للهوى راي آخر بقلم سارة حسن ج4

 

للهوى رأي آخر
السابع والعشرون

أنا رقية كامل، زوجة خالد رشيد.
اعتقدت يومًا أني امتلكت الحب، وعشت كل لحظاته ومراحله، مراهقتي بجنونها معه، أنوثتي التي تبرعمت على يده، جسدي الذي تغير من حملي لنطفة منه في رحمي.
كان الرجل الوحيد في عالمي، الرجل الوحيد في الكون بعيني، تعلمت كل شيء على يده، كان كاظلي، يحاوطني بدفء قربه، ويطربني بكلمات العشق، يجافيني النوم بعيدًا عن ذراعيه، لو ابتعدت أنا عنه يجن ويثور، حتى اكتملت حياتنا بالولد الذي تمناه أن يكون من رحمي أنا.
مرت سنوات من الهدوء والاستقرار، والحب،
وفجأة بدأت الأرض الثابتة تهتز من تحتي، برودة ذراعيه أصابتني بالقشعريرة، وتدريجيًا أصبح بيننا مسافة لم يكن لها وجود يومًا، كنت في حيرة من أمري، والشك بدأ يثاورني، حتى أدركت الحقيقة التي كسرتني، حقيقة كنت أكذب نفسي أنها حدثت، وأن هناك في الظلام امرأة تتسلل لتهدم البيت، بيتي أنا وخالد.
الذي فتح لها الباب وسمح لها ببخ سمها حتى انتشر بروحه وأصبح أثيرها، انهرت وبكيت وحطمت كل محيطي، تناثر الزجاج من حولي وأصبح من الصعب أن أخطو دون أن تنجرح قدمي، ولكن الذي انجرح هو قلبي في مواجهته، يا إلهي، تمنيت الموت ولا أن أشم رائحة امرأة بملابسها.
كان واقفًا بغرفة مكتبة، بوجه شاحب متفاجئ من معرفتي وانكشافه، أتذكر عينيه التي كانت تنظر لي بصدمة، بعد ما كانت تنظر لي فأحلّق عاليًا، وشفتيه تتحرك ولا أسمع صوتًا، بل أتساءل هل قبلها؟ حضنها مثلي؟ كان يخرج من بين ذراعي ليُلقي بنفسه إليها؟
أظهر ندمه وخطأه، اعترف بفعلته، وأنها سحبته إليها بأغوائها، ضحكت بشدة، كان مغيبًا ربما هه!
تجمعت العائلتان بعد أن قررت الانفصال، ولصعوبة الانفصال بعائلتي، وتمسكه وإظهار ندمه ولأجل موسى بضغطهم عليه، عدت، وقد خذلني الجميع، لكن لم أعد كما كنت.
حتى رأيتها، كانت في حفلة أقامها على شرفي مع الأشياء التي كان يفعلها لاسترضائي، جاءت بوقاحة وعينين جريئتين وابتسامة واثقة تقف أمامي وأمامه، ذلك الرجل الذي بجانبي أعطى لها الكثير من الثقة في أن تقف أمامي هكذا وتأتي إلى بيتي دون أن تخاف، أو تخجل، رأيت لثاني مرة ارتباكه وصورته تهتز بعينيه، وعينيه التي توقفت عليها كثيرًا دون أن يدري، ونظرتها له المغرية الواثقة بقدرتها.
كل هذا وأنا أقف بمنتصفهما حتى شعرت أنني ربما الدخيلة بينهما، لكنها لم تأت لتقف صامتة، اقتربت كامليا ونظرت في عيني ناصحة أن زوجي يحتاج الكثير من الدلال، وأن الحب الذي أظنه يكفي لا يملأ عين الرجال، ولا يمنعهم عن النظر للجمال المحرم، وأنها تحسدني على زوجي، خصوصًا عندما رأت دلاله وتقديره للأنثى أمامه.
بصمود لا أعرف من أين حصلت عليه، رفعت رأسي بكبرياء، وحذرتها من القدوم لبيتي يومًا، وأنها ما هي إلا تجربة والجمال المحرم غالبًا يكون متاحًا للجميع، ثم طردتها من بيتي.
التفتت إليه وجدته ينظر إليّ بألم على ما أوصلنا إليه، واعتذار يرجو أن أقبله.
ومرت عدة أشهر وأنا على حالتي، بوحدتي التي لا يحدها سوى موسى أو طبيبي الذي لجأت له ليساعدني على التأقلم مع الألم والخذلان والخيانة.
رفعت دهب رأسها من المذكرة، ارتسمت بعينيها الألم، وانعقدا حاجباها بتأثر.
ماضي والدتها لاينفك ويعود ليطفو على السطح من جديد، ليهدم أي استقرار وأمان تبحث عنه، كان هنا في هذا البيت حرب مستعرة وخيانة بطلتها والدتها، أغمضت عينيها، وضعت يديها على رأسها مستندة على المكتب، وقد اتضحت لها بعض الأشياء التي كانت مبهمة بالنسبة لها، حديث رقية ورفضهم لتواجدها في القصر يوم الحفل، لو كانت تعلم بكل هذا لكانت ابتعدت، كيف قبلت السيدة رقية، كيف يقبلها موسى بعد أفعال والدتها المشينة، هي لم ولن ترتقي يومًا لتصبح مثلهم ولا تليق بعائلته، دهب بكل غرورها وكبريائها شعرت للمرة الأولى بحجمها الضئيل في هذا البيت.
لم تكن تلك المفاجأة فقط بانتظارها، فهناك بركن الدرج ورقة مطوية بحرص، وهاتف بداخلها يلح على أن تهرب، لكن بتردد انتشلتها وفتحتها ببطء، عينيها كانت جامدة وكأنها تمثال حجري، انفرجت شفتيها بانفراج بسيط، وصدرها يعلو ويهبط، وفجأة ألقت الورقة على سطح المكتب وكأنها تحوي تعويذة، ثم عادت بظهرها بالمقعد وبدأت تعبيرات وجهها بالظهور، وتحولت عينيها المذهولتين لأخرى شرسة و هبت راكضة من المكتب، بل من المنزل بأكمله كأن الشياطين تلاحقها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *