شمس الهاشم حكايات سوما ج1

في حضرة الشيوخ.. وسر السلا. ح المفقود
كانت خيمة المجلس الكبير بتموج وتغلي زي المرجل فوق النار، ريحة الهيل والقهوة المُرة ممتزجة بريحة الغضب والحقد المشتعل في صدور رجال قبيلة “بني تميم”. الهوا جوه الخيمة كان مكتوم وثقيل، وكل زاوية فيها كانت بتنطق بالقسوة والوعيد.
رجال القبيلة وشيوخها قاعدين على شكل حلقة واسعة، عيونهم كلها مُسلطة على نقطة واحدة فى المنتصف .. هناك، مكان ما كانت “شمس”.شمس.. بنت بدوية في أوائل عشريناتها، بس جمالها كان لافت وخاطف للأنفاس لدرجة ملحوظة جدا.
بشرتها الخمرية الصافية واخدة لون شمس الصحراء الأصيلة، وعيونها السودا الواسعة زي عيون المَها، حادة وجريئة بشكل يربك أي راجل يقف قدامها. شعرها الأسود الغجري الفاحم كان نازل بتموجات تحت شيلتها البدوية و بيرفرف مع كل هبة هوا داخلة من شق الخيمة، جسدها ممشوق ومتناسق، مقيدة الايدين و قاعدة على ركبها بكتفين مشدودين لورا وراس مرفوعة للسما، كأنها لبؤة محاصرة وسط صيادين بس ما بتنحنيش ولا تهتز شعرة فيها.
الجمال ده كله، والشموخ اللي ما بينكسرش، هما نفس السبب اللي جاب لها العداوة والكره من بنات قبيلتها القديمة. بنات القبيلة كانوا بيغلوا منها غيرة، لأن شبابهم و فرسانهم كانوا مفتونين بيها، تايهين في جمالها ونظرة عيونها، وكلهم كانوا بيتمنوا رضاها أو نظرة منها.
بس شمس ما كانتش زي أي بنت؛ كانت عزيزة النفس، ذكية، وبتفهم عقول الرجال كويس. كل ما يجيلها فارس أو شاب من كبار قبيلتها يطلب إيدها، كانت بتفضحه وترفضه بقسوة، لأنها كانت عارفة ومتأكدة إنهم مش طامعين فيها كزوجة صالحة، بل طامعين في جمالها كـ “تسلية” أو طمعانين في شوية الفلوس و الارض اللي سابهم أبوها المرحوم.
رفضها القاطع ليهم كان بيجرح كرامتهم وغرورهم، فبدأ شباب القبيلة وبناتها يطلعوا عليها إشاعات وأقاويل باطلة، ويألفوا قصص عشان يشوهوا سمعتها ويخلوا الناس تبعد عنها. بقت منبوذة بينهم، محاطة بسور من الكره والنميمة، وهي صابرة وساكتة، مش فارق معاها كلامهم دام ضهرها صلِب ومستندة على نفسها.
على بعد خطوات قليلة من جلستها دي ، كان جثمان “فهد بن قبيلة تميم” ملفوف بالبشت على الأرض، وعيلته وأهل بيته حواليه صراخهم وندبهم طالع يطالب بالدم والقصاص الفوري، وكأن الدنيا ضاقت وما عاد فيها مكان يتسع لتنفسها. في الوقت ده، تقدم عمها.. الراجل اللي المفروض يكون ضهرها وسندها بعد أبوها.


