قلوب لا ترمم بقلم نورهان موسى

هز بدر رأسه موافقًا، لكن داخله كان يموج بالغضب والرفض. هو لا يطيق وجودها بجواره، لا يشعر تجاهها بشيء سوى الجمود. زواجه بها كان لحظة انفعال وطيش، لحظة خذلان عاطفي جعلته ينتقم من قلبه بزواجٍ لا يريد منه سوى النسيان… لكنه لم ينسَ.
لاحظ عبدالله تصلب ملامح وجه بدر، وكيف انكمشت عضلات وجهه في تعبير يشي بالألم… كان يعلم تمامًا أن بدر لا يزال يفكر بها. تلك الأخرى التي تركت فراغًا في قلبه لم يُملأ، ولا يزال مجرد الحديث عنها يُشعل النار في عينيه.
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕
بعد يومين، وفي قلب مدينة الغردقة الساحرة، إحدى أبرز مراكز السياحة والأنشطة البحرية في مصر، وتحديدًا داخل أروقة أكبر فنادقها حيث يُقام المؤتمر الدولي، احتشد عدد كبير من رجال وسيدات الأعمال داخل القاعة الرئيسية، يتبادلون الحديث في مجموعات صغيرة، كلٌّ يعرض رؤيته في تطوير الاستثمار ودور مصر الريادي في الساحة العالمية.
كان بدر هاشم واقفًا وسط مجموعة من رجال الأعمال، ينصت بتركيز إلى النقاش الدائر حول آفاق التطوير ودفع عجلة النمو، بينما تستعد القاعة لسماع كلمة من أحد كبار المستثمرين. وما إن أعلن المقدّم اسم المتحدث حتى صعد الرجل إلى المنصة، وبدأ حديثه عن أهمية بناء مستقبل مصر من خلال التعليم الجاد، وإعداد أجيال قادرة على حمل الراية.
لكن بدر، الذي كان حاضرًا بجسده، بدأ فجأة يشعر بأن عقله قد انسحب من كل ما حوله. تسارعت دقات قلبه كأنها تُعلن عن قلق خفي، واختفت الأصوات تدريجيًا من أذنيه، ولم يتبقَّ سوى همسات باهتة تتردد في الفراغ… همسات غامضة ولكنها مألوفة.
تسللت إلى أنفه رائحة يعرفها جيدًا… رائحة محفورة في ذاكرته، لم تفارقه يومًا، رائحة ارتبطت دومًا بالحنين، بالألم، بالحب الذي دفنه حيًا. أصلح بدر من هندامه بسرعة لا إرادية، ثم أدار وجهه ببطء نحو باب القاعة، وكأن قلبه قد سبقه إليه.
وهناك… كانت تقف.
بهيبة لا تخطئها عين، ظهرت عليا، متألقة بقوة لافتة، ترتدي طقماً كاملاً باللون الأسود، بليزر أنيق فوق قميص بنفس الدرجة، وبنطال قماشي يعكس أناقتها الصارمة، شفاهها مرسومة بلون قرمزي قاتم، وخصلات شعرها مرفوعة في ذيل حصان أنيق يعكس عنادها المعتاد وقوة شخصيتها.
رفعت عينيها نحوه، ونظرت إليه بنظرات صلبة، تحمل مزيجًا من الكره والقوة، لكن بدر… كان يراها وحدها، يراها بقلبه قبل عينيه. يعلم أنها لا تزال تحبه، رغم كل ما حدث، رغم الجراح التي لم تندمل، لكنه أيضًا يعلم أنها باتت تبغضه بمرارة، بغض لا يصدر إلا ممن أحب بصدق… وتألم حتى النزف.




