فارس بلا مأوى بقلم ولاء رفعت ج4

– و دي نقطتكم.
تراجع فارس عن أخذها مُعللاً:
-لاء يا عمي، أني معاي الحمدلله، خير ربنا كتير.
وضع الأخر الظرف في جيب قميص فارس قائلاً:
-دول نقوط جماعة حبايبنا بمناسبة جوازكم.
-أي ده يا بابا أنت واقف ليه؟
كان صوت شهد التي دلفت و بيدها فنجان القهوة، أجاب والدها:
– أنا يا دوب هاروح المحل عشان فيه بضاعة جاية و لازم أبقي موجود، أنا جيت أطمن عليكم و الحمدلله أطمنت، و أنتِ أبقي خدي بالك من جوزك و أسمعي كلامه.
رفعت زاوية فمها جانباً بتهكم، و بداخل عقلها تقول:
-مش لما ياخد باله مني الأول.
_
غادر نعمان و هو يظن إن أصبح كل شيء علي ما يرام لا يعلم الحرب التي علي وشك الحدوث.
ظل جالساً في الغرفة و يشاهد التلفاز أو هكذا تظاهر، بينما هي قبل أن تذهب إلي غرفتها سألته:
-أحضرلك الفطار؟
رد ببرود يشعل نيران غضبها:
-أني صحيت من بدري و فطرت.
جزت علي أسنانها إلي هذا الحد لا تفرق إليه في أبسط الأشياء، لذا رمقته بنظرة توعد و عزمت علي إثارة ضيقه و حنقه!
بعد قليل خرجت من الغرفة ترتدي ما يخطف الأنفاس و يسحر الألباب، فهي الآن بكامل زينتها و ثوب عاري يجعل من جسدها البض ذو المُنحنيات أكثر إثارة و إغراء، تسبقها رائحة عطرها الفواح، و قبل أن تدلف إليه ذهبت و جلبت من المطبخ طبق ممتلئ بالتسالي، و قفت أمامه و وضعت أمامه الطبق:
-أتفضل.
رفع وجهه و نظر صوب عينيها، أطلق زفرة و كأنه يستعين بالصبر في تلك اللحظات العصيبة، جلست بجواره و حافظت علي مسافة قليلة بينهما، أمسكت بجهاز تحكم التلفاز و قامت بتغير القناة، فقال لها:
-ممكن تچيبي القناة اللي فاتت چايبة فيلم رايد أتفرچ عليه.
_
لم تهتم لمطلبه و أخذت تتناول التسالي قائلة:
-ده فيلم عربي قديم، أنا بحب أتفرج علي الأجنبي.
زفر بضيق يعلم إنها تحاول استفزازه لكنه سيظل يرتدي قناع الجمود الذي يظن سيجعلها تنفر منه و تبدل حُبها له إلي كراهية.
صدح رنين هاتفه و كأنه مُنقذ له، أجاب علي الفور:
-ألو يا چنيدي.
…..
-صباح النور.
…..
– أه صاحي أطلع كان لسه الحاچ عندنا أهنه.
…..
_
-لاء أني جاعد ما بسويش حاچة أطلع أني مستنيك، سلام.
و بعد أن أنهي المكالمة أخبرها:
-جومي خشي چوه، چنيدي طالع.
توقفت عن التقام اللب قائلة:
-ما يطلع و أعمله أي!
بصقت ما بفمها من قشر، رفع إحدى حاجبيه و قال بحدة:
-بجولك طالع و أنتي جاعدة كيف إكدة!
أطلقت ضحكة ساخرة و قالت:
-اللي يسمعك يقول إنك بتغير عليا ما يعرفش اللي فيها.
-أستغفر الله العظيم، بزياداكي حديت ملهوش عزا و أسمعي اللي بجولك عليه.
_
تركت الطبق علي المنضدة بحدة مما أصدر صوتاً و ألتفتت إليه قائلة:
– ولا ما سمعتش هاتعمل أي!
جز علي أسنانه و يكظم غضبه حتي لا يصدر منه فعل يندم عليه لاحقاً:
-أجصري الشر يا شهد و سوي اللي جولت لك عليه.
اغتاظت من لهجته الحادة و أمره الصارم، نهضت و تناولت كوب عصير و بدون أن ينتبه قامت بإلقائه في وجهه قائلة:
-عشان تبطل برود أعصابك.
ركضت سريعاً إلي الغرفة و تقسم بأن رأت في عينيه الجحيم، ألتفتت لتبحث عن عباءتها، شهقت عندما وجدته أمامها و يرمقها بنظرة نارية،أمسك ذراعها بعنف و هدر بصوت غاضب:
– أي اللي سوتيه ده!
و كأن القطة قد أكلت لسانها، ازدردت لعابها و قالت بدون أن تنظر إلي عينيه مباشرة:
-أنت اللي أستفزتني.
_
كور قبضته و قام بضـ,ـرب الحائط بجوارها مما أجفلها و جعلها تبتعد من أمامه،أخذ صدره يعلو و يهبط من فرط ما يشعر به من انزعاج عارم.
خلع قميصه القطني المُبتل بالعصير و ألقاه علي الأرض بحنق، فأصبح أمامها عاري الجذع، خفضت بصرها لكن اختطفت بعض النظرات خلسه علي تفاصيل جسده المنحوت و كأنه رجل داوم علي ممارسة الرياضة لمدة أعوام، فالعضلات بارزة لاسيما لدي عضديه و عضلات بطنه السُداسية.
ذهبت سريعاً لتجلب إليه قميصاً آخر من الخزانة، ألتفتت لتعطيه إياه وجدته خلفها مباشرة كادت تصطدم به، و هنا احتبست أنفاسها حيث شعرت بوهج شديد الحرارة يلفح  بشرتها التي سرعان ما غزاها اللون الوردي.
– هاتفضلي و اجفة تبحلجي فيا كتير إكدة!
قال لها هذا عندما وجدها مُتسمرة أمامه و تتشبث بقميصه، ابتلعت ريقها و قالت له علي استحياء:
-أنا آسفة.
اختطف منها القميص و لم يجب عليها أو يتقبل اعتذارها بل و تركها و ذهب إلي الغرفة الأخرى، يخشي أن يُصدر منه ردة فعل يندم عليها لاحقاً فتلك الشهد تسبر أغواره و توقظ بداخله شيطان غضبه الثائر.
ــــــــــــــــــــــ
مرت عدة أيام و كانت قد حسمت قرارها و ها هي تقف أمام المشفى الشهير في مدينة قريبة من النجع، تمسك بيد حقيبتها و تضغط عليها بقوة،فـ عقلها كاد يُجن من الأحداث المُنصرمة كلما تتذكر ما ألقاه عليها ابن عمتها من كلمات مُفجعة تشعر بالاختناق و الموت البطيء فعليها أن تحيا بعدما حكم عليها بالنبذ و النفي من حياته.
دلفت إلي داخل المشفى و سألت عن مكتب الطبيب  يحيي، أرشدها إحدى العاملين إلي عيادته،أنتظرت أمامها ريثما ينتهي من الفحص الذي لديه مع رجل كبير السن.
_
خرجت الحالة فنهضت و طرقت الباب حتي أتاها صوته:
-أتفضل.
ولجت بخطي وئيدة حتي وقفت أمام مكتبه، بينما هو كان مُنكب علي دفتر ورقي يسجل به بعض الأشياء و دون أن ينتبه إليها، يحسب إنها إحدى مرضاه فأشار إليها:
-أتفضلي حضرتك.
أغمضت عينيها للحظات ثم قامت بفتحهما و بدأت تتحدث:
-أني چيت أجولك مابجاش في حاچة تجدر تمنعك عني.
ــــــــــــــــــ
صدح رنين جرس منبه الهاتف فأيقظه من غفوته بينما هي ما زالت نائمة، أخذ يتأمل وجهها الملائكي و يداعب خدها بأطراف أنامله حتي فتحت عينيها و رمقته بأعين يغلبها النوم ثم أوصدتهما مرة أخري، همس بصوته الرخيم و يداعب خصلاتها و يمسد فروة رأسها بحنان غرار خصاله البرية:
-زوزو أصحي، من إمبارح و أنتِ نايمة من المغرب و ما رضتش أصحيكِ لما جيت قولت أسيبك براحتك، قومي بقي كفاية نوم.
أجابت بصوت يُسيطر عليه النوم:
_
-هملني بالله عليك يا سليم، أني ماجدراش أحرك چتتي.
و تقلبت علي جانبها الأخر فأصبح ظهرها مقابلاً إليه،رفع إحدى حاجبيه و قال:
-بتهربي مني بالنوم، أوك يا بيبي أنا هاعرف أصحيكي بطريقتي.
نهض من بجوارها و ظنت إنه أبتعد، هيهات و انتفضت بفزع عندما وجدت الدُثار يُلقي من فوقها ليصبح هو بدلاً منه، أخذ يدغدغها لدي جانبي أضلاعها و هي تضحك رغماً  عنها و تصرخ في آن واحد:
-بعد عني يا سليم، جوم ماجدراش أخد نفسي.
قهقه و قال:
-عشان تحرمي ما تسمعيش الكلام، عمال أصحي فيكي عشان وحشاني، بقالي كام يوم كل ما أرجع ألاقيكي نايمة و بتصعبي عليا أصحيكي.
-بصعب عليك!، حنين إياك!
توقف عن دغدغتها و نهض من فوقها ينظر إليها بضيق عندما أستشعر بالتهكم في حديثها و عاد من جديد إلي جانبه المظلم و الذي كان يتجنبه منذ فترة:
-الظاهر كنت غلطان لما أتعاملت معاكِ بحُب و إحترام، و شكلك من النوع اللي لازم ياخد علي دماغه عشان يتعدل.
_
نهضت و وقفت أمامه و ها قد عادت إلي طبيعتها  و نظرة التمرد التي أخفتها منذ شهور ظهرت مُجدداً في ذهبتيها و اكتملت بنبرة صوتها القوية:
-أنا اللي غلطانة لما طول الوجت بجولك حاضر و نعم، خلتني واحدة تانية ما بجتش خابرة هي مين، مُچرد عبدة تلبي رغباتك المچنونة و لو علي حساب كرامتها، أنا تعبت كفاية بجي.
و في لحظة واحدة كانت خصلاتها مُجمعة في قبضته،كشر عن أنيابه و يخبرها بنبرة آتية من قعر الجحيم:
-قولي بقي إنك كل الفترة اللي فاتت عايشة تمثيلية و فكراني المغفل اللي ممكن يصدقك، أنا كنت متوقع هايجي عليكِ وقت و مش هاتقدري تكمليها، عارفة ليه.
دفعها من مؤخرة رأسها و أصبح وجهها مقابل وجهه و عينيها صوب عينيه ذات النظرة المُخيفة و التي أجفلت قلبها و جعلت أوصالها ترتعد خوفاً لاسيما عندما أردف:
-أيوة أنتِ هنا عبدة و أوامري كلها سيف علي رقبتك و يوم ما تفكري تعملي عكس كدة أو شوفت النظرة اللي شوفتها في عينيكِ دي تاني مش هقولك أنا ممكن أعمل أي فيكِ ساعتها، هاسيبك تتفاجئي بس أعرفي وقتها لو فضلتي تعيطي و تترجيني و تبوسي رجلي عمري ما هارحمك، سامعة؟
عجز عقلها عن التفكير من الخوف و هي تري كل ما قامت ببنائه طوال الوقت ها هي في لحظة حماقة تقوم بهدمه،فالذي يقف أمامها ليس سليم الذي أصبح حنوناً بل شيطانه الذي كان في غفوه و أستيقظ لتوه ليعود لأمجاد شره العاتي،عليها أن تستخدم إحدى الحيل و تستعيد هذ الحنون مرة أخري قبل فوات الآوان.
و بالفعل و بدون أي تمثيل أجهشت في حالة بكاء هيستري، جعلته يترك خصلاتها من يده و يراقبها بوجه متجهم،و تلك الوخزة في قلبه الذي يشعر بها للتو أخبرته عليه باحتوائها فهي ليست في حالتها الطبيعية أو ربما هناك اضطراب في الهرمونات خاصتها مما أدي إلي تغير حالتها المزاجية من سيء لأسوء!
عانقها و أخذ يربت عليها دون أن يتكلم، تركها تبكي حتي هدأت و أصبحت في حالة سكون و عندما رفعها من صدرها ليري سبب صمتها المُطبق، وجدها استسلمت إلي النوم، حملها ثم وضعها علي مكان الراحة و دثرها جيداً، أخذ يلوم نفسه علي كلماته القاسية التي ألقاها عليها لكن الوحش الذي بداخله أخبره هذا ما كانت تستحقه و أن لم يفعل ذلك، فكان سيصبح هو عبداً لها!
🌷يتبع🌷
_
#الفصل_التاسع_والثلاثون
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
و كان مرور تلك الأيام لها أثر علي تلك التي تقهقر فؤادها، و هذا لأن منذ تركها منزل عائلة زوجها و أتت تمكث لدي منزل خالها فما كان ردة فعل الأخر سوي التجاهل و كأنها لا شيء بالنسبة إليه، تعلم أخباره من الصغير عمر الذي كان ينقل كل أخباره إليها ليطمئن قلبها لكن زاد هذا من ألمها أكثر، يمارس حياته الطبيعية و لم يعط لها أدني اهتمام يا له من شعور مُوجع بل و مؤلم أيضاً.
فوق المنزل تقوم بوضع الثياب علي الحبل ثم تحكمها بالمشبك الخشبي و عندما انتهت من نشر الدثار الكبير و ألتفتت لتأخذ مشبك من الوعاء البلاستيكي انتفضت و شهقت بـ ذُعر عندما وجدته يقف أمامها.
-بسم الله الرحمن الرحيم.
قالتها و تلتقط أنفاسها، رد قائلاً:
-شوفتي عفريت إياك!
رمقته بضيق و ولت إليه ظهرها:
-أي اللي فاكرك بيا و چابك أهنه؟
_
وقف أمامها و أخبرها بنبرة يغلب عليها التملك:
-چيت أخد مارتي و نرچعو علي دارنا.
رفعت حاجبيها و سألته بتهكم:
-مارتك!، تو ما أفتكرت إياك!،أني خلاص ماليش مطرح غير أهنه في دار خالي الله يرحمه.
حاول إخماد نيران بركان غضبه، فهو يعلم سبب حديثها الساخر و غضبها البادي إليه، أطلق زفرة و قال:
-مطرحك هو مطرح چوزك يا قمر، و أنتِ أهنه مُچرد ضيفة كفاية عليكِ إكدة، يلا تعالي معاي.
أمسكها من يدها فجذبتها من يده صارخة بحدة:
-جولت ماريحاش معاك، هو أي بالعافية!
جز علي أسنانه و قال بنبرة لا تتحمل أكثر من ذلك:
-أجصري الشر يا قمر، لينا دار نتحدتو فيها ما تسامعيش مرات خالك و ولادها بينا.
_
أطلقت ضحكة ساخرة ثم أخبرته بتهكم:
-واه تصدج مكنتش واخده بالي!،خابر يا بكر أني أكتشفت إن اللي حصلي جبل ما أعرفك أهون بكتير من ما كنت وياك.
كرر أخر كلماتها في ذهنه و ردد:
-كنتِ!، جصدك أي بالحديت ده!
عقدت ساعديها أمام صدرها و قررت أن تثأر لكرامتها بإلقاء عليه هذا الطلب الذي بمثابة قنبلة تُدمر الأخضر و اليابس:
-طلجني يا بكر.
لم يدري بحاله و هو يدفعها إلي الحائط قائلاً بأمر عاشق مُتيم:
-مفيش طلاج، و هاتيچي معاي و بكرة هايبجي الفرح سواء راضية ولا لاء، و لو رايدة تعرفي ليه بعدت عنك طول الأيام اللي فاتت، ده لأني هملتك لحد ما تهدي و أني كمان أحاول أهدي و أنسي كل اللي حوصل، لأن كان چوايا نار و كنت خايف عليكِ منها و من نفسي يعني مكنتش نسيكِ كيف ما فهمتي.
أخبرها قلبها بصدق حديثه، فذلك البريق الذي ينضح من عينيه يخبرها بأنه يعشقها إلي حد الثمالة و ما حدث كان من فرط غيرته عليها، ربما هذا أسعد قلبها قليلاً لكن كبرياءها ما زال يرفض انصياعها لأمره و عليها بالثأر.
-لو أفترضنا اللي عتجوله ده صحيح، أني خلاص مارچعاش في قراري، أي اللي يغصبني أكمل مع واحد شك فيا و هو خابر مين هي قمر.
_
ردد بداخله دعاء حتي يلهمه ربه بالصبر ثم أخبرها:
-أني لو كنت شاكك فيكي لو لحظة مكنتيش بجيتي علي ذمتي لحد دلوق، الموضوع كان صعب عليا جوي، حطي حالك مطرحي لما تكتشفي أجرب الناس ليكِ و اللي هو المفروض الدعم و السند يطعنك في ضهرك، أنتِ ما خابراش أني بحبك قد أي و بغير عليكِ من الهوا و…..
صمت فجاءة عندما لاحظ عدم ارتدائها لغطاء وجهها سألها بنبرة جعلتها تنتفض و تريد الابتعاد من أمامه لكن قبضته جعلتها غير قادرة أن تتزحزح إنشاً واحداً:
-ما لبساش نقابك ليه؟
أجابت بتوتر:
-مفيش حد شايفني و جولت هانشر الغسيل و أنزل تحت علي طول.
جز علي أسنانه و عروقه عنقه النافرة تكاد تطق من الغيظ، أومأ لها بشبه ابتسامة و إذا به يفاجئها بقُبلة لم تسمح لها بالتحرك بتاتاً أو حتي دفعه، يسيطر علي يديها بجوارها، و بعد أن أنتهي من تقبيلها رمقها بانتصار و ابتسامة ماكرة قائلاً:
-أبجي أنسي تلبسيه أو تجلعيه بره الدار و أني إكده هافهم أنك رايده أسوي فيكي كيف ما أسويت دلوق، و يلا جدامي و أبجي جولي لاء لأچل أنفذ تهديدي و يا عالم ممكن الموضوع يتحول لحاچة تانية هاموت و أسويها بس لما يتجفل علينا باب واحد، يا قمري.
جحظت عينيها من تهديده و إيحاءاته الجريئة و المنحرفة، عضت علي شفتها السفلي من الخجل الشديد فانتفضت خلايا جسدها حينما أردف بصياح:
-لساتك واجفة، طيب يبجي أنتِ اللي أخترتي.
_
و كان علي وشك الاقتراب منها، دفعته و ركضت إلي الأسفل و لم تسمع ضحكته التي بلغت عنان السماء.
ــــــــــــــــــــــ
تقف في المطبخ شاردة في مُعذب قلبها و الذي لا يلين إليها قط،يا له من قاسي لكي لا يظلمها يؤدي واجبه الزوجي نحوها لكن بدون مشاعر، لم تنس ليلة أمس و التي تشبه سابقتها
(حدث سابقاً)
نهض من فوقها و قطرات العرق تنزلق علي جبهته و كأنه يعدو صحراء شديدة القيظ، و ذلك بعدما آتاها لمدة دقائق تكاد تحصي علي أنامل الكف الواحدة و بمجرد بلوغه إلي لحظاته أبتعد عنها و كأنه يؤدي مُهمة مُرغماً عليها، تركها و ذهب ليغتسل، لنقل الأحري يريد إزالة لمسات الخيانة من علي جسده الذي لا يريد أن يقترب سوي من معشوقة قلبه فقط.
ظلت جالسة علي الفراش تبكي بحسرة علي تلك الإهانة، أجل فما يفعله إهانة لها، يكتفي بالاقتراب منها دون احتواء أو عناق أو قُبلات و يتركها دون أن يكترث إليها و هل وصلت إلي ما وصل إليه أم لا.
لا تلوم سوي نفسها هي من قررت و عليها تحمل قرارها الخاطئ و الذي ستدفع ثمنه لاحقاً!
(عودة إلي الزمن الحالي)
انتبهت إلي رائحة احتراق طعام تنبعث من الفرن، شهقت:
-يا لهوي المكرونة.
