قطة في وادي الذئاب بقلم اسراء عبد القادر ج2

_ شوفى الايميلات اللى جات لك اليومين اللى فاتوا و ابعتيهم لى
_ حاضر يا فندم
قالتها السكرتيرة و هى تبتعد إلى الخلف بطاعة ، ليعود أشرف إلى مطالعة الأوراق القابعة بين يديه بتركيز شديد لا يقطعه سوى صوت السكرتيرة الذى أتاه عبر اللاسلكى بجانبه قائلة:
_ فى واحد اسمه محمد سيد عايزك يا فندم
ألقى القلم من بين أنامله و هو يزفر بغضب ثم يتشدق بضيق:
_ و ده اى اللى جابه ده؟
قرب فمه من اللاسلكى قائلا بلهجة آمرة:
_ دخليه
بعد مرور ثوان دلف محمد إلى الغرفة دون استئذان ليصل غضب أشرف إلى ذروته حيث يهدر قائلا:
_ نعم ، مش خدت فلوسك خلاص؟ جيت ليه بقى؟
تجاهل سؤاله بسؤال آخر ناطقا بحدة:
_ وديتها فين؟
قطب حاجبيه قائلا:
_ هى مين؟
صرخ محمد بغضب:
_ زينة يا أشرف بيه ، يعنى مين؟!
اراح أشرف ظهره على الكرسى بمعالم جليدية و هو يقول ببرود:
_ و يهمك ف ايه تعرف مكان مراتى يا افندى؟
_ مابقتش مراتك خلاص ، و انا عايزها
وقف أشرف عن كرسيه ثم دار حول المكتب مقتربا من محمد الذى يرمقه بسخط ، امسكه أشرف من ياقته بعنف و هو يقول مستهجنا:
_ انت عبيط ياض؟ ، عايزنى اقولك مكان طليقتى ازاى يعنى؟ ، فاكرنى بريالة ولا اى؟
تشدق فى نفسه بسخرية:
_ لكن تخلينى اخدها ف حضنى لما كانت مراتك عادى صح؟
ما ان وصلت آثار همهمته المتهكمة إلى مسامع أشرف حتى هتف بحدة:
_ بتقول حاجة؟
عاد يكرر سؤاله بحزم:
_ قولى هى فين؟ احسن ليا و ليك
أجابه و هو يشير بسبابته نحو الباب زاجرا:
_ أمشى اطلع برة قبل ماجيب الأمن يطلعوك بمعرفتهم
لوى الثانى شدقه و هو ينظر نحو سبابته مستهزئا:
_ مش انت خلاص طلقتها؟ ، سيبهالى بقى متضايق ليه يعنى؟
بادله الاستهزاء مضاعفا و هو يقول بصلابة:
_ اهو متدايق و خلاص
ثم فتح الباب و أشار نحو الخارج و هو يرمقه بنصف عين قائلا:
_ و بعدين ده بدل ما تشوفلك حتة تستخبى فيها قبل ما أخوها يعتر عليك و يقت,لك بتدور عليها؟! ، يالا سلام يا بابا
حدجه بعينين بركانيتين تشتعل غضبا ، ليخرج من الغرفة ثم يغمض عينيه بمقت بعدما سمع صوت إغلاق الباب بقوة ، ليكز على أسنانه قائلا فى نفسه بوعيد:
_ طيب يا أشرف ، أنت اللى اختارت

عاد يضغط على أزرار هاتفه ثم يضعه على أذنه و هو يزفر بنفاذ صبر ، حيث كرر الاتصال للكرَّة التى لا يذكر عددها دون رد ، و على خلاف السابقين أتاه الرد من صوت حسنى يقول بانزعاج:
_ ما هرجعش الا براس زينة يابوى ، ما تتصلش تانى بجى
هم ليغلق الخط و لكن بادر قاسم بقوله هاتفا بخشونة:
_ مرتك سجطت يا حسنى
اتسعت عيناه بدهشة و شُلَّت أطرافه عن الحركة بحيث لم يستطع إيقاف الخط حتى! ، بالكاد حرك لسانه كى يتأكد مما سمع قائلا بصوت ملجلج:
_ إنت ، إنت بتجول اى يابوى؟
تنهد قاسم بتعب قبل ان يجيب ناهرا:
_ ماشاالله عليك دكر ملو هدومك ، يدك اتعودت تطول على مرتك اللى كانت تستمنالك الرضا ترضى ، و انت عملت ايه غير انك تضر,بها و ما تسمعش صراخها اللى هد البيت ، و فى الآخر تطلع حبلة بالواد اللى مستنيه بجالك ست سنين! ، الواد اللى خليت بت عمك تفكر انها أرض بور عشان ما جابتهوش ، و انا و انت عارفين كويس جوى ان انت اللى تعبان و بتاخد الدوا و مخبيين عشان منظرك جدام الخلج ، كانت زى البلسم يتحط عالجرح يطيب ، كانت تحت رجلك و انت عملت إيه غير انك حرمتها من أغلى حاجة بتتمناها ، و جتلت ولدك بيدك! ، ما هجولكش عاود
ثم لامس الزجاج الذى ينظر عبره إلى نجاة المستلقية على السرير و هى تكفكف دموعها بحسرة ، مردفا بوجوم:
_ لكن مش عشان انى شيخ الجبيلة يبجى مش هحكم باللى تريده بت اخوى! ، ربنا معاك يا ولدى
ألقى كلمته الأخيرة بازدراء ثم أغلق الهاتف تاركا حسنى الذى و للمرة الأولى بحياته تنهار حصونه الجامدة و تفر عبراته الساخنة التي أخذ يمسحها بأنامله سريعا خشية أن يراها المارين بينما يصرخ قلبه بقهر بعدما تكبد من عناء الأدوية خفية حتى يفقد طفله بهذه السهولة!
وعلى الصعيد الآخر كانت توجد نجاة التى تورمت عيناها من شدة البكاء ، ترثى طفلها الصغير الذى لم تعلم بوجوده مسبقا كى تحترس قبل المخاطرة بالدخول فى جدال مع حسنى ، تبكى بحرقة و صوت مكتوم ، تمسح عبراتها المنهمرة بغزارة آملة ان تجف لحظة! ، تشعر بأنها فقدت أمانها و ثقتها بالحياة عند هذه المحطة ، تشعر بأن حياتها صارت خواء! ، فقدت الأب و الأم لتجارى رياح التيار ، و لكنها فقدت أيضا الابنة الحنون حينما فشلت فى منع حسنى لق,تلها ، كما فقدت طفل رحمها الذى لم يتمم الشهرين بسبب خوفها على زينة و إيثار حياتها على نفسها! ، باتت الآن أسيرة الخذلان ، باتت الآن صديقة الآلام! ، فهل من فرج قريب؟ ، ام ستبقى بلا راحة حتى يجف الدم بالوريد؟!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *