في حجر الشيطان بقلم هند شريف ج٣

الجزء الثاني من الفصل الحادي والعشرون

كانت جالسة علي الفراش تستذكر دروسها وهي تفكر فيما قالته هايدي منذ يومان…هل هي معجبة حقاً بأحمد وإذا كانت كذلك حقاً هل والديها سيقبلون به وخصوصاً والدتها التي أحبتهم حقاً ولكنها لن تقبل أن تقدمهم لعائلتها..هل هي مازالت هسة لتعلم نوايا الآخرين…هل يتلاعب أحمد بها من أجل أموالها….نهرت نفسها بشدة علي هذا التفكير الغريب أحمد ليس من هذا النوع حقاً…إنه مختلف بطريقة غريبة..به ما يجذبها ويجعلها غير طبيعية أبداً…هل هي رجولته الغير معهودة…هل هي إبتسامته شديدة الجاذبية أم أنها نظراته الثاقبة التي تتغلغل بداخلها…أو ربما يكون حنانه المتدفق ناحية والدته….إبتسمت بخجل وهي تتذكر نظراته علي طاولة الطعام التي كانت تخترقها…مراقبته الحادة لكل ما تفعله كانت تشعر كأنها في ماراثون أو سباق خيول تعدو وتعدو حتي تهرب من تلك النظرات والإبتسامات المدمرة….أمسكت هاتفها وبأصابع مرتعشة ضغطت رقم هاتفه الذي حفظته عن ظهر قلب…مع كل رنين للهاتف تقابله دقة من قلبها الضعيف حتي أتاها صوته الهادئ الذي أرسل الرعشة في أوصالها….
كان قد خرج قليلاً ليستمتع بتلك النسمات الهادئة في ذلك الوقت حتي صدح صوت هاتفه أخرجه من جيب بنطاله وهو يري إسم المتصل عقد حاجبيه في تساؤل عن سبب الإتصال في ذلك الوقت المتأخر بالنسبة له ولكنه رد بهدوء
أحمد:السلام عليكم..إزيك ياريما
أخذت نفساً عميقاً وهي تحاول قدر الإمكان أن يكون صوتها متزن ولكنه خرج متحشرجاً رغماً عنها
ريما:وعليكم السلام إزيك يا أحمد!!
هل إسمي رقيق هكذا لم أسمعه قط بهذه الحلاوة بل لم أحبه كما أحببته من بين شفتيه….حاول كتم ضحكته من أفكاره التي تأخذ منحي غريب تماماً ثُم
أحمد:تمام الحمد لله إنتي أخبارك إيه؟؟
إبتلعت ريقها وهي تمسك بالكتاب في يديها الآخري ثُم إبتسمت قائلة
ريما:الحمد لله تمام…كنت عاوزة منك خدمة ممكن؟؟
هدأت خطواته قليلاً وهو يسألها
أحمد:إتفضلي طبعاً خير ؟؟
وكأنها تذكرت شيئاً
ريما:هو أنت خريج إيه الأول؟
عقد حاجبيه أكثر ثُم
أحمد:تجارة….ليه في حاجة؟؟
إبتسمت بإنتصار كمن وجد ضالته ثُم قالت بشجاعة تناقض ضربات قلبها المتسارعة
ريما:كنت عاوزة مساعدتك في الدراسة ممكن؟؟
رد عليها بعجب
أحمد:إممم مش فاهم!!
ردت بخجل شديد
ريما:أصلي في كلية هندسة وكنت محتاجة مساعدتك في شوية حاجات تخص الرياضة يعني لو ينفع
عقد حاجبيه متسائلاً
أحمد:هو صحابك مش معاكي ولا إيه !!
ردت عليه بتردد
ريما:أصل يعني الصراحة….أنا يعني غبت شهر عن الجامعة ومليش صحاب كتير أو تقدر تقول مليش غير واحدة بس وهي مشغولة الفترة دي مع خطيبها وكدا يعني
لا يعلم لما يشعر بتلك السعادة الغريبة التي تغلغلت بداخله ثُم قال بصوت أجش
أحمد:طيب معنديش أي مانع أساعدك طبعا بس بمواعيد لأني هيكون عندي شغل وممكن أخلص متأخر فاهماني
تلاعبت بخصلات شعرها الشقراء وهي تقول بإبتسامة
ريما:تمام إتفقنا….بس إمتي بقي أول حصة يادكتور
سمعت ضحكته العالية التي أرسلت الرعشة في أوصالها فإرتجفت وإحمرت وجنتاها ثُم صوته الرجولي وهو يقول
أحمد:دكتور حتة واحدة مش لما تشوفيني إذا كنت أنفع ولا لأ الأول…عموماً ياستي هشوف هخلص شغل إمتي بكرا وأكلمك تمام؟
أغمضت عينيها وهي تهمس بصوت رقيق
ريما:تمام إتفقنا….ميرسي كتير علي كل حاجة
صوتها الرقيق تغلغل بداخله فأغمض عينيه هو الآخر قائلاً
أحمد:شكر علي واجب إنتي تؤمري
أغلقت الهاتف ووجنتاها كحبة الفراولة وقلبها يهدر بين صدرها بعنف….كيف أتأثر به من مجرد كلمات بسيطة لا تعني للحب شيئاً ولكنها مجاملة وليس أكثر…كيف يدخل إلي أعماقي كأني أعرفه منذُ زمن..كيف يحكم سيطرته علي قلبي كلما حدثني بهذا الصوت العميق..العميق جداً..أغمضت عينيها مرة آخري تهدئ نبضات قلبها الثائرة وتبتسم إبتسامة لم تطأ شفتيها منذُ زمن….
لا يعلم ماذا يحدث إن هذه الفتاة ذات المزيج الغريب من القوة…الشجاعة..الرقة والهشاشة تناقضات كثيرة بها تجعله في فوضي كبيرة..نعم لا يستطيع تسمية حالته هذه سوي أنها فوضي عارمة بداخل قلبه وعقله ولا يستطيع الفكاك منها أبداً…إنها تفعل به الأعاجيب..تقتحمه بجرأتها…تجعل قلبه ثائر النبضات بخجلها الشديد..كيفي تحمل بداخلها شئ كهذا (جرأة…خجل!!)
غداً تلميذتي الرقيقة سأراكِ ولكن لا أعدكِ بطول بالي..
…………………………………….
كل الجرائد وخصوصاً المعارضة…خبر في الصفحة الأولي من كل جريدة بالخط العريض (القبض علي عضوي مجلس الشعب طارق الحداد وهشام محجوب بتهمة التجارة في المخدرات والأسلحة)
كان وكيل النائب العام ينظر للجريدة في فخر وهو يري إسمه في آخر السطر بأنه هو من كشف هذه التهم….صدق هذا الرجل الذي أعطاه الأوراق..ها قد أصبح مشهوراً بفعل تلك القضية وهدأ الشعب العاطفي كما قال من ناحية الشرطة قليلاً…..الأن طارق في زنزانة في سجن (طرة) لحين موعد المحاكمة وهذا السجن لهؤلاء الرجال لا يدخله سواهم فهو مجهز بكل الوسائل التي يحتاجونها..ولكن هل ستدوم !!!
…………………………..
على أبوابكم عبد ذليل كثير شوق يعصفه قليل
له آسفٌ على ما كان منه وحزنٌ من معاصيه طول
يمد اليكم كف افتقار ودمع العين منهمر يسيل
يرى الأحباب قد وردوا جميعاً وليس له الى ورد سبيل
اكون نزيلكم ويضام قلبي وحاشى ان يضام لكم نزيل
فان يرضيكم طردي وبعدي فصبري في محبتكم جميل
وحقي ؤلائكم وشدي بشوقي سلوي عن هواكم مستحيل
قضيت بحبكم ايام عمري فلا اسلو وهل يسلى الجميل
عسى عفوا يبلغني الاماني فقد بعد الطريق وقل زادي
فانت ذخيرتي وبك افتخاري وفيك تالمي وبك اعتزازي
ولو اقصيتني وقطعت حبلي وحقك لا احول عن الوداد
فجد بالعفو يا مولاي وارحم عبيدا ظل عن درب الرشادي
إستيقظ من نومه وجد نفسه مازال محتضناً المصحف الصغير بين كفيه الكبيرين…كان يشعر بقلبه يهوي بين أضلعه…أراد التخلص من هذا الآسر القاتل ليعود يوسف الإبن البار والأخ الهادئ….أخذ نفساً عميقاً وقام ليستعد ليفعل ما قرره بالأمس….توقف لحظة واحدة متذكراً نظرة عينيها العاشقة..دموعها الهاربة من وجنتيها…إرتعاشها اللذيذ..أغمض عينيه وإرتجافة قلبه تعلن عن إستسلامه لها هي من أعادته لروحه..من أعادت له السلام النفسي…هي من أعادت يوسف ليوسف…بعد أن تركته روحه منذُ زمن….إرتدي ملابسه علي عجل ثُم إنطلق بسيارته إلي أقرب مسجد.. خفق قلبه بين أضلعه بعنف وكأنه زلزال…إرتجفت قدمه عند باب المسجد بينما إرتعد جسده بأكمله…وقف علي عتبة المسجد ينظر له..يتطلع لكل ركن فيه…رأي من هو يزوي في ركن بعيد يقرأ في مصحف…والركن الأخر يصلي…وغير يمسك بين يديه مسبحة ويلهج بذكر الله…..بينما هو يتسائل هل ستقبلني بينهم…هل ستسامحني علي كل ما إقترفت…لقد أتيت لك ولا اعلم هل سأكون مؤهلاً للمغفرة!! أخرجه من أفكاره كف رجل كبير علي كتفيه وهو يقول بصون حنون
الرجل:مش هتدخل ولا إيه يابني ده العصر قرب يأذن!! نظر له مجفلاً يسأل نفسه مرة آخري هل أصلي؟؟…إمتلأت مقلتيه بالدموع التي أبت التحرر منهما…بينما يمسك الرجل الكبير بيديه كأنه طفله الصغير وهو يدخل معه إلي المسجد……لم يكن يشعر بشئ إلا عندما قال الرجل المسن(الحاج محمد) بإبتسامة حنون
الحاج محمد:إدخل إتوضي الحمام من هنا وأنا هستناك في الركن اللي هناك ده علشان نصلي سوا كان يسمعه بالكاد بينما قلبه مازال يهدر بعنف بين أضلعه…كان يشعر بروح غريبة تتسرب بداخله..كأنها الراحة والسكينة والدفئ…دخل إلي دورة المياه وفعل كما أخبره الرجل دون الحاجة للسؤال تذكر كيف كان يذهب للمسجد كل جمعة والده ويعلمه كيفية الوضوء…إستعاد تلك الذكري وهو يتوضأ كطفل صغير مازال في مقتبل العمر…..عندما أنهي الوضوء خرج وعيناه تبحث عن الرجل الذي كان بجانبه كأنه الملاذ الوحيد له…ملجأه من كل ما مرّ به…وجد يجلس في زاوية بعيدة قليلاً يمسك بين يديه مصحف كبير بعض الشئ إقترب منه قليلاً بينما أذناه تلتقط تلك الأية التي كانت تقرآها هي بسم الله الرحمن الرحيم
(أفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
صدق الله العظيم
توقفت قدماه عن التقدم بينما قلبه تزداد نبضاته أكثر وأكثر…لاحظه الرجل فإبتسم له إبتسامة تذكره كثيراً بأبيه بينما أشار له بالجلوس وصدق الله ثُم أغلق المصحف وهو يضع يديه علي ركبتيه بحنان بالغ قائلاً
الحاج محمد:أنا الحاج محمد باجي هنا كل يوم من العصر لحد المغرب أول مرة أشوفك إنت إسمك إيه بقي؟
نظر له بتشوش..دقيقة..إثنان..ثُم إبتلع ريقه بصعوبة قائلاً
يوسف:أنا إسمي يوسف
أكمل الرجل بنفس الإبتسامة التي لا تفارق محياه
محمد:إسم جميل أوي علي إسم نبي من أنبياء الله سيدنا يوسف…..مالك يا يوسف خايف من إيه؟؟
إرتد رأسه للخلف كيف علم هذا الرجل بخوفه..كيف شعر به!!دموعه التي كانت تأبي التحرر تحررت الأن وإنهمرت من مقلتيه بطريقة جعلت جسده بأكمله يرتجف بينما أكمل بصوت متحشرج
يوسف:خايف ميسامحنيش…خايف ميقبلش توبتي..خايف أموت وهو مش راضي عني…خايف أقابله وأشوف حسابه..خايف
لم يكمل جملته بينما يحتضنه الرجل بشدة تمسك بجلبابه ويديه مرتعشتان…شدد الرجل من إحتضانه له وهو يقول بصوت يقطر تعاطفاً وحناناً
محمد:رحمته وسعت كل شئ يابني وطالما إنت توبت ربنا تواب رحيم بيغفر كل الذنوب إلا الشرك بيه….محدش يدخل بيته ويصده أبداً خليها بس توبة نصوحة وربنا كبير وخلي عندك دايماً يقين في رحمته
هدأت نفسه كثيراً بتلك الكلمات بينما يقول الرجل كلمته الآخيرة (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)……إرتعش بشدة وهو يردد كلمة واحدة فقط ومازال متعلق بجلباب الرجل كأنه الأمان بالنسبة له (يااااااارب سامحني )
………………………………………….. …..
حين أظن أني نمت
يسطع نورك بعيني
يؤرق نعسي وفرحي
حين أظن أني نمت
يظهر طيفك
يهزأ من خدعي لنفسي
يذكرني بوجودك
يفقأ جرحي المحجوب
وحين أقنع نفسي أني نمت
تصبو أحلامي إليك
تستحضر صورتك
تحمل في أضلاعها شوقاً
أحلامي-لك-تحلم
وتصنع خيالاتي من عطرك
وكلما أُخمد شوقاً
يظهر آخر
مختالاً بسطوة قدرتك
شامتاً في خنوعي أمامه
وكلما تقتلني مسافاتك
يحميني أمل كاذب
فأهرب منك بنومي
وأرفض أن أحلم
وأوقف إبداع تخيلي
وحين ظننت أني نمت
سمعت همسك بأذني
أحقاً نمتِ؟!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *