فارس بلا مأوى بقلم ولاء رفعت ج4

– و أنا واثق من كدة إن شاء الله.
اعتدل في جلسته و أكمل حديثه:
– شوفت نسيت حاجة مهمة.
أخرج من جيب عباءته محفظة جلدية، فتحها و اخرج منها بطاقة هوية و مدها إليه:
– أتفضل البطاقة، اسمك دلوقت بقي قاسم رشدي سعدالدين.
امعن النظر في الهوية، فوجدها لا تفرق شيئاً عن الأصلية، ردد قائلاً:
– إكدة هاجدر أسوي حاچة كنت مأجلها لحد ما موضوع البطاجة يخلص.
رمقه باستفهام و سأله:
– حاجة أي اللي أنت ناوي تعملها؟
نهض و أخرج محفظته ثم وضع البطاقة داخلها، فأجاب بـ عزم و ثقة:
_
-تجدر تجول مهري لشهد، أنا ما ملكش المال لكن ربنا عطاني عقل و قوة أرد بيها حقها زي ما وعدتك و وعدتها.
✿ــــــــــــــــــــــــــــــ✿
استيقظت للتو أو ربما نقول يجافيها النوم منذ ليالي مُنصرمة، تشعر بالشتات و الاغتراب عن مكنون ذاتها الحقيقي، تخشي أن تنجرف دون وعي منها و تصبح بالفعل جارية مُطيعة له و المصطلح الصحيح خاضعة، كلما تذكرت كلمات صديقتها في الحفل تشعر بألم ينهش داخلها برغم أنها تعلم جيداً إنه مُجرد تمثيل زائف، لكن متي سينتهي!، و متي تتبدد تلك الغيمة السوداء!
نهضت بوئيد من جواره، ألقت نظرة عليه فوجدته ما زال نائماً، نصفه العلوي عارياً، من يراه في ذلك السكون لا يصدق أفعاله الإجرامية، سارت نحو مرآة الزينة وقفت أمامها تتأمل هيئتها، ترتدي ثوباً حريرياً ينسدل علي منحنيات جسدها، يُجسد معالمه التي تمقتها كلما تذكرت لمساته عليها، عقدت ساعديها و كأنها تعانق نفسها بمواساة، أغمضت عينيها، داهمتها ذاكرتها بأخر لقاء بينها و بين فارس قلبها، لم تنس صوته و عناقه أو لمسة شفتيه لخاصتها.
انسدلت عبرة من عينيها لم تكمل هبوطها علي خدها بسبب الأنامل التي جففتها الآن، شهقت بفزع عندما فتحت عينيها و وجدته خلفها، عانقها و مال برأسه ما بين عنقها و كتفها العاري يسألها:
-أي اللي مصحيكي دلوقتي؟
نظرت إليه عبر المرآه، فوجدته يحدق بها عن كثب، تلك النظرة التي تربكها دائماً، حاولت أن تبدو هادئة و هي تجيب:
– مكنش چايلي نوم.
جعلها تستدير حتي تصبح في مواجهته، أمسك يديها بتشابك أنامله بأناملها و ينثر بعض القُبلات علي جيدها، يسألها من بين قُبلاته:
– و أي اللي مطير النوم من عينك؟
_
تململت من لمساته و حاولت تملص أناملها من بين أنامله، فوجدته يضغط بقوة مما سبب لها بعض الألم، رفع وجهه ليرمقها بتحذير عن الابتعاد، ابتلعت ريقها و قالت:
-مفيش، حاولت أنام ما جدرتش.
-أنا ملاحظ الأرق اللي عندك من ليلة الحفلة، للدرجدي كلام سمية مأثر عليكي!
يا له من وغد ماكر، يعلم كل ما يجول برأسها من مجرد نظرة فقط!
تهربت من النظر إليه بخفض بصرها لأسفل:
– و هي سمية جالت أي يعني، ما نجدرش نللوم عليها أو نحاسبها، دي كانت سكرانة.
شبه ابتسامة بدت علي ثغره، باغتها بسؤال صادم:
-أحياناً الحقيقة اللي جوانا بتطلع في لحظة لما بيكون عقلنا مُغيب،بالبلدي كدة زي ما بيقولو كل واحد بيطلع اللي جواه من غير كذب و تزييف، و أنا بقالي فترة عايز أسألك، لسه عايزة تبعدي عني و لا مكملة في تمثيلك لدور الخاضعة؟
رفعت وجهها لتجيب بثبات و دون أن يرف لها هدب واحد:
– و أني أي اللي هايچبرني أمثل كيف ما بتجول، ليه ما تجولش رضيت بنصيبي!
