جنتي بقلم الكاتبة اسما المصري ج٥

لمحة نيوز
يا أبوي إننا كده بنلعب بالنار؟
نظر إليه بضيق
إنت خايف يا جابر؟
أجابه على الفور
أيوه خايف يا أبوي… مش خايف من الموت، أنا خايف على مرتي وولادي يتربوا يتامى زي باقي ولاد إخواتي ونسوانهم.
حملق أمامه بحزن وأكمل
هتتبسط لو قتلوني وحرّقوا قلب أمي ومرتي عليا، وبقيت إنت من غير سند وظهر يا أبوي؟ ولو عملوها بعد اللي عملناه فيهم، يبقى عنديهم ألف حق.
جلس بخزي، يطرق رأسه إلى الأسفل، وقال بحيرة
البيت مليان عيال إخواتي، وأنا اللي بربيهم، وربنا العالم إني مش بفرق بينهم وبين ولادي.
رفع بصره ناحية والده وأكمل
بس تقدر تقولي لما أموت مين اللي هيربيهم وهيربي معاهم ولادي؟
كل هذا وزوجته تقف بالخارج تستمع لما يقوله، فرددت في نفسها بحزن ورهبة
لا يا جابر… ده إنت السند، أوعاك تسيبنا.
ثم لمعت نظرة خبيثة في عينيها، وأقسمت بغضب
كله منك يا وش النصايب… أنا وإنت والزمن طويل يا جمر.
الصمت أحيانًا يكون أبلغ لغة تعبر بها عما يدور بداخلك، ولكن صمت الحبيب يصبح سهامًا تخترق قلبك خوفًا، وسكينًا حادًا يشطر روحك نصفين.
ظل ينظر إلى صمتها خائفًا، بل ومذعورًا من ردها الذي طال انتظاره.
فمنذ الأمس وهي لا تتحدث، بعدما عرفت بخبر حمل زوجته الأولى. اتجهت إلى غرفتها، وبدلت ثيابها، ثم دلفت إلى الفراش دون أن تصدر صوتًا.
وها هي تستيقظ على الحالة نفسها.
وقفت أمام مرآة الزينة تصفف شعرها بعدما أبدلت ملابسها استعدادًا للنزول وتناول الإفطار مع العائلة.
ظل سليم يراقبها، محاولًا قراءة لغة جسدها، لكن حركاتها وتعابير وجهها كانت خالية من الحياة.
وعندما وجدها تتجه إلى الباب لتفتحه، اعترض طريقها بجسده وقال بإصرار
مفيش نزول قبل ما نتكلم.
رفعت عينيها إليه وقالت بضيق
مفيش كلام ممكن يتقال يا سليم. في الأول والآخر هي مراتك، وإنت أكدت عليا أكتر من مرة إن ليها حقوق عليك وإنك حتلبيها… وأنا وافقت.
احتد قليلًا وهو يقول
أمال إنتِ عاملة كده ليه؟ عايز أفهمك.
قوست فمها قليلًا وأجابته بامتعاض
زعلانة من نفسي يا سليم… زعلانة أوي من نفسي.
قال بحزن
زعلانة من نفسك عشان حبيتيني؟ مش كده؟
ادمعت عيناها وأجابته
أكيد مش زعلانة عشان حبيتك… لأن ده أجمل إحساس أنا حسيته في حياتي، بس زعلانة إني…
صمتت، فشعر بالخوف.
اقترب منها وسألها
هتسبيني؟ هتخلفي وعدك ليا وتسبيني؟
مسحت دموعها بظهر يدها وأجابته
أنا مش قادرة أبعد… إحنا مختلفين عن بعض في كل حاجة، شخصيتنا وتربيتنا وحياتنا، كل حاجة فيا موجود عكسها فيك.
تحدث بنبرة هادئة
وليه متقوليش إن اختلافنا عشان نكمل بعض؟ كل حاجة مش فيا إنتِ بتكمليهالي.
ابتعدت عنه وجلست على طرف الفراش، تفرك راحتيها معًا، حتى اقترب منها وجلس بجوارها وقال
هتسبيني؟
أومأت بالموافقة وأضافت
إحنا لسه على البر، وكويس إننا يعني…
توقفت لحظة، ثم أكملت بصوت خافت
خلينا ننفصل بهدوء وأرجع لمراتك وابنك. إنت أكيد عارف ومتأكد إني مستحيل أقبل أكون الست اللي أخدت أب من بيته وعياله. عمري ما هعمل اللي اتعمل فيا زمان.
تجمدت تعابيره، وحاول أن يستدعي قوة زائفة، ثم قال
يعني؟
أجابته دون تفكير
نتطلق.
حرك وجهه إلى الجانب الآخر محاولًا التماسك، وابتلع ألمه، ثم أومأ لها
حاضر… هعملك اللي إنتِ عايزاه، لأن مبقتش قادر أحارب في كل الجبهات دي لوحدي، والمفروض إني لما أنتصر أرتاح… مش أرجع أحارب في جبهتك إنتِ كمان يا جنة، لأن أكيد هطلع من الحرب دي خسران.
نظر إليها بحسرة وألم، وأضاف
أنا دايمًا حاطط لنفسي خطوط حمرا عمري ما اتعديتها عشان تربيتي ومبادئي، حتى لو إنتِ شايفاني إنسان مش كويس، بس…
صمت لشعوره بغصة تؤلم حلقه، ثم أكمل
أنا عمري ما عملت حاجة تغضب ربنا، والحمد لله، وعلى قد ما أقدر بحاول أرضيه. ويعني لما كنت بعيش مع قمر كنت بحاول أرضي ربنا، مش مجرد رغبة زي ما إنتِ فاكرة.
زفر بحنق وأكمل
ولما كنت بتعامل معاها كويس، مكنش هدفي رضاها أو حبها، لكن كان هدفي رضا ربنا، يعني المعاملة بالحسنى حتى لو مبحبهاش.
صمت قليلًا ثم تابع
حتى لما خانت ثقتي وخانت البيت اللي عايشة فيه، مقدرتش أغلطها. من جوايا كنت حاسس بالذنب من ناحيتها، وحاسس إني السبب في اللي حصل، لأنها عرفت بحبي ليكي من أول ليلة قضيتها معاها.
رفع عينيه إليها
ولحد عندك، مش بس تخطيت القوانين والخطوط الحمرا اللي حاططها لنفسي، ده أنا كمان عملت حاجة عمري ما كنت أتخيل إني أوصل ليها، وكل ده عشانك.
سكت لحظة، ثم قال بألم
ومع ذلك في كل محطة بنقف فيها بتسبيني وتمشي.
تلوّت من الألم الذي شعرت به في قلبها، لكنها لم تفهم ما يقصده، فسألته
عملت إيه عشاني؟
نظر إليها طويلًا، ثم قص عليها تفاصيل ما فعله بعصام، لكن دون الدخول في تفاصيل العقاب، فسادت الصدمة على ملامحها.
هتفت بحدة
إزاي تعمل كده؟ ده تصرف خطير ومش مسموح بيه لا في الطب ولا في الدين!
احتدت نظراته تجاهها
أنا عارف، على فكرة. بس اللي إنتِ متعرفيهوش إن البني آدم ده له ضحايا كتير، واللي حصل له كان نتيجة أفعال هو ارتكبها في حق ناس ضعيفة.
تخوفت قليلًا وقالت
افرض عمل بلاغ واتهمك فيه؟ إنت متخيل إيه اللي ممكن يحصل ساعتها؟
ابتسم قليلًا محاولًا طمأنتها
متخافيش… هو مش هيكون حابب يفتح الموضوع، خصوصًا بعد كل اللي اتكشف عنه.
انهارت باكية، فجلس إلى جوارها وحاول تهدئتها
اهدى… اللي حصل حصل، مش عايزك تشغلي بالك بحاجة، خلينا في نفسنا.
رفع عينيه إليها وقال
فكري كويس قبل ما تتسرعي في قرارك. أنا مش هقدر المرة دي أمنعك… من الآخر يا جنة، تعبت واستسلمت.
سحب نفسًا عميقًا وأكمل
مش قادر خلاص، واللي هتطلبيه هعمله من غير نقاش… عشان كده فكري كويس.
ركزت بصرها ناحيته وقالت بتأكيد
أنا مستحيل أتسبب في خراب البيوت، وبما إني غلطت فلازم أدفع التمن.
شعر بإصرارها فقال بضعف
أنا كده كده هطلق قمر يا جنة… مبقاش ينفع نكمل بعد اللي هي عملته.
سألته بفضول
عملت إيه؟ بلاش تلاكيك يا سليم، ربي ابنك بينك وبين أمه… اسمع مني، الطفل اللي بيتربى بعيد عن أبوه بيكون إنسان غير سوي.
ابتسم لحرصها على الطفل وقال
لا، ابني هيتربى معايا، متقلقيش من الناحية دي. لأن في عرفنا وقت الطلاق الراجل بياخد عياله.
زفرت بضيق
إنت فاضي لكده؟ هتاخد ولادك تربيهم بعيد عن أمهم وإنت طول الوقت مسافر؟ إنت كده بتعاقبها ولا بتعاقب ولادك؟
تضايق من مماطلتها فقال
إنتِ عمالة تتكلمي عن ولادي وبيتي وكأني خلاص نفذت، وبعدين خلينا في نفسنا ومشاكلنا دلوقتي، وخدي وقتك وفكري وعرفيني قرارك يا جنة.
حاولت إخفاء مشاعر الحزن بداخلها حتى لا تؤثر على أبيها، ورسمت سعادة مصطنعة على وجهها، ولكن الأمر لم يدم طويلًا بعدما أصر سليم أن تتخذ قرارها، فقد سئم الانتظار والمجاهدة.
استيقظت كعادتها وبدأت بروتينها اليومي، بينما كان سليم لا يزال في الفراش يشعر بالخمول والكسل، لكنه ما إن وجدها تستعد للنزول حتى استقام في جلسته، وظل يرمقها بنظرات تحمل الكثير من الألم والرجاء.
هتف مناديًا
جنة.
التفتت تنظر إليه، فاتجه ناحيتها



