الوصية خير بقلم منى السيد ج1

وطبعاً، الجمعة الجاية دي مجتش أبداً.
نهى فضلت تروح لوحدها كل إجازة. الجمعة ده يوم مقدس، وأحياناً تاخد معاه نص السبت كمان. تصحى من الساعة سبعة الصبح، تملا الترمس قهوة، وتركب العربية؛ ساعة إلا ربع على الطريق الزراعي، وبعدين ربع ساعة في مدق تراب يكسر العضم. تشتغل لحد بعد الضهر، وأحياناً تكمل لحد العصر. تعزق، تسقي، تقلم الشجر، وتتربس وتكافح الآفات.
الأول، كانت ترجع بشوية خضار وورقيات جرجير وفجل ونعناع طازة، وبعدها خيار وطماطم بلدي مسكرة. طارق يستقبلها في الصالة، يبص على الكياس بفرحة ويقولها يا سيدي على الجمال! قطعي لنا شوية جنب الغدا ونزلي جبنة قريش.
ياكل ويمدح في حلاوة الخضار البلدي، بس عمره ما جاب سيرة الأرض ولا فكر يعرض إنه يروح يساعدها.
الحاجة عفاف، أم طارق، ست عندها حاجة وستين سنة كده بس ماشاء الله صحتها بمبي وليها كلمة ونظر في كل حاجة في الدنيا، كانت عارفة بموضوع الأرض. نهى فتحت معاها الموضوع أكتر من مرة في الدردشة، وإنها بتزرع الأرض وبتروق عليها. فكانت حماتها تهز راسها وتقول جدعة يا بنتي، الأرض عرض ومبتخونش اللي يخدمها، وتقفل الكلام عند هنا. عمرها ما فكرت حتى تقولها أساعدك، ولا فكرت تركب معاها العربية تونسها.
الصيف جه حامي والأرض ردت جميل كل نقطة عرق نهى نزلتها. الخيار طالع مقرمش ومسكر، والطماطم نزلت على تلات فترات بكميات مهولة، ومحصول البطاطس كان حكاية، نهى قلعت يجي حداشر شوال بطاطس. غير البامية والبتنجان الرومي والكوسة والملوخية، خير كتير فاض عن البيت لدرجة إن إيديها كانت بتوجعها وتتشنج من كتر جمع المحصول كل جمعة.
على دخلة شهر أغسطس، نهى بدأت مرحلة التخزين والخزين لبيتها؛ تسبيك طماطم، تخليل خيار ولمون، تجفيف ملوخية، وتفريز بامية وصلصة شطة تملى البيت خير وبركة. كانت تسهر عليها بالليل وفي الإجازات، بعد ما خف نزولها للأرض شوية.
البرطمانات والأكياس كانت مرصوصة بنظام يفرح النفس في دواليب المطبخ والديب فريزر. نهى كانت بتبص لشغلها بده بفرحة متتوصفش، فرحة الشخص اللي شايف تعبه وعرقه متجسد قدامه حاجة ملموسة.
طارق يدخل المطبخ، يفتح الفريزر ويبص على الرصات ويقول عاش والله يا نهى، الحاجات دي هتكفينا وتبقى عمار للبيت طول الشتا. ده الترتيب يا طارق، الحمد لله. حلو أوي، الشتا ده هناكل بمزاج…



