فارس بلا مأوى بقلم ولاء رفعت ج4

شهقت الأخرى و سألتها:
-يا خبر!، و عمل معاكي أي؟
-جولي ماسواش فيكي أي، ده واحد مريض و مچنون، خابرة من چبروته بيسوي أي في أعدائه.
صمتت و تتذكر ما فعله في ضحيته في لاس فيجاس، لاحظت ريهام رجفة يدها و هي تتناول كوب الماء و ترتشف منه القليل لتردف:
-الظالم بيسلخ الراچل و هو حي كيف الدبيحة.
وضعت الأخرى يدها علي فمها غير مصدقة ما تسمعه من أهوال:
-أنتِ بتتكلمي بجد يا زينب، أنا حاسه إنك بتتكلمي عن المهوسين بتعذيب الناس لحد الموت و السادية الدموية و اللي موجودين في الـ (الأنترنت المُظلم).
هزت رأسها بالإيجاب و أجابت:
-هو فعلاً سادي في كل حاچة، أنا دوجت الذل و المرار علي يده و لأچل أتجي شره فضلت أمثل عليه دور الخضوع و الچارية المُطيعة.
رغماً عنها انهمرت دموعها، فالذي مرت به ليس بهين علي الإطلاق، أعطتها الأخرى محرمة ورقية و ربتت علي يدها:
_
-أهدي يا حبيبتي و بلاش عياط عشان محدش ياخد باله و لا جوز الغربان يفتنو لجوزك.
ابتسمت و بسخرية عقبت:
-هو أتعود علي دموعي عاد.
نهضت الأخرى و مدت لها يدها و قالت:
-قومي تعالي أغسلي وشك و نروح نشوف أحمد غطسان فين من وقت ما جينا و هو مختفي.
ـــــــــــــــــــــــ
علي طاولة مُطلة علي ضفاف النيل منذ أن جاء كليهما و هي لا تري سوي هو، تراقبه و هو يأكل بالشوكة و السكين فسألته:
-اللي يشوفك و أنت بتاكل بالشوكة و السكين يقول عليك باشا.
هز رأسه بسأم:
-مفيش فايدة لساتك عترمي حديت كيف الدبش، عموماً العادة دي اتعلمتها من أيام ما كنت في أمريكا، كملت دراستي هناك و أشتغلت في فرع من فروع شركات ميكروسوفت و الحمدلله كنت هاترقي و أبجي مدير الفرع لكن كان لازم أنزل أچازة.
_
لاحظت إنه قد بدأ يحدثها عن نفسه مما جعل قلبها يتراقص من السعادة، سألته باهتمام:
-و ليه ما أستنتش الترقية و نزلت، ده كان زمانك عديت هناك.
أبتلع ما بفمه و أجاب علي سؤالها:
-لسببين أولاً أتوحشت أبوي جوي و الحمدلله لحجت أشوفه جبل ما يتوفي الله يرحمه.
-الله يرحمه، طب و أي السبب التاني؟
نظر إليها و صمت قليلاً، فهمت سبب صمته فقالت:
-عشان تتجوز بنت عمك زينب؟
ترك ما بيده و أرتشف الماء دون إجابة علي سؤالها ثم قال:
-الحمدلله.
نهض و أردف:
_
– هاروح أغسل يدي و راچع، كملي واكلك.
أدركت إنه لا يريد أن يخبرها هذا الجانب و عليها أن لا تذكره به، فهي تريد أن تجعله يمحو هذه الزينب من ذاكرته و تخرج من قلبه و تمكث و تتربع بدلاً منها.
انتبهت إلي اقتراب امرأتان منها إحداهما تألف ملامحها جيداً.
– أنتِ شهد بنت الحاج نعمان؟
صاحت شهد بسعادة:
-ريهام، عاملة أي؟
تبادل كلتيهما الأحضان و القبلات علي الوجنتين، قالت ريهام:
-أنا الحمدلله بخير أتخرجت و أتجوزنا أنا و أحمد و أنتِ أخبارك أي جه اللي قدر يخطف قلبك و لا لسه.
ضحكت و قالت بفخر و سعادة، و كعادة النساء في الإجابة عن تلك الأسئلة إما بالمكر و عدم الإفصاح أم بالتفاخر و المبالغة، بينما شهد استخدمت الاختيار الثاني:
-الحمدلله ربنا رزقني بالراجل اللي خطف قلبي من أول نظرة و فاكرة لما قولتلكم نفسي أتجوز صعيدي و مُز في نفس الوقت؟
_
-أنتِ هاتقولي لي عليكِ، ده أنتِ كنتِ مصدعانا، يوه نسيت أعرفك بصديقتي زينب.
مدت شهد إليها يدها للمصافحة و قلبها يخفق بتوجس لا تعلم ما سببه:
-أهلاً يا زينب.
ابتسمت إليها الأخرى و شعرت بما حدث لشهد في آن واحد، فقالت ريهام:
-أعرفك يا زوزو دي شهد نعمان تبقي صديقة و جارة بنت خالتي و متربين مع بعض، كنت بروح أقعد معاهم بالساعات و كنا نخرج.
ابتسمت شهد و علقت:
-كانت أحلي أيام.
قالت ريهام:
-علي فكرة يا شوشو زوزو من الصعيد الجواني من قنا.
كاد لسانها ينفلت و تخبرها أن زوجها أيضاً من قنا، لكن تلك الصدف الغريبة والمُريبة الجمت لسانها حتي وقع الحدث العظيم، كان المشهد كالتالي تقف شهد أمامها و خلفهما يسير نحوهما هذا القادم يُنادي:
_
– شهد.
أشارت إليه و قالت:
-تعالي يا فارس أعرفك بريهام صاحبتي.
ألتفت كلا من ريهام و زينب علي ذكر الاسم و الصوت، فهي لا تحتاج إلي رؤيته لتتأكد، يكفيها سماع صوته و رائحة عطره المفضلة لديه، و هنا كان اللقاء الذي بكت إليه القلوب و دمعت له العيون.
عيون تلاقت بعد شوق جارف و شجن يملأ قلوب نزفت علي جانبي دروب الحب، نظرات كفيلة بالتحدث دون اللجوء لتفوه الألسن.
-أحب أعرفكم علي فارس جوزي و حبيبي.
أمسكت يده بتملك أمامهما، و أمام عينيها التي امتلأت بالدموع رغماً عنها.
يسمع حديث عينيها في أذنه بصوتها رغم صمتها و شفتيها المُطبقة حتي لا تبوح بصرخات مذبحة قلبها:
” معجول يا فارس،بعد كل اللي أتحملته عشانك و شوفت الموت و چيت علي نفسي كتير جوي في الآخر أتچوزت، خنت العهد اللي بينتنا!، هان عليك كسرة جلبي اللي عايش علي أمل رچوعنا!،طب أنا أتچوزت غصب عني أنت أي اللي غصبك! إلا لو خلاص نسيتني ”
تندلع رماديتيه بالحنين و العشق و الدفاع عن نفسه من إتهام عينيها الجلي، يسمع صوت عقلها بقلبه و ليست بأذنيه:
_
” لاء مانستش يا جلب فارس و لا أجدر أنساكِ، ظروفي هي اللي غصبتني أكون لغيرك، بس أقسم لك جلبي و روحي وياكِ أنا مچرد چسد بلا روح معاها،عمري ما خنت عهدنا و لا هاخون، كان نفسي يجمعنا القدر في نهاية المطاف و أكون في النور، كل يوم بنام و جلبي عينادم عليكي و يبكي و يصرخ، اللي كان مصبره ذكرياتنا اللي لو سجلوها علي ورج هاتبجي حكاية لكل العشاق”
همست شفتيها دون أن تتحرك:
“أنت حكمت عليا بالموت و أني حيه”
بادلها الحديث الصامت:
“و أني ميت من غيرك يا جلبي”
أمسكت ريهام بيد صديقتها و تدعو الله أن يُمر هذا الموقف العصيب علي خير، تشعر بحالها لذا كانت نظراتها إلي فارس مليئة باللوم و العتاب، فقالت:
– عن أذنك يا شهد معلش إحنا رايحين لأحمد جوزي أصله بيشتغل هنا.
– أتأخرت عليكِ يا بيبي؟
صوت أجش يتبعه لمسة ذراعه الذي وضعه علي ظهرها و يمسك خصرها بيده، فهذا آخر ما ينقص الجميع و اختتام اليوم بلقاء فارس بغريمه، نظرت ريهام إلي فارس بتشفي قائلة:
-سليم بيه العقبي جوز زينب.
_
كلمة في مـ,ـتل قلب فارس الذي يحترق حياً و هو يقف و ينظر إلي ذراع سليم حول جذع زينب و كأنها ملكاً له، غيض من فيض من الآلام التي يشعر بها للتو.
– أهلاً يا فارس، مش فارس برضو!
رمقت زينب سليم الذي فاجئ الجميع و الوحيدة التي تجهل كل ما يحدث شهد و ربما تكون لديها الشك.
أمسك فارس بيد زوجته و قال:
-فرصة سعيدة يا سليم بيه، عن أذنكم.
تقف زينب مُتسمرة تشاهد رحيل فارس و زوجته أمام عينيها حتي شعرت بسليم يمسك بيدها و يضغط عليها بقبضته قائلاً:
– مش يلا إحنا كمان يا بيبي، أنا خلاص أخدت أجازة عشان نسافر، بس الأول هانوصل مدام ريهام.
اخبرته ريهام بامتنان و القلق يساورها تشعر بالخوف علي صديقتها من هذا السليم الذي يبدو يعلم بكل ما يحدث، يبدو نفوذه و سلطته أكثر بكثير عن توقعها:
-شكراً لحضرتك، أنا هافضل قاعده هنا مستنيه أحمد يجي و نروح مع بعض.
اقتربت من زينب و قالت:
_
-سلام يا حبيبتي أشوفك قريب.
ثم أردفت بهمس:
-خدي بالك من نفسك و أجمدي لجوزك يشك في حاجة.
و بعد أن ذهب الجميع، لا تعلم زينب كيف وصلت إلي السيارة، لا تشعر بساقيها و كأنها كالهلام، انتبهت إلي سليم و يشعل سيجارته و يسألها بنبرة جليدية:
-كان أي شعورك لما شوفتيه مع مراته؟
هنا لم تسمع سوي طنين في أذنها يرتفع تدريجياً و بثقل جفونها تنسدل رويداً رويداً، تمنت لو كانت فقدت روحها بدلاً من وعيها!
🌷يتبع🌷
#الفصل_الأربعون
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
_
يقف في مكان خالي من المارة آسير دموع قلبه الذي ينزف منذ رؤيتها،يتذكر عندما جاءت إليه في المخفر تطلب منه مسامحتها، فكان لا يدرك حينها إنها مُرغمة علي الزواج من شخص آخر، و ليس بأي شخص، لم ينس تلك النظرة السوداء المظلمة في عيون هذا السليم، نظرة كفيلة بـ سبر أغوار قلبه و خوفه عليها!
هبط علي عقبيه و أمسك بقطعة حجر و قذفها بكل قوته في مياه النيل التي أمامه،فـ بدأت ذاكرته تستعيد صورتها و ملامحها الذي يكسوها الحزن و الإنكسار،و بدون أن يشعر أنسدلت دمعة علي خده فقال:
– أني خابر إنه مكنش بيدك لكن ما جدرتش أمنع عن جلبي نار الشوق و الغيرة، حالي كان أصعب من حالك، ويلي من النار اللي ولعت في چتتي لما الراچل اللي أتچوزتيه ماسك فيكي و كأنه بيجولي دي ملكي أنا، و لا ويلي من شهد اللي القدر حكم عليا و أتچوزتها و نصيبها تكون ويا واحد ما يملكش جلبه، جلبه اللي ما خابرش معني الحب غير علي يدك، خابره أني كنت رايد أسوي أي أول ما تشوفك عيني.
أطبق شفتيه ليمنع نفسه من البكاء ثم استطرد:
– كنت رايد أخدك في حضني و أنسي كل لحظة قسوة عشتها، حضنك المطرح الوحيد اللي بحس فيه بأمان و دفا، دلوق بجيت كيف الضايع من غيرك، ماليش أهل و لا مطرح، بجيت فارس بلا مأوي.
و في خضم تلك الأحزان هناك من يساوره القلق، و يجوب الأرض ذهاباً و إياباً في ذلك الممر الطويل،يقف بجواره هذا الذي وصل منذ قليل:
-أهدي يا باشا هي إن شاء الله هاتكون بخير، ممكن يكون سبب الإغماء ما أكلتش أو تكون تعبانة شويه.
و ما أن فُتح الباب و ظهر الطبيب ركض عليه بلهفة يسأله:
-هي عاملة أي يا دكتور.
نظر إليه بابتسامة و أخبره لعله يطمئن:
_
-الحمدلله مدام زينب بخير، هي فاقت و بقت أحسن علقنا لها محلول و أديتلها حقنة فيتامين،شويه كده و تقدر تقوم و تتحرك عادي، بس ياريت تتغذي كويس و تحافظ علي صحتها عشانها و عشان الجنين.
توقف الزمن في تلك اللحظة حين أدرك ما نطق به الطبيب و يتأكد من مسامعه عندما سأل صلاح الطبيب:
-هي حامل يا دكتور؟
أومأ له الطبيب و أجاب:
-اه ألف مبروك.
عانق صديقه بفرح و سعادة:
-ألف مبروك يا سليم.
كان سليم يبادله العناق و لم يصدق نفسه من فرط ما يشعر به من السعادة، فها هو قد أصبح أب، أبتعد عن صديقه و ولج إلي الداخل وجدها تجلس في حالة سكون لم يرف لها هدب واحد و كأن الطير يأكل من فوق رأسها من الخبر الذي علمت به من الطبيب، فهذا أخر ما كان ينقصها، تحمل في أحشائها نبتة ذلك الشيطان الآثم و التي تود التخلص منه اليوم قبل الغد!
-ألف مبروك يا بيبي،أخيراً هيجي ولي العهد اللي هايشيل إسمي و يكمل مسيرة العقبي، مش قادر أوصفلك أنا فرحان قد أي، أنا من كتر الفرحة عايز أصرخ و أقول أنا بقيت بابا.
كان ينطق كلماته بسعادة بالغة، يعانقها و هي كالجماد الساكن لم تبادله حتي المباركة، وجهها أصابه الجمود لاتدري ماذا عليها أن تفعل، تريد البكاء و غير قادرة،أو إطلاق صرخة تخرج بها ما تحمله في صدرها من الألم لكن حتي هذا التعبير عاجزة عن فعله و كأنها أصابها شلل كُلي!
_
ــــــــــــــــــــــ
تطلي شفتيها بقلم الحُمرة و تنظر إلي هيئتها بسعادة، فـ منذ أن عادت من الخارج معه تركها و أخبرها أن لديه أمر هام، تعلم أن ما حدث اليوم ليس بالهين لكن ما توصلت إليه جعل قلبها يتراقص، مالكة قلب زوجها متزوجة، و ها هي الساحة أصبحت خالية لها فقط.
نهضت و تلقي نظرة أخيرة علي عباءتها ذات اللون الزُمردي و المطرزة بخيوط الذهب تشبه ثوب ملكة من القرن الثالث عشر، تاركة خصلاتها بانسيابية علي ظهرها، أطلقت صفيراً بإعجاب علي مظهرها الجذاب قائلة:
-الله عليكي يا شاهي مُزة في كل حالاتك،دلوقتي لما يشوفك هاينسي زينب و أهلها و ينسي نفسه كمان، ما هو خلاص ما بقاش ليه حد غيري، لما أروح أولع الشمع.
ذهبت إلي غرفة المائدة التي يعلوها أطباق من الطعام الشهي و أبريق مُليء بالعصير و كؤوس شاغرة و أطباق حلوي قد أشترتها عبر خدمة الطلبات المنزلية.
قامت بتشغيل إحدى الأغاني الرومانسية علي هاتفها و أخذت تتمايل عليها بفرح و تردد كلماتها:
– خليني جمبك في عناق قلبك، خليك معايا ديماً قريب، مستحيل أتخلي عنك، مستحيـ…
قاطع غنائها صوت فتح باب الشقة، ركضت بلهفة و سعادة لاستقباله، ليتها ما رأته في تلك اللحظة، ذو وجه عابس و متجهم، عينيه و كأن بداخلها ألسنة مُندلعة من نيران أضرمت منذ آلاف السنين.
اقتربت منه و تبتلع لعابها من القلق و التوجس، سألته بحذر:
-أحضرلك الغرفة المخصصة تاخدلك دش، أنا محضرة لك عشا هتاكل صوابعك وراه.
_
أنحني ليخلع حذائه فسبقته يديها لتقوم بتلك المهمة بدلاً منه و ترفع وجهها لتسأله مرة أخري بفضول:
-أنت كنت فين؟
أطلق زفرة تنبأها أن هذا الواقف أمامها كالبركان الذي علي وشك الانفجار، عليها الحذر و الابتعاد، هذا ما تأكدت منه عندما أجاب:
-ممكن تهمليني لحالي الله لا يسيئك و أحسن ليكِ.
تركها و ذهب إلي الغرفة الأخرى غير غرفة النوم، ذهبت خلفه و سألته بحنق:
-هو أي أسيبك و أحسن ليا، يعنـ…
وصد الباب أمام وجهها دون أن يجيب عليها،حاولت فتح الباب بإدارة المقبض لكن وجدته مُغلق من الداخل مما أثار جنونها و فقدت السيطرة علي لسانها الذي أنفلت بما لا تحمد عُقباه:
-هو أنا هاشحت الكلام منك و لا أي،أنت فاكرني هبلة و مش فاهمة اللي حصل، أنا كان قلبي حاسس أول ما شوفتها و عرفت إنها بلدياتك، شوفت ربنا عمل فيك أي،ورتني الذل و المرار و أستحملت و رضيت بالهم و الهم مش راضي بينا، في الأخر طلعت متجوزة و سبحان الله ليك نصيب تشوف جوزها بعينيك، شكله راجل هيبة مش زيك جبان و لا عارف تاخد حقك و عايش مستخبي و……
انتفضت و تراجعت إلي الخلف عندما فتح الباب، هذا الذي أمامها ليس بفارس بل إعصار مُدمر، عليها بالفرار من أمامه لكن فات الآوان، جذبها من خصلاتها و صاح بصوت جهوري غليظ دوي صداه بين كل جدران المنزل:
-حذرتك كتير من طولة لسانك لكن اللي كيفك إكده لازم يتربي و أني هاربيكي من أول و چديد.
_
صرخات أطلقتها بعدما بدأ يصفعها بيد و الأخرى كانت تقتـ,ـلع خصلاتها، من يراه و كأنه وحش بري فقد السيطرة و أطلق نفسه إلي شيطان غضبه الثائر.
– خلاص بالله عليك يا فارس، آه.
كما يقول المثل الشعبي «اللي حضر العفريت يصرفه»، و هذا في حالة جنونية، لايري أمامه بعد أن أفقدته صوابه و لقي ما قد يفرغ فيه غضبه،و ربما نسيت إنه رجل صعيدي ذو كرامة و دماء حارة، لم يتقبل الإهانة مهما حدث، يكفي ما مر به اليوم.
ما زالت تصرخ و لم تكن قادرة أن تبعده لفرق القوة الجسدية، و عندما أبتعد عنها ليلتقط أنفاسه تحملت آلامها و فرت من أمامه صارخة:
-بتضـ,ـربني!، بتفش غلك فيا، عشان تعرف إنك مش راجل و بتتشطر علي واحدة ست، روح أتشطر علي اللي أتجو…..
ركضت إلي غرفة المائدة و هو خلفها، لم تتمكن من إغلاق الباب بسبب دفعه بجسده مما دفعها هي و وقعت علي الأرض، زحفت علي ركبتيها أسفل المائدة و خلايا جسدها ترتعد من الخوف.
– فكرك ما أجدرش أطلعك دلوق.
أفرغ غضبه الدفين و الذي أنطلق و فقد السيطرة عليه بإلقاء كل شيء من فوق المائدة، و هي بأسفلها تري الأطباق و الكؤوس تتحطم علي الأرض و تسمعه يزمجر كالوحش و بعدما نفذت و أستنزف الغضب قوته،بدأ يهدأ فأخبرها بصوت متهدج :
-أني داخل و هاجفل عليا الباب، قسماً بالله سمعت صوتك مرة تانية لأخدك من يدك و ورجتك جبل منك عند أبوكي،و أنتي خابرة الناس هاتجول أي عليكي لما تتطلجي و أنتي مكملتيش شهر چواز!،اللهم بلغت اللهم فأشهد.
ذهب و خرجت من أسفل المائدة تستند علي المقعد بألم، تطلق آهات من الألم الذي تشعر به في رأسها من جذبه لخصلاتها و كذلك خديها كليهما مُنتفخان من الصفعات التي تلقتها، أطلقت صرخة يتبعها بكاء بألم و قهر لاسيما لم تستطع التعبير و لو بحرف خشية من أن يسمعها و يخرج إليها و ينفذ تهديده، اللعنة علي قلبها الذي يجلب لها المتاعب و لسانها السليط الذي جلب لها الإهانة و وأد كرامتها!
_
ـــــــــــــــــــــــــــــ
صباح يوم مشرق، ترسل شمسه دفئها إلي جميع الأرجاء لكن دفئها لم يصل إلي تلك القلوب الذي يغلفها صقيع اللوعة و الاشتياق و يتربع الحزن في أركانها، ولج إلي داخل الغرفة يحمل صينية الطعام فوجدها ما زالت نائمة أو ربما تدعي النوم:
-أي يابيبي لسه نايمة!
وضع صينية الطعام علي الكمود و ذهب ليفتح الستائر،تعامل بقوة ضوء الشمس أنحاء الغرفة و بدي الضيق علي وجهها، جلس بجوارها و أخذ يداعب خصلاتها و يهمس بجوار أذنها:
-قومي و بطلي كسل لازم تفطري و تتغذي، دلوقتي يا بيبي أنتِ مابقتيش لوحدك، أنتِ جواكِ حتة مني.
وضع يده الأخرى علي بطنها و أردف:
-أنا عايزه ولد عشان يكمل مسيرتي و يفضل إسم العقبي من جيل لجيل، هعلمه كل حاجة هخليه زيي بالظبط الكل يخاف منه و لو أتذكر أسمه قدام حد يترعب،هخليه يملك القوة و المال مع بعض و طبعاً الذكاء هياخده وراثة.
نظر إلي الفراغ و يردد بسعادة قائلاً:
-جاسر سليم داغر العقبي.
و بمجرد نطقه إلي الاسم شعر باهتزاز جسدها، يبدو إنها تبكي بدون صوت، أمسك بوجهها و نظر إليها واجماً:
_