_
عانقها و ألصق جبهته بخاصتها، فأخبرها:
– الخوف يا زوزو، خوفك مني يخليكي تعملي أي حاجة عشان تتقي شري.
قشعريرة قوية دبت في جميع خلايا جسدها الساكن من الخارج، لكن بداخلها ترتعد فرائصها من الخوف، فما كان عليها سوي أن تتلاعب به هي أيضاً و تستخدم دهاء الأنثى في تلك اللحظات العصيبة :
– و ليه ما تجولش بدأت أحبك.
أبتعد خطوة ليتمكن من إطلاق قهقه تراها لأول مرة، لكنها تدرك أنها ضحكة ساخرة.
توقف عن الضحك و سار نحو الخزانة قائلاً:
– عارفة يا بيبي، أنتي الوحيدة اللي بتقدر تعصبني و في نفس الوقت بتخليني أضحك.
رفعت شفتيها جانباً بابتسامة ساخرة سرعان ما تبدلت إلي الخوف بل الرعب عندما رأت في يده سلاحاً نارياً.
– مالك خوفتي ليه، ده حتي أخوكي ماشاء الله وسع نشاطه و بقي يتاجر فيهم.
أشاحت وجهها جانباً قائلة:
_
– و أنا مالي بيه، كل واحد مسئول عن حاله.
أقترب منها و جذبها من يدها و دفعها نحو صدره لتلتصق به و أخبرها بـ كبر و تملك:
– لكن أنتي مسئولة مني أنا، أنتي ملك سليم العقبي، صح يا بيبي؟
هزت رأسها بالإيجاب و بداخلها بركان من الدموع يُريد الانفجار، ربما ما يمارسه الآن عليها من ضغط نفسي يجعلها تنهار من جديد و تستسلم للبكاء.
انتبهت بجذبه لاحدي يديها و وضع بها سلاحه الثقيل تحت نظرات التوجس و الخوف التي تنضح من عينيها.
– أنا ممكن أريحك مني و من التمثيلية دي خالص، بضغطة واحدة بصباعك علي الزناد.
غرت فاهها كالبلهاء تحاول إدراك ما تفوه به، همت بالابتعاد عنه تصطنع عدم الاكتراث لما قاله فهي ليست بحمل ضغوط أخري لم يعد لديها طاقة أن تتحمل جنونه.
-أني هاريح لي ساعتين.
و قبل أن تتحرك خطوة كان يقيد جسدها بجسده كالعنكبوت الذي يحاوط ضحيته بجميع أطرافه، و ها عاد صوته الأجش مرة أخري بأمر أحمق:
-لما أكلمك تقفي تردي و بعدين أنا ما بهزرش.
_
أمسك بذقنها و حدق في ذهبتيها المتلألئة بالدموع الحبيسة و أردف:
-أنا عارف أنك مستنية اليوم اللي تتخلصي فيه مني بفارغ الصبر، و أنا بقدملك الفرصة علي طبق من دهب،رصاصة واحدة و تتخلصي من كابوسك الأسود للأبد.
حدجته بصدمة بعدما رأت إصراره و جديته من خلال عينيه ذات اللون الأسود القاتم و النظرة الحادة المُرعبة.
دس السلاح بين يديها عنوة صارخاً بها:
– مستنية أي، بقولك يلا أـ,ـتليني و أخلصي مني، و يكون في علمك دي الفرصة الوحيدة و عمرها ما هاتتكرر تاني أبداً.
أشار له بعينه إلي مقدمة السلاح ليخبرها:
– و ما تقلقيش المسدس مزود بكاتم صوت، و هاتعرفي تهربي بأي طريقة بعدها، ها مستنية أي!
أرتجف جسدها و يديها في قبضته حتي و قع السلاح منها، هبط و التقطته ليعطيها إياه مرة أخري و بصوت كاد يصيبها بالصمم أمرها:
-أخلصي.
تعالت شهقاتها و رفعت السلاح لأعلي بتردد، صوت أنفاسها يخترق أذنه، و بكل قوة لديها رمت السلاح ليصطدم بالمرآة التي تصدعت و انكسرت لعدة قطع و فتات.
_
-كفاية بجي.
انخرطت في نوبة بكاء عكس تعابير وجهه الذي داهمها شبح ابتسامة يشوبها الغموض، جذبها في عناق قوي، يحتويها بين زراعيه و كأنه أمانها الوحيد، كيف يكون لها مصدر الأمان و هو منبع خوفها و إرهابها طوال الوقت!
