في حجر الشيطان بقلم هند شريف ج٣

الجزء الثاني من الفصل العشرون

عندما وصلوا نظرت نهال للشارع الضيق الذي لم يكن يسع لسيارة أكبر من سيارة ريما أبداً رفعت إحدي حاجبيها وهي تنظر للأطفال في الشارع وهم يلعبون…مطّت شفتيها بإمتعاض وهي تحاول التخلص من هذا الشعور بالندم علي مجيئها لتلك المنطقة
كانت تتابع خلجات والدتها والإبتسامة لا تفارق شفتيها ولكنها قادرة علي تغيير وجهة نظرها صفّت السيارة بجانب المبني المتهالك ومعظم الأطفال يلتفون حولها وهي تبتسم بمرح بينما والدتها تنظر لهم نظرة فوقية شديدة وهي تحاول التخلص منهم والصعود للمبني الذي كان علي وشك الإنهيار من كثرة التشققات
صعدوا السلالم بصعوبة كانت والدتها تضع أطراف اصابعها علي الدرج خوفاً من الأتربة عليه……عندما وصلوا حاولوا إلتقاط أنفاسهم المتسارعة وهي تطرق الباب عدة مرات حتي ظهر هو…حبست أنفاسها من مظهره المدمر لكل أعصابها وعطره النفاذ يتغلغل في أعماقها….كان شعره الطويل مصفف بعناية ويرتدي قميص أزرق مفتوح الأزرار العلوية رافعاً أكمامه قليلاً و بنطال أسود قماش…إبتسم وهو يقول
أحمد:حمد الله علي السلامة أنا عارف الطريق صعب حبتين…إتفضلوا
إبتسمت هي الآخري
ريما:الله يسلمك ميرسي
ضغطت قليلاً علي كتف والدتها الصامتة فخرجت من صمتها مرغمة وهي تقول بأنف متعالية
نهال:الله يسلمك
دخل جميعهم للمنزل بينما هو يدعوهم للجلوس قائلاً
أحمد:إتفضلوا إقعدوا ثواني بس هجيب ماما وأجي
أومأت ريما برأسها وجلست بينما والدتها مازالت تقف وهي تنظر للمنزل نظرة فوقية وتلك الأريكة المتهالكة التي دعاهم للجلوس عليها..حتي قاطعتها ريما قائلة برجاء
ريما:ماما من فضلك بلاش البصة الدونية دي للناس أحمد بجد راجل ومحترم أوي ومش معني إنه مش غني يبقي نتعامل معاه من فوق حضرتك شايفة هو إستقبلنا إزاي أبوس إيدك ياماما بليز
أومأت رأسها بإستسلام وهي تجلس بجانب إبنتها وتفكر في كلامها
نظرت لها مرة آخري وجدتها سعيدة إنها سعيدة حقاً…هادئة النفس وستبدأ في دراستها غداً حسناً يجب أن أتعامل مع كل الناس سواء ولكن يجب علي التأقلم أولاً قطع حديثها لنفسها ظهور أحمد مرة آخري ولكن ليس وحده هذه المرة بل كان يجر كرسي متحرك تجلس عليه سيدة كبيرة في السن نوعاً ما عيناها تشع حنان غريب ورغم تجاعيد وجهها إلا أن صفائه مازال به إبتسامة لم تفارقها تقريباً وهي ترحب بهم قائلة
عايدة:اهلاً وسهلا نورتونا معلش إتأخرت عليكو
قامت ريما من مكانها لتسلم عليها إحتضنتها ريما ولكن عايدة لم تستطع تحريك يديها وهي تقول
عايدة:أنا متأسفة ياحبيبتي بس مبقدرش أحرك إيدي
إبتسمت ريما قائلة
ريما:ولا يهمك ياطنط…اعرفك علي مامتي (نهال)
تقدمت منها نهال ولم تعلم لما دخلت عايدة قلبها كأنها تعرفها منذ زمن ربتت علي يديها برفق وهي تقول
نهال:بصراحة مش عارفة أشكرك إزاي علي تربية أحمد ربنا يحميه
نظرت له بحب وحنان شديد وهي تقول
عايدة:ربنا يخليهولي مليش غيره دلوقتي
جلس جميعهم يتسامرون في بعض الأحاديث العادية بينما شكرت نهال أحمد بشدة عمّا فعله مع ريما …..بعد قليل إستأذن منهم أحمد ليعد الغداء ولكنها وقفت مترددة في منتصف الردهة وهي تنادي عليه قائلة
ريما:أحمد
إستدار لها قائلاً بمرح
أحمد:بعرف أطبخ والله طباخ ماهر كمان متخافيش مش هتروحي المستشفي
ضحكت بشدة ثُم قالت وهي تمد له يديها
ريما:الجاكيت بتاعك قبل ما أنسي
مدّ يديه وهو يأخذه منها تلامست يديه بكفها الرقيق ولاحظ إرتعاشها فسحب يديها سريعاً وهو يقول
أحمد:متشكر…خمس دقايق والغدا يجهز
بعد وقت قليل بالفعل وضع أشهي الطعام علي المنضدة الصغيرة وبدأوا في تناوله بينما نهال كانت متخوفة في البداية ولكن مرح أحمد وعايدة وألفتهم التي لم تعتاد عليها جعلتها تتناوله بل وتتلذذ به أيضاً
أما هو فلم يأكل كما نظر لها وهي تأكل كانت تتناول الطعام كأنها قطة صغيرة تتعلم الأكل في بدايته كان فمها رقيق وكلما وضعت لقمة كلما أتبعتها بالمنديل في يديها….رباه ماذا تفعل تلك القطة في منزلي!!!
بعد حوالي الثلاث ساعات أوصلهم أحمد إلي خارج المبني علي وعد باللقاء مرة آخري ووالدتها سعيدة جدا بهذا اللقاء مما جعلها تشعر أن حياتها الأن علي المسار الصحيح
نفضت الأغطية بسعادة وهي تتمطي ثُم نظرت للهاتف وقررت أن تتصل بهايدي لتقلها من المنزل ليس لها أي مزاج لقيادة سيارة اليوم
إغتسلت وإرتدت ملابسها المكونة من بنطال جينز وبلوزة قطنية باللون الأبيص ومعطف أسود وحذاء رياضي ثُم رفعت شعرها لأعلي وتناولت إفطارها وذهبت لتستقل السيارة مع هايدي إلي الجامعة
كان قلبها يخفق بعنف كلما إقتربت السيارة من الجامعة تذكرت نظراتها لزملائها…تذكرت نظرتهم لها التي لم تكن تبالي بها أجفلت عندما حطت ذراعي هايدي علي كتفيها قائلة بلطف
هايدي:ريما حبيبتي إحنا وصلنا
ريما:ها…أه طيب يلا
فتحت باب السيارة بيد مرتجفه وهي تشعر أن الأعين كلها مسلطة عليها فهي من كانت يقولوا عنها كلمة واحدة( ممنوع الإقتراب)
أمسكت هايدي يديها بحزم وهي تقول
هايدي:متخافيش ياحبيبتي إنتي أقوي من كدا والله إرفعي راسك لأن كل الناس بتغلط والأحسن عند ربنا اللي بيتعلم من غلطه زيك يلا علشان نشوف المواد بتاعتك ومواعيد المحاضرات
كلمات هايدي كانت كالحافز بالنسبة لها رفعت رأسها وهي تمسك بيد صديقتها ثُم تنفست بعمق
ريما:يلا بينا أنا مش خايفة من حد
راجعت جدول حضورها فكانت محاضرتها الأولي بعد حوالي ساعة تقريباً لذا قرروا الجلوس في مقهي الجامعة وقررت أن تخبر هايدي عن أحمد
تنحنحت بخجل وهي تقول
ريما:هايدي كان فيه موضوع كدا عاوزة أقولك عليه
إبتسمت هايدي
هايدي:ها ياستي قولي
بدأت تسرد لها بداية ما حدث عندما ذهبت له إلي أن تناولت الغداء مع والدته هي ووالدتها….نظرت لها هايدي بإندهاش
هايدي:إنتي روحتي حارة!!!! لا وكمان معجبة بواحد بيشتغل إيه؟
إبتسمت ريما بسعادة وهي تقول
ريما:أيوة روحت حارة ومعجبة براجل بجد…بيشتغل مندوب مبيعات ياستي
إبتسمت هايدي وهي تقول
هايدي:طنط عارفة إنك معجبة بيه أوي كدا ؟
عقدت حاجبيها
ريما:الصراحة لأ هي كل اللي تعرفه إنه كان راجل معايا وذوق وشكرت فيه أوي هو ومامته
قاطعتها هايدي
هايدي:شكرت فيه هو ومامته وقالت عليه راجل ومحترم بس معتقدش إنها هتقبل إرتباط بينكم صح؟
صمتت لبرهة وهي تفكر ثُم
ريما:هو أنا يعني قلتلك إنه معجب بيا ياهايدي وبعدين علي فكرا بقي لو حبيت أحمد وهو حبني بجد مش هتنازل عنه أبداً لأنه واثقة إنه هيحافظ عليا واتمني بابا يوافق
ربتت علي يديها برفق وهي تقول
هايدي:حبيبتي أنا مش قصدي حاجة والله…وبعدين خلينا نصبر ونشوف
أومأت برأسها وهي تحتسي النسكافيه ولم تتحدث مرة آخري
…………………………………
صعدت للغرفة دون أن تستمع لحديث والدتها بل أغلقت عليها الباب بالمفتاح…..أسندت ظهرها للباب وهي تبكي بشدة وترتجف كيف أخبرت مازن بهذه الصلابة…كيف أخبرت الضابط بكل تلك الكذبات ألهذا الحد تحبه بل تعشقه…إنها تشتاقه وبشدة..تشتاق جفائه..تشتاق بروده
تشتاق رائحته المعبقة بالسجائر….إنها تشتاقه وحسب
أخذت نفساً عميقاً وهي مازالت ترتجف توجهت لنافذة الغرفة ومازالت دموعها تهبط من مقلتيها في صمت فتحت الستار بيد مرتجفة وهي تنظر للسماء الصافية الزرقاء بأسراب الطيور وهي تزقزق
كانت تريد أن تعود كصفاء السماء…تريد أن تعود بإبتهاج الطيور
تسمرت مكانها وهبط قلبها بين أضلعها وإرتعش جسدها كله وهي تلمح هذا الخيال الذي ينظر لها بإبتسامة ولكنها كانت إبتسامة عاشق حتي النخاع…..توقف الزمن عند هذه اللحظة..وتوقف قلبها عن النبض
كانت أنفاسها متسارعة وصدرها يعلو ويهبط…..إنه هو بشحمه ولحمه
توقف بسيارته أمام المنزل وظلّ ينتظر وينتظر إلي أن تخرج
ربما تخرج…ربما يخبرها قلبها أنه ينتظرها أن تراه وتعلم أنه بجانبها ولن يتركها ربما
توقف قلبه عندما فتحت الستار ليظهر بهاء حسنها متعانقاً مع زرقة السماء كان وجهها شاحباً كالعادة ولكن جمالها لم يضاهيه جمالاً عندما خرج من سيارته ظلّ ناظراً لها يتأمل أدق تفاصيلها ليحفرها في قلبه ووجدانه حتي نظرت للأسفل وعرفته
توقف الزمن بينهم كأن الكون تلاشي ولم يبقي سواهم
………………………………..
أحبك جداً وأعرف أني أعيش بمنفى
وأنت بمنفى
وبيني وبينك
ريحٌ
وغيمٌ
وبرقٌ
ورعدٌ
وثلجٌ ونـار
وأعرف أن الوصول لعينيك وهمٌ
وأعرف أن الوصول إليك
انتحـار
ويسعدني
أن أمزق نفسي لأجلك أيتها الغالية
ولو خيروني
لكررت حبك للمرة الثانية
……………………………
…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *