جواد الجبالي بقلم ملك ابراهيم ج1

فجأة الباب اتفتح.
قامت واقفة بسرعة بقلب مفزوع، بس اللي دخلت مكانتش راجل. كانت ست طويلة، لابسه جلابية سودا مطرزة بالدهبي، وشها جميل بس عينيها فيهم برود يقطع، ونظرتها فيها غيرة موجوعة. ماشية بخطوات تقيلة كأن البيت بيتها، وهو فعلاً بيتها.
وقفت قدامها ببرود جارح ونظرة بتقيمها بقسوة، وقالت: “إنتي عطر؟”
عطر بلعت ريقها بتوتر وخوف ناعم، وقالت: “أيوه.”
وقفت قدامها وبصت لها من فوق لتحت، نظرة بطيئة كأنها بتزن بضاعة، بنظرة كلها غيرة ووجع مكتوم، وقالت: “أنا عطيات. مرات جواد الجبالي. وبنت عمه.”
كملت كلامها بنبرة قاسية لكن جواها خوف ست بتحب بجد، وقالت: “بسيطة أوي. كنت فاكرة هيجيبوا لي واحدة أحلى من كده تخوفني.”
عطر مردتش، وسكوتها كان كله انكسار صامت.
قربت منها شوية وقالت بنبرة تهديد مليانة وجع وغيرة: “اسمعي يا بنت الناس. أنا عايزاكي تفهمي كويس عشان متتعبيش نفسك. جواد اتجوزك عشان التار وبس. الكبار قعدوا وقرروا وهو نفذ، لأنه راجل بيحترم كلمة كبيره. بس قلبه عمره ما كان ليكي ولا هيكون. قلبه عندي أنا. إحنا اتربينا مع بعض، وعشنا سنين، وهو بيحبني من وإحنا عيال.”
الدموع نزلت من عين عطر من غير ما تحس، بدموع هادية موجوعة.
كملت بحدة وقسوة بتحاول تخبي بيها خوفها، وقالت: “وإنتي متحلميش إنك تبقي مراته بجد. إنتي مراته في الورقة وقدام الناس. إنما جوه البيت ده الست الوحيدة هي أنا. وإنتي هتعيشي هنا كأنك ضيفة تقيلة، تاكلي وتشربي وتسكتي. فاهمة؟”
عطر كانت عاوزة تتكلم، تقول إنها مش هي اللي اختارت، وإنها كمان مظلومة، بقلب مكسور ونفسها تصرخ. بس لسانها تقل، والكلام وقف في زورها. فضلت تبكي بصوت واطي وهي منزلة راسها بوجع رقيق.
قربت منها أكتر وبصوت واطي بس حاد كله سم، وقالت: “وعايزة أقولك حاجة تاني. الليلة دي جواد مش هيبات معاكي. هيبات عندي أنا. في أوضتي وعلى سريري. وإنتي هتقعدي هنا لوحدك مع فستانك ده.”
وبعدين مشيت بخطوات واثقة، وقفلت الباب وراها بصوت عالي يوجع القلب.
عطر وقفت في مكانها دقايق طويلة، مش قادرة تتحرك، حاسة بإهانة تقيلة على صدرها، وقلبها موجوع كأنه مطعون بهدوء. حاسة إنها اتباعت واتشالت من بيتها ورميت في بيت غريب، وإن مفيش حد في الدنيا مهتم.
بعد شوية مسحت دموعها بكم الفستان بيد مرتعشة وحزن ساكن. وفجأة جه في بالها إن الكلام ده فيه راحة غريبة، راحة ممزوجة بوجع. لو جواد هيبات عند مراته الأولى، يبقى هي مش هتضطر تواجه راجل مش عارفاه ولا تتخيل شكله العجوز. ليلة هادية، ومعاها نفسها.