-خلاص أهدي، مفيش حاجه حصلت تستاهل العياط ده كله.
أبعدت وجهها عن صدره الذي أبتل بعبراتها التي ملأته و قالت:
– ما حصلش!، كيف مستهون باللي عتسويه فيا عاد!
أخذ يمسح عبراتها بإبهاميه قائلاً بهدوء و كأن لم يحدث شيء:
– و ليه ما تقوليش ده كان إختبار صغير مني!
كفت عن البكاء و رمقته بصدمة مرة أخري:
-و أنت فاكر إن يوم ما أحب أتخلص منك أجتلك!
عانقها و أخذ يهمس بجوار أذنها و أنفاسه تضـ,ـرب عنقها:
_
– لأن مفيش مفر للخلاص مني غير أنك تـ,ـتليني يا بيبي، أنا قدرك و نصيبك لحد ما أي حد فينا يموت، الموت الوحيد اللي يقدر ياخدك مني، غير كده مفيش.
ظل ينثر قبلاته التي بدأت ناعمة و تدرجت إلي الحدة ثم أخذت مسار العنف غير مبالي إلي حالتها النفسية السيئة الذي كان هو السبب الرئيسي لها.
– بعد عني يا سليم لو سمحت.
خرجت من بين شفتيها بصعوبة حتي لا تعود إلي نوبة البكاء، قبض علي خصرها بقوة و قال بتملك:
– مش أنتي اللي تقولي أبعد، أنا بس اللي أقول.
حاولت أن تخلص خصرها من قبضتيه لكنها محاولة فاشلة:
– و أني تعبانة و ما جدراش، بزيداك تضغط عليا، أبوس يدك كفاية بجي.
و بعد أخر كلمة لم تتحمل و أجهشت بالبكاء مما جعله توقف عن ما كان يفعله، أبتعد عنها فجاءة لا سيما عندما تعالي صوت بكائها، تركها و غادر الغرفة قبل أن يخرج وحشه الكاسر عليها صافقاً الباب خلفه.
✿ـــــــــــــــــــــــــــ✿
صوت رنين هاتفها يصدح في أرجاء الغرفة، لم تسمعه سوي عندما فتحت عينيها، ضـ,ـربت ذاكرتها أحداث ليلة أمس التي لن تُمح من ذكرياتها بتاً.
_
أمسكت بالهاتف و وجدت المتصل والدتها، أسرعت بتبديل وضع الهاتف إلي الصامت، فهي ليست في حالة مزاجية بأن تجيب أو تسرد لوالدتها ماذا حدث أو الذي لم يحدث.
نهضت من فوق الفراش بجهد حيث ما زالت ترتدي ثوب الزفاف، تلفتت من حولها علها تجد أثراً لوجوده و هي تتذكر ليلة أمس…
” بعدما تبادلا أكرم و ندي السلام معها و مع علي الذي وقف مُتسمراً للحظات ينظر إلي ندي و أكرم يحاوطها بزراعه بشدة و تملك، خشيت أن يحدث شيئاً و تفسد ليلتها إذا لم تفسد من الأساس، اقتربت منه و أمسكت بيده، سألت الأخرى و كأن الود بينهما موصولاً:
– أومال فين لارا، ماجبتوهاش معاكم ليه.
ضغط أكرم علي عضد ندي كإشارة لها أنه سوف يجيب بدلاً منها، فقال:
– لارا عند عمي و حماتي، أصلي أنا و ندي قررنا نعيد الهني مون من أول و جديد، صح يا حبيبتي؟
أومأت الأخرى بشبه ابتسامة و رمقته ثم اشاحت وجهها، فتلاقت عينيها بأعين علي الذي لم يستطع إخفاء نيران الغيرة المُندلعة في عينيه.
عقبت مروة و هي تتشبث بيد علي و تظهر تشابك إياديهما أمام أكرم و ندي و بالأخص تقصد الأخرى:
-إحنا كمان بعد الفرح أنا و علي مسافرين، بس برة مصر.
نظر أكرم في ساعة يده و قال:
_
– معلش بقي مضطر أستأذن، عن أذنكم.
و رمق علي بنظرة يشوبها وعيد مُردفاً:
– ألف مبروك يا عريس.
رحل و يمسك بزوجته و كأنها ستفر منه لو تركها برهة واحدة، أنتبه علي إلي مروة التي تهز يده قائلة:
– علي فكرة مشيو من بدري هاتفضل واقف متنح لأمتي؟
قطب حاجبيه و ألقي نظرة من حوله و بدأ يشعر بالاختناق، رغم الهواء الطلق المحيط بالجميع، أخبرها بأمر و حزم:
– يلا عشان هانروح.
أتسعت عينيها تحاول أن تستوعب كلماته، فسألته:
– هانمشي ليه؟، لسه بدري الفرح لسه مخلصش و بعدين مش المفروض نطلع علي المطار عشان مسافرين لروما!
أطلق زفرة بضيق و أجاب:
_
– كلمة و مش هاكررها، قولت هانروح علي البيت، لو مش عاجبك خليكي قاعدة مع أهلك و قرايبك و أنا ماشي.
و لم ينتظر حتي أن يستمع إلي إجابتها و سار، ذهبت خلفه و الحضور ينظر إليهما بتعجب و دهشة، همسات من القيل و القال، بينما هي كانت تلحق به تاركة والدتها و شقيقها اللذان يناديان عليها.
و بالخارج دلف إلي داخل سيارته، صعدت من الباب الأخر إلي الداخل أيضاً، فأنطلق بالسيارة، و في الطريق ظلت تلقي عليه العديد من الأسئلة التي قوبلت منه بالصمت المطبق وولم يكلف عناء نفسه أن ينظر إليها و يري حالتها السيئة و هي تتوسل إليه.
و لدي اقترابه من المنزل سألته بصياح:
– أنت ليه بتعمل معايا كدة، للدرجدي لسه الهانم مسيطرة علي دماغك و كل ما تشوفها حالة تسوء بالمنظر ده!، قولي هي أحسن مني في أي!، أي عندها و مش عندي!، رد عليا.
صرخت بأخر كلمة فبادلها بصرخة أقوي:
– بس بقي، و كلمة كمان و أقسم بالله هرجعك لبيت أهلك حالاً و بعد ما هرمي عليكي اليمين.
ابتلعت غصتها و صمتت بوجه محتقن، أكمل قيادته حتي توقف أمام البوابة:
-أنزلي.
نظرت إليه و أدركت إنه لم ينزل برفقتها، و في لحظة كانت بخارج السيارة، و قبل أن تعبر البوابة إلي الداخل تحت نظرات حارسان الأمن، أنطلق الأخرى ليتركها بمفردها في هذا المنزل بمفردها.
_
و بالأعلى ظلت تنتظره و تجول أرض الغرفة ذهاباً و إياباً حتي ساعات مُتأخرة من الليل، و غفت رغماً عنها”.
عودة إلي الوقت الحالي…
غادرت الغرفة باحثة عنه لم تجده في الطابق، نزلت الدرج حافية القدمين، تتلفت يميناً و يساراً حتي قابلت في نهاية الدرج خادمة ذات ملامح آسيوية سألتها:
– أي خدمة سيدتي؟
سألتها الأخرى:
– علي فين؟
أجابت الخادمة:
– مستر علي فيه الليڤنج مدام.
ذهبت حيثما أخبرتها، توقفت لتتأمل هذا المشهد بصدمة و ألم مرير، وجدته يجلس نائماً علي كرسي و أمامه منضدة يعلوها زجاجات خمر فارغة و جوارها ورقة مالية مطوية علي شكل أسطوانة تتناثر من طرفها ذرات مسحوق أبيض اللون.
تقدمت نحوه حتي أصبحت أمامه، مالت إلي وجهه، لاحظت آثار دموع علي خديه، رفعت يدها لتزيح خصلات شعره المنسدلة علي جبهته، انتفضت عندما أمسك برسغها و يحدقها بنظرة أجفلت قلبها.
_
سألته و الوجع يتجلى في كل حرف تتفوه به:
– و بعدين يا علي؟
لانت نظرته و معها قبضته، ترك يدها ليخبرها كطفل صغير:
– مش قادر أنساها.
أشار إلي رأسه حيث موضع عقله قائلاً:
– ده عايز يمحي أي ذكري ليها.
ثم أشار إلي موضع قلبه و أردف:
– لكن ده مش مطاوعني، بالعكس كل مرة أشوفها قصاد عيني يتقهر أكتر.
جلست علي الكرسي المجاور له، فأخبرته:
– أنت مريض بحبها يا علي، أنت مريض و موهوم، هي عمرها ما حبتك، حاول تنساها و فكر في نفسك، بص حواليك و شوف اللي بيحبوك و يتمنو لك الرضا،أنا أستحملت كم إهانات منك ما تستحملهاش أي واحدة لو مكاني و كل ده عشان بحبك، أحتويتك و عندي إستعداد أقف جمبك و أستحمل أي حاجة في سبيل أن اخلصك من الوهم اللي أنت عايش فيه.
_

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *