جنتي بقلم الكاتبة اسما المصري ج٥

التأخير في الانتقام يجعل الضربة أشد قسوة، فإن ترددت قليلًا في أن تنتقم أو تصفح، فتذكر أن الصفح يأتي في كل وقت، أما الانتقام فلا يتاح إلا مرة واحدة… وهذه هي فرصتك، فلا تدعها تفلت منك.
هكذا كان حال سليم طوال فترة قيادته عائدًا إليها، إلى حبيبته التي ما إن سمعت ما ألقاه على مسامعها حتى دخلت في حالة من الذهول والاضطراب.
أما هو، فكان شاردًا يستعيد في ذهنه ما فعله بعصام الشاطر، وصراخه الذي ما زال يتردد في رأسه، ليعود ويسأل نفسه للمرة التي لا يعرف عددها
هل كان عقابه قاسيًا؟
أم أنه كان يستحق ما حدث له؟
تذكر ذلك الملف الذي جمع فيه بعض المعلومات عنه، والذي كشف له جانبًا مظلمًا من حياته، وما ارتكبه من أفعال مشينة بحق فتيات صغيرات.
حاول طرد تلك الأفكار من رأسه حتى يستعد لمواجهة جنه بالحقيقة، كما عاهد نفسه معها دائمًا.
أما هي، فقد ظلت تضرب الأرض بقدميها في توتر واضح، بعدما صعدت إلى جناحهما تنتظره على أحر من الجمر، حتى لا يشعر بها أحد، ولتعلم منه ما قصده بحديثه، وماذا فعل بعصام الشاطر.
سمعت صوت سيارته يدخل من بوابة الفيلا، فتيقظت حواسها، ثم استمعت إلى همهماته مع جدته ووالدها في الأسفل، وبعدها سمعت صوت خطواته تصعد الدرج.
ما إن فتح باب الجناح حتى اندفعت نحوه، لكنها توقفت قبل أن تقترب منه كثيرًا، وكأنها لا تعرف هل تطمئن إليه أم تخشاه بعد ما سمعته.
نظر إليها سليم بقلق، ولاحظ الاضطراب المرتسم على وجهها.
قال بهدوء
مالك يا حبيبتي؟ بتعيطي ليه؟ اهدي خلاص، أنا جنبك.
ابتلعت لعابها بتوتر وخوف، ثم سألته بصوت مرتجف
أنت عملت إيه معاه يا سليم؟… عصام الشاطر مش حد سهل، ومش هيسكت.
ابتسم ابتسامة صغيرة محاولًا طمأنتها
متخافيش… أنا عارف أتعامل مع الأشكال دي، متقلقيش إنتِ.
همست بتلعثم
ط… طيب، قول عملت إيه؟
شعر برهبتها، فأدرك أنها لن تستطيع تقبل الحقيقة بسهولة.
فهو نفسه بدأ يشعر بثقل ما فعله، وتساءل للحظات إن كان قد تجاوز الحد، لكنه عاد يؤكد لنفسه أن الرجل يستحق العقاب، وأن ما ارتكبه لا يمكن تجاهله.
جلس بجوارها على طرف الفراش، وقال بهدوء
أنا عايزك تهدي وتعرفي إن العقاب اللي أخده أقل بكتير من اللي يستحقه يا جنتي… ومن النهارده تنسي حد بالاسم ده نهائي، لأنه مش هيظهر أبدًا في حياتنا بعد كده.
ظهرت في عينيها لمعة حزن وانكسار، جعلته يتردد قليلًا في إخبارها بباقي الأخبار التي وصلته حديثًا من أخيه سليمان.
نظر إليها طويلًا، ثم سألها بصوت خافت
إنتِ بتحبيني يا جنة؟
أومأت له، لكن إجابتها لم تكن كافية بالنسبة إليه، فقال بإصرار
انطقيها.
أجابته بوهن
بحبك يا سليم.
هدأ قليلًا، ثم سألها
وهتكملي حياتك معايا؟ يعني مش هتسبيني تاني، مش كده؟
أومأت بالموافقة وقالت
عمري ما هسيبك إلا لو أنت اللي سبتني.
نظر إليها طويلًا، ثم قال
عمري ما هسيبك مهما حصل.
ابتعدت عنه قليلًا، وتفرست في ملامحه بقلق
الكلام ده وراه حاجة كبيرة يا سليم… قول اللي عندك.
ابتلع لعابه بخوف، وأطرق رأسه بحرج قبل أن يقول
قمر حامل.
ساد الصمت بينهما.
توقفت الكلمات على شفتيها، واتسعت عيناها في صدمة، بينما ظل سليم يراقب رد فعلها بصمت.
تفاجأ سليمان بالحاج تهامي يقترب منه بينما كان يباشر أعمال الأرض ويتفقد المزارعين، فتوقف أمامه يهتف بحدة
أبوك فين يا سليمان؟
أجابه الأخير
في الدار… خير يا حاج؟
ابتسم ساخرًا وقال
والخير حيجي منين عاد؟ أخوك اتجوز على بنتي ورماها وهي حبلى، وتجولي خير؟
امتعض وجه سليمان، ونظر إليه باستخفاف قبل أن يرد
ما الحكاية كلها اتكشفت يا حاج… فبلاش بقى الرسم ده، وإنت خابر إن إحنا اللي لينا الحق، ومع ذلك ساكتين إكرامًا للي بنتك شيلاه في بطنها، ويبقى ولدنا ومن صلبنا.
زفر تهامي بحنق وقال
أنا كلامي مش معاك إنت، كلامي مع كبيركم… ولا خلاص ما عادش فيه احترام للكبير؟
ضحك سليمان ساخرًا
لا إزاي يا حاج تهامي؟ السن والمقام محفوظ برده.
وأشار له بالتحرك أمامه
اتفضل أوصلك لأبويا.
تحرك تهامي بعجرفة واضحة، يطرق الأرض بعصاه، حتى وصل إلى قصر الراوي برفقة سليمان، فاستقبله فرج بترحاب مصطنع
يا أهلا يا حاج تهامي… البلد نورت بيك، كفارة يا راجل.
نظر إليه تهامي بحدة وقال
كفارة على إيه عاد؟ ده يا دوب كام يوم الواحد قضاهم في الحبس لحد ما الحقيقة ظهرت.
بسخرية أجابه فرج
لااا… وإنت الحق معاك طبعًا، ورجالتك كانوا بيلعبوها من وراك. معلش، ما إنت أكيد كبرت ومبقتش كلمتك تهز جبال زي زمان، عشان كده رجالتك استغفلوك وحطوا سلاحي في المخازن بتاعتك من غير علمك.
ابتلع تهامي لعابه بتوتر
هو ده موضوعنا دلوقتي؟
ممازحًا إياه قال فرج
أبَى عليك يا تهامي… بلاش أهزر معاك يا أخي، ده إحنا حتى نسايب، وقريب حيجي حفيد يشيل اسم عيلة الراوي من رحم بنتك.
تضايق تهامي من سخريته المبطنة، فكتم غيظه وقال بتوبيخ
ويصح ولدك يتجوز على بنتي وهي لسه مكملتش سنة جواز ويرميها كده وهي حبلى؟
حرك فرج رأسه بلا مبالاة وقال باستفزاز
ولدي بيحب عروسته من سنين ورايدها، وكان حيتجوزها لولا حكاية الصلح اللي بينا، وأنا اديته كلمتي إن جوازته من بنتك مش حتأثر عليه.
صاح تهامي بغضب
إيه الكلام الفارغ ده؟ يعني إيه؟ ولدك كان ناوي من الأول إنه يتجوز على بنتي؟
هنا لم يتمالك سليمان أعصابه، فردد بلسان لاذع
مالك يا حاج؟ ما طول عمرنا بنتجوز مرة واتنين وتلاتة كمان، وغير كده بنتك أرملة، يعني أخويا من حقه يتجوز بنت بنوت، مش واحدة معاها بدل العيل تلاتة.
لمعت عين تهامي بالغضب والكره، فوقف من مكانه وقال بحدة
وأنا مسمحش لحد إنه يكسر بنت تهامي الحديدي… خلى ولدك يتجوز براحته، بس يطلق جمر.
ابتسم فرج بسخرية
بس كده؟ من عنيا. حجوله يطلقها. أي أوامر تانية؟
رفع تهامي حاجبيه بضيق، ثم حرك رأسه رافضًا واتجه للمغادرة، فأوقفه صوت فرج الصارم
أظن إنت خابر إن ولدنا اللي عنديكم أمانة لحد ما يتم سنتين، وبعدها…
صمت ليترك له المعنى.
أجابه تهامي بغضب
ياجي للدنيا الأول، ووقتها يحلها الحلال.
ابتسم فرج مزهوًا بنفسه
ولسه لينا قعدة تانية نتفق فيها إزاي حتدفع تمن البضاعة اللي رجالتك سرقوها.
التفت إليه تهامي بحدة
بضاعة إيه اللي عاوز تمنها دي؟ البضاعة اتمسكت عند الحكومة.
رد فرج ببرود
ميخصنيش… تمن البضاعة هاخده يعني هاخده، لأني حايش عنيكم التجار بالعافية بعد ما عرفوا إنكم السبب في اللي حصل، وإنت عارف التجار ممكن تعمل إيه فيكم!
هدر تهامي بصوته الغاضب
إنت بتهددني يا فرج؟
وقف أمامه بغرور وقال
اسمي الحاج فرج الراوي، كبير الناحية، ومتنساش إني حايش عنيكم رجال العيلة كلها لأجل التار، وأولهم سليم جوز بنتك يا…
صمت لحظة ثم أكمل بسخرية
يا حاج تهامي.
خرج تهامي غاضبًا، بينما ظل فرج يراقبه بنظرات ثابتة.
أما تهامي، فكان يطوي عباءته أمامه ويضرب الأرض بعصاه، وقد اشتعل الغضب داخله.
تمتم لنفسه
يبقى حد يفكر يفتح موال التار ده من تاني.
عاد إلى منزله وقص ما حدث معه لابنه الوحيد، فردد جابر بخوف
مش قلتلك