_
فتحت باب الفرن و جذبت الشبكة بيدها التي ترتدي بها قُفاز عازل للحرارة، رأت صينية المكرونة قد تفحمت حيث تركتها أسفل نيران الشواية لتعطيها اللون الذهبي لكن حالة الشرود التي كانت بها جعلتها نسيت أمرها، و في تلك اللحظة عاد من الخارج يحمل أكياس و ألقي بهم في الأرض حينما أستنشق رائحة الحريق، ركض إلي المطبخ ليراها تجلس علي عقبيها أمام الفرن المفتوح قائلة من بين بكائها:
-حتي الأكل اللي عملت له عشان بيحبه حرقته، ليه حق ما يحبنيش.
تنفس الصعداء عندما علم بمصدر الرائحة،أقترب منها و مد يده إليها قائلاً:
-ما تبكيش في داهية الصينية، المهم أنتِ بخير.
رفعت وجهها لترمقه بعينيها المليئة بالدموع:
-أنت فعلا خوفت عليا و لا كنت تتمني أموت و ترتاح مني.
عقد حاجبيه بضيق و سألها:
-ليه عتجولي إكده!، بعد الشر عليكِ.
نهضت و فاضت ما بداخلها:
-و اللي بتعمله معايا ده مش شر!،معاملتك الجافة و طول الوقت بتحسسني إنك جاي علي نفسك و مستحملني بالعافية!
_
لا تريد الإفصاح إليه أكثر من ذلك حتي لا يخطئ فهمها، ربما خجلها يمنعها من التحدث إليه عن سبب بكائها طول الليل، ماذا كانت تنتظر من رجل قلبه ليس ملكاً له!
زفر بنفاذ صبر و ظل يردد:
-أستغفر الله العظيم، اللي عنبات فيه نصبحو فيه، يا بنت الحلال مش أني أتحدت وياكي جبل الچواز و فهمتك كل حاچة؟
سؤاله كان بمثابة خنجر مشتعل ينغرز في جرح لم يندمل بعد، مما جعلها تفقد أعصابها و صاحت في وجهه غير مُبالية لتحذيراته السابقة في آداب الحوار:
-أنا فهمت بس أعمل أي لقلبي اللي ماقدرش يبعد عنك، قولت يمكن أخليك تحبني زي ما بحبك، نفسي أعرف فيها أي زيادة عني عشان مش قادر تنساها و طول الليل و أنت نايم تقعد تنادي عليها!،هقولك أنا ليه عشان أنت جبان و بتخاف من المواجهة و لا عارف تجيب حقك من إبن عمك اللي للبسك مصيبة و مليون في الميه أخته اللي عايش علي أمل حبها زمانها أتجوزت و متهنية في عناق واحد أحسن و أرجل منـ….
قاطع كلماتها لطمة قوية بكفه هبطت علي خدها، ماذا كانت تتوقع منه بعد تلك الكلمات التي تتطعن في رجولته، فعلت أكثر ما يؤلمه.
ذهب بعيداً إلي الخارج و يزفر بحدة، فهو غاضب منها و من نفسه، لم يكن يريد أن تصل الأمور بينهما هكذا.
و بعد أن أصبح في سكينة و هدوء ذهب يبحث عنها في الأرجاء، وجدها في غرفة النوم تضع ثيابها في الحقيبة،ركض إليها ليمنعها:
-عتسوي أي يا مچنونة.
رفعت وجهها و صاحت:
_
-أبعد عني و ملكش دعوة بيا، أنا أتحملت كتير بس توصل لمد الأيد و ربنا ما هعديهالك و ليا كبير يتصرف معاك.
قبل أن يرد لاحظ أثر كفه ما زال علي خدها و أثر لخط دماء رفيع بجوار شفتيها، يا لك من أحمق ما الذي فعلته!
أقترب منها و أمسك بيدها قام تقبيل ظهر كفها قائلاً:
-آسف.
رمقته بنظرة حزن دفين و سألته سؤال متعدد الإجابات:
-آسف علي أي بالظبط؟
أمسك بيديها و أجاب:
-علي أي حاچة زعلتك مني و علي اللي سويته فيكي من شوية، بس أنتِ اللي خرچتني عن حالي و أستفزتيني.
-عشان أنت اللي وصلتني أقولك كده،و لا أقولك أنا فعلاً أستاهل ما أنا واحدة داست علي كرامتها بالبشبشب كنت هاستني تعمل فيا أي أكتر من كدة!
زفر بقوة و جعلها تجلس علي طرف الفراش و جلس بجوارها:
_
-طب لو جولت لك سبيني أخد فرصة وياكي من غير ماتضغطي عليا و آچي عليكِ.
ابتسمت إليه كالبلهاء و ألف رحمة و نور علي كرامتها التي وأُدت!
– بتتكلم بجد و لا بتضحك عليا و لا خايف من بابا.
أومأ لها بامتعاض و قال:
-عتحدت چد،و بعدين أني ما بخافش من حد إسمها إحترام و تقدير، ياريت تعقلي حديتك جبل ما تنطجيه.
هزت رأسها بالإيجاب:
-حاضر.
نظر في ساعة الهاتف ثم أخبرها:
-حضري حالك، هاخدك و نروحو نتغدو برة، هستناكي برة عجبال ما تچهزي.
-فارس.
_
نادته بصوتها الحسن، ألتفت إليها قبل أن يغادر الغرفة، وجدها ترتمي علي صدره و تعانقه بقوة و تخبره:
-ربنا يخليك ليا و تحبني زي ما بحبك.
ربت علي رأسها قائلاً:
-إن شاء الله.
ـــــــــــــــــــــ
-أخيراً أخدتي إفراج من جوزك، أنا كنت قربت أفقد الأمل إن أشوفك تاني.
تفوهت بها ريهام إلي زينب حيث كلتيهما تجلس في المطعم الخاص بالنادي الذي يعمل به زوجها.
أجابت الأخرى بضيق بعدما رفعت زاوية شفتيها جانباً بتهكم :
-خليني ساكتة أحسن، المفروض بعد ساعة چاي علي أهنه، لاء و كمان مهمل معاي چوز الغربان اللي واجفين أهناك و كأنهم عيحرسو حرم الوزير.
أطلقت صديقتها ضحكة و من بينها قالت:
_
-يخربيت تشبيهاتك لسه زي ما أنتِ في عز ما بتكوني متضايقة بتقولي كلام يموت من الضحك.
– ما هو من جهرتي و غُلبي، يلا حسبي الله ونعم الوكيل في اللي كان السبب.
انتبهت الأخرى إلي ما وراء كلماتها فسألتها:
-زينب ممكن أعرف الحقيقة عشان كل اللي قولتيه في المطعم و تهربك مني في كل مكالمة لما بسألك عن حالك و جوزك، كل ده ملهوش غير تفسير واحد، فيه مصايب أنتي مخبياها و خصوصاً موضوع الفلاشة، مارضتش أشوف اللي عليها غير لما أستأذنك.
ألتفتت زينب لتتأكد من بُعد هذان الحارسان بمسافة لا تسمح لهما بسماع ما ستخبر به صديقتها، اقتربت إلي الأمام قليلاً و قالت:
-الفلاشة دي عليها اللي يودي سليم و كل اللي وراه في داهية أولهم أخوي و فارس ياخد براءة بدل ما هو هربان، أنا بعتهالك لما نزلت ترانزيت شحنتها من أهناك علي بيت والدتك، خابرة لو كنت نزلت بيها مصر كان زمانك عتجري الفاتحة عليا دلوق.
غرت صديقتها فاها من ما تسمعه فسألتها:
-ترانزيت هو أنتِ كنتِ فين؟
كان السؤال كافياً ليذكرها بأحداث لن تريد تذكرها مرة أخري، يكفيها ما تعرضت إليه من تعذيب نفسي ترك فيه نفسها ندوب لم تندمل بعد، تأتي إليها خلال كوابيس مُرعبة.
-سافرنا أمريكا بعد ما أتچوزنا و هناك عرفت أهرب منيه و معاي اللاب توب بتاعه اللي عليه بلاوي تخلصني و تخلص الناس من شره لما توصل للشرطة، و كيف ما جولت لك لما وجفت الطيارة ترانزيت هناك أشتريت فلاشة من مكان جريب من المطار و نجلت عليها كل حاچة و بعتهالك من هناك، لأن كنت متوقعه إن سليم هلاجيه مستنيني في مطار القاهرة و فعلاً اللي حسبته لاجيته.
_

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *