قطة في وادي الذئاب بقلم اسراء عبد القادر ج2

بعدما انتهت من وجبة الغداء المتضمنة المسلوق الخالى من الدهون ، حتى مدت لها الممرضة بقرص الدواء الخاص بعد امتلاء المعدة ، تناولته بفمها ثم تبعته بكأس ماء تجرعته و عقلها أصبح مغيبا بمكان آخر حتى لم تلحظ أو تجيب صوت الممرضة و هى تتمنى لها الشفاء العاجل ، و إنما ظلت صامتة و كأن على رأسها الطير ، حيث اليوم هو يومها الثالث بالمشفى و لم يأتِ زوجها بعد! ، فى البداية أرجعت عامل التأخير إلى عدد الساعات التى يقتضيها السفر من القاهرة إلى قنا ، و لكن مر يومان و الثالث خلفهما دون ان ترى هيئته او تسمع صوته ، دون ان ياتى إليها معتذرا عما بدر منه ، دون ان يشُدَّ من أزرها فى أحلك الأوقات سوادا ، تراب الانتقام غمر عقله بحيث أعماه عن رؤية ما عدا قت,ل زينة _و عشيقها_ ، على الرغم من كونه الطفل الذى كان يوبخها لسنين طوال بسبب عدم قدرتها على إنجابه ، و حين رزقها الله بهذا الحلم أخيرا ، ذهب أدراج الرياح دون رجعة؟! ، و لكن أين هو الأب من ذلك؟ ، أليس هو الشق الثانى بهذه الأسرة ، و عليه ان يكون معها بحلوها و مرها؟ ، لِمَ التصرف معها بهذه الأنانية إذا؟ ، إنه يراها تقريبا كماليات لن يضر وجودها من عدمه ، و لهذا قررت أن تغير هذه النظرة فى هذا التو و هذه اللحظة ، ترى ماذا ستفعل؟
كانت تجلس أمام التلفاز ، تضغط على أزرار جهاز التحكم و هى تتنقل بين القنوات بملل شديد فهى ليست من هواة الجلوس دون عمل لتعود بذكراها إلى ما حدث قبل يومين من كلمات طلاق ألقيت على مسمعها كالصاعقة المهلكة في وسط الصحراء الشاسعة، قطع انسجامها بأفكارها المتألمة صوت دقة خفيفة على باب الغرفة لتجفل سريعا ثم تلتفت نحو الباب قائلة:
_ ادخل
ولجت أمينة الى داخل الغرفة و هى تجر عربة صغيرة بها أصناف من الطعام أمامها ، تحركت بها بانسيابية على أرضية السيراميك العالى الجودة ، حتى توقفت أمام السرير الذى تتسطح به زينة ثم أخذت شريط دواء بعينه عن بقية الأدوية ثم تناولها إياه قائلة:
_ اتفضلى الدوا اللى قبل العشا يا هانم
رمقتها زينة بحنو و هى تقول شاكرة:
_ شكرا يا أمينة
ثم تحدثت ببعض الجدية:
_ بس ما تجوليش هانم دى
قطبت أمينة حاجبيها بدهشة لترفع بصرها نحو زينة قائلة بدهشة:
_ امال اقولك اى؟
تحدثت زينة ببساطة:
_ زينة بس يا جمر ، انى زيى زيك لا هانم و لا معايا أملاك ، بس ضيفة اهنه لناس فى العلالى ، عشان اجده تسمعى الكلام و تجولى يا زينة ، زينة و بس
اماءت أمينة برأسها بخفوت و قد ثار الذهول بعقلها ، حيث تقابل أخيرا من يعترف بكونه الأقل بكل تواضع ، على خلاف من لا يملك شيئا و يرفع من شأنه أمام الخدم المساكين بل و يترفَّع عليهم أيضا!

