جواد الجبالي بقلم ملك ابراهيم ج1

“حكايات الكاتبة ملك إبراهيم.. الزغاريط كانت مالية دار الجبالي من أول النهار، والطبول والمزامير سامعها البلد كلها لحد آخر النجع، بفرحة كبيرة ظاهرة لكن جواها قلق ساكن. الفرح كان كبير، فرح محصلش في الصعيد من سنين، وكل راجل كبير في البلد جه يبارك ويشرب الشاي وياكل من الدبايح اللي اتدبحت من الصبح.

وعطر كانت قاعدة في وسط الزفة، لابسه فستان أبيض تقيل أكبر منها، وحاسه إن الدنيا كلها بتلف بيها، وقلبها الصغير بيدق بخوف وحيرة كأنه عصفور محبوس. إيديها بترتعش في بعض، وقلبها بيدق جامد لدرجة كانت خايفة حد يسمعه، بنبض كله رهبة ووحدة. عشرين سنة عاشتها في بيت أبوها، عمرها ما شافت فرح زي ده، ولا حلمت إن فرحها هو بنفسه يبقى كده: ناس كتير، وزغاريط كتير، وهي مفيش حد فيهم سأل عن رأيها.

أبوها قال لها من أسبوع كلمة واحدة بنبرة تقيلة كلها وجع واستسلام: “الدم بيننا وبين الجبالية طال يا عطر، والكبار قعدوا وقرروا. إنتي اللي هتوقفي التار.” وبعدها سكت. وهي فهمت إن الكلام خلص، وقلبها اتقبض بحزن هادي.

كانت سامعة الستات حواليها بيهمسوا وهم فاكرين إنها مش واخده بالها، والكلام كان بيشك قلبها بشويش.

الست همست بفضول وشماتة خفية: “الجوازة دي عشان التار بس يا أختي…”

ست تانية همست وهي بتبص عليها بشفقة: “قالوا هي بنت الغريم، وجوزوها لجواد الجبالي عشان الدم يقف.”

وواحدة سألت بقلق ممزوج بالخوف: “وعطيات؟ دي مرات جواد الأولى وبنت عمه، هتسكت إزاي؟”

وردت واحدة بصوت واطي مستسلم: “هي هتسكت ولا هتتكلم، الكبير قرر خلاص.”

عطر نزلت عينيها في الأرض بكسرة نفس رقيقة ووجع ساكت. كانت طول الأسبوع بتقول لنفسها إن جواد الجبالي ده أكيد راجل كبير وعجوز، كبير البلد اللي دقنه بيضا وعصاه في إيده، وإن عمرها هتقضيه خدامة في بيته تسمع كلامه وخلاص، بخوف طفولي بريء. ورغم كده ماقدرتش تتخيل وشه، ولا شافته ولا مرة طول الفرح. قالوا لها هو قاعد مع الرجالة برة.

لما الفرح خلص، مسكوها اتنين ستات من إيديها وطلعوها فوق، لحد أوضة واسعة، فيها سرير كبير وستاير حمرا وريحة بخور مالية المكان، بس الريحة كانت خانقة لقلبها الوحيد. قفلوا الباب وراها وسابوها لوحدها.

الأوضة كانت فاضية، ببرود يخوف.

قعدت على طرف السرير وهي بتبص حواليها بعيون تايهة وقلب مقبوض. مفيش حد. جواد لسه مجاش. دقيقة، وعشرة، وربع ساعة. وهي قاعدة ساكتة، والفستان بيخنقها، ونفسها تقيل من الانتظار.

1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *