من زرع حصد بقلم منال سالم

كان هذا العجوز جالسًا أمام دكانه العتيق، يستند بذقنه على كفيه المضمومين على رأس عكازه، يُطالع المارة بنظراتٍ مشتتة، وعقله شارد في ذاك الذي رحل دون وداع. خفت انحناءة ظهره نسبيًا عندما جاء إليه أحد الشباب يسأله وهو يدور بعينيه في المكان:

-متعرفش يا حاج محل اللعب اللي هنا بيفتح امتى؟

رفع رأسه إليه، وقال وهو يحاول أن يستظل بكف يده الموضوع على جبينه:

-قدامه ربع ساعة ويفتح.

فرك الشاب مؤخرة عنقه، وكأنه يفكر في الأمر، لينطق بعد لحظاتٍ:

-خلاص هستناه.

أشار له العجوز بيده لينظر إلى الخلف، وأمره:

-هاتلك كرسي من جوا يا ابني، واقعد جمبي.

شكره الشاب بامتنانٍ:

-كتر خيرك يا حاج.

بالفعل اتجه نحو مدخل دكانه، والتقط مقعدًا خشبيًا ليضعه على مقربة منه، فأردف بعدها بابتسامةٍ باهتة:

-عايز أجيب لابني عربية أصالحه بيها.

ضاقت عينا العجوز في اهتمامٍ، وشاركه الحوار متسائلاً بحذرٍ:

-ليه؟ زعلته في إيه؟

من تلقاء نفسه شرح له:

-كان عندي ضغط شغل الفترة اللي فاتت، وكنت بغيب عنه كتير، ولما كنت برجع البيت، كان بيبقى نايم، وبنزل قبل ما يصحى، تقريبًا مكانش بيشوفني، والصراحة أنا قصرت معاه، لا كنت براضيه، ولا كنت حتى بجيبله حاجة حلوة.

أحس العجوز پاختناق صوت الشاب وهو يتابع:

-لحد إمبارح بالليل، كنت يدوب قايم بالعافية من السرير عشان أشرب مياه، فكان لسه قاعد سهران مع مامته، وبيشتكيلها مني، وزعلان.

أوشك العجوز أن يرى الدمعات الحبيسة في مقلتيه وهو يقاتل لإبقائهم عندما أخبره بحزنٍ:

-وجعني أوي لما قالها أنا مش عارف بابي، ده ما بقاش زي الأول، هو مش بيحبني ولا إيه؟

بالكاد حبس دموعه، واستطرد في ألمٍ كبير:

-ساعتها بس حسيت بقلبي بيتقطع، ده أنا بعمل كل حاجة عشان أوفرله اللي يحتاجه، بس ڠصب عني التهيت عنه، وخۏفت تكون فعلاً دي مشاعره ناحيتي، فحلفت أصلح من غلطتي، وأكون معاه أكتر من الأول.

امتدح العجوز تصرفه قائلاً:

-عين العقل…

ثم عاد ليشرد في الفراغ متابعًا في أسى:

-حكايتك دي يا ابني بتفكرني بحد عزيز عليا، قابل وجه كريم من قريب.

مسح الشاب ما تسرب من طرفيه بظهر كفه، وسأله:

-ماله؟

رد بابتسامة مريرة:

-أيام ما كان أدك كده وأصغر، كان واخد الدنيا بالطول وبالعرض، مش همه حاجة، ومعملش حساب ليوم زي ده جاي، بعد ما العضمة تشيخ، والضهر ينحني.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *