من زرع حصد بقلم منال سالم

-وكل واحد يروحله يتحجج بحجة شكل، لحد مابقاش ليه مكان يروحله.
للحظة توقف العجوز عن الكلام، والشاب ما زال متشوقًا لمعرفة كيف انتهت قصته، بعد بضعة ثوانٍ استأنف قائلاً:
-قام جابله فرشة، وحطها جوا دكانه، ووصانا لو مفتحش في ميعاده زي تملي، نبقى نشأر عليه، يمكن السر الإلهي يكون طلع.
بلع غصة متعاطفة في حلقه، وهتف بأسفٍ:
-لا إله إلا الله.
نكس العجوز رأسه، وغلف الوجوم قسماته وهو يُحادثه:
-وده اللي حصل فعلاً، فكلمنا ابنه يجي يدفنه، قالنا معرفوش، مش هو رمانا زمان، ومرضاش يصرف علينا مليم، مع إنه كان معاه، ادفنوه في مدافن الصدقة!!!
اندهاشة أكبر كست تعابير الشاب، وهتف في إنكارٍ:
-للدرجادي؟!
أومأ برأسه مؤكدًا:
-أيوه، وډفناه هناك، من غير ما حد من ولاده يكون معاه.
لم يجد الشاب من الكلمات ما يعبر بها عما يختلج صدره الآن، فالموقف يصعب وصفه أو تخيله؛ لكن العجوز بسَّطه له بإعطائه مثالاً:
-ما هو يا ابني إنت لو زرعت خير ومحبة، هتحصد إيه غيرهم؟ ولو زرعت شوك من الأول، مش هتلاقي إلا الشوك في الآخر، وده اللي عمله صاحبنا، زرع الشوك، فجمعه!
اتجهت أنظار العجوز إليه، وأوصاه بلهجة جمعت بين الشدة واللين:
-فخد بالك من زرعتك، ارعاها، واتقى الله فيها، عشان ماترجعش ټندم وقت ما ندمك ماينفعش.
رد دون نقاشٍ:
-حاضر يا حاج، كلامك على عيني وعلى راسي، ده إنت ربنا بعتك ليا عشان ينبهني أكتر، وفي الوقت المناسب.
تقوست شفتا العجوز بابتسامة باهتة، وقال:
-ربنا يباركلك …
ثم أشار بعينيه نحو الأمام مختتمًا لقائه العابر معه:
-صاحب دكان اللعب جه، اتوكل على الله، وفرح ابنك.
كرر شكره بامتنانٍ أكبر، قبل أن يودعه، ويتجه لمحل الألعاب قاصدًا بحق إدخــال السرور على صغيره، وعهدًا غير منطوق قطعه في نفسه، ألا يهمل في زرعته!
-تمت-


