكِ من ذئاب المدينة اللي لسه بتدور عليكِ؟ ردت بغضب وعناد وهي مكتفة دراعاتها على صدرها: — أمان بالحبس؟

! أمان وأنا ممنوعة أرجع بيتي أو حتى أخد ورثي؟! أنا عندي ديون في مصر لازم أسدها، وعندي حياة مستقلة بناها جوزي الله يرحمه وأنا حرة فيها! مش هتنازل عن حقي ولا هقبل أتجوز واحد حتى معرفش أصله ولا حقيقته!

ضحكت الجدة بخفة وقالت بنبرة فيها تحذير خفي: — أصله عالي ودياره حاميها برقبته.. وتسمعي مني يا بنتي، عاندي الكل إلا الشيخ؛ لأنه لو حط شي برأسه، ما حد يقدر يزيله عنه، ولا تعاركي طوفان راكب فرس العزة. الأيام اللي بعد كده عدت بطيئة وثقيلة على قلبها زي الجبال.

كانت محبوسة جوه حدود الديرة والمنطقة اللي حواليها، وكل ما كانت تحاول تقرب من أطراف الصحراء المفتوحة أو تسأل أي واحدة من الستات عن طريق الخروج، كانت تلاحظ بعينها عيون رجالة حرس الشيخ وهي متابعاها بصمت كامل فيه تحذير قاطع ما ينفعش تتجاهله أو تعدي الخطوط اللي راسمينها لها.

في يوم من الأيام دي، حاولت تمشي كم خطوة زيادة وتعدي التل الصغير اللي بيبص على خيام القبيلة، وماشية في سكة الطريق الرئيسي اللي بيؤدي لبره، وفجأة لقت راجلين من حرس الشيخ قربوا منها بخطوات ثابتة ومهيبة، وقفوا بأدب شديد بس بصوت صارم وحاسم: — معذرة يا أم ياسين.

. الأوامر واضحة، ما حدا يتعدى حدود الديرة بروح حاله لجل أمانك … نرجو ترجعي للخيمة. النار ولعت في صدرها من إحساس العجز ط اللي محاوطها، فردت بعصبية واضحة: — أنا مش مسجونة عندكم! أنا إنسانة حرة وعاوزه أتمشى في مكاني براحتي! مين أنتوا عشان تمنعوني؟!

رد واحد منهم باختصار وجدية تامة: — إحنا رجال الشيخ.. وأوامر الشيخ عندنا مقدسة، وما نقدر نخالفها ولو على قطع رقابنا … عودي لدارك بسلام يا أم ياسين، وريحي بالك. اضطرت ترجع وهي بتجر أذيال القهر والغضب، ورجعت خيمتها وهي حاسة إن الحبال بتضيق على رقبتها أكتر وأكتر كل ساعة بتعدي في المكان الغريب ده.

بس في الناحية التانية، وفي وسط التوتر المستمر ده، كانت ملاحظة حاجة تانية بتخفف عنها رعبها الظاهري؛ ابنها “ياسين”. الطفل أبو الأربع سنين لقي عالم سحري ماشافوش خالص في شوارع القاهرة الزحمة؛ كان بيقضي أيامه بيلعب بحرية تامة وبراءة مطلقة مع الأطفال البدويين في الساحات الواسعة، بيجري بسعادة ورا الكرات البدائية أو بيراقب الغنم والجمال.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *