مزرعة الدموع بقلم منى سلامة ج7

ثم أغمضت عينيها وأخفضت رأسها فى ألم وهى مازالت تبكى .. نظر “عمر” اليها .. يحاول فهم ما تقول .. يحاول استيعاب ما يحدث .. أبعدها عنه قليلاً .. وترك ذراعيها .. فابتعدت عنه ورجعت للخلف بسرعة .. أخذت تمسح بكفيها على ذراعيها وكأنها لا تطيق لمسته .. شعرت اتجاهه بالاحتقار .. شعرت بالقشعريرة من مجرد لمسه اياه .. ولقربها منه.. لكم تتمنى أن تبتعد عنه .. أكبر مسافة ممكنه .. لا تريد أن تراه .. أو تقترب منه بعد اليوم .. تريد أن بتتعد عنه بأقصى سرعة .. بقدر ما أحبته .. بقدر ما سقط من نظرها الآن .. هم “عمر” بالتحدث معها مرة أخرى .. وفجأة قاطعه دخول والده قائلاً :
– الحق يا “عمر” .. عم “عبد الحميد” وقع فجأة وحاولت أفوقه مش راضى يفوق ..
صرخت “ياسمين” :
– بابا
هرع “عمر” ووالده و “ياسمين” الى الخارج حيث “عبد الحميد” ملفى على الأرض .. أخذت “ياسمين” تحاول تحسس نبضه وهى تبكى :
– بابا .. بابا مالك .. بابا رد عليا
حمل “عمر” ووالده .. “عبد الحميد” الى السيارة وركبت معهم “ياسمين” وانطلقوا الى المستشفى .. كانت “ياسمين” منهارة على الكرسى بجوار الغرفة والأطباء يفحصونه فى الداخل .. وقف “عمر” أمامها بأسى :
لا يدرى ماذا حدث لها وكيف انقلبت عليه فى لحظات .. كان يريد أن يأخذها فى حضنه ويخفف عنها ولكنه يعلم بأنها بالتأكيد سترفض ذلك .. خرج الطبيب .. وأنبأهم بأن حالته الصحيه حرجه .. بسبب ارتفاع ضغط الدم لديه .. بالإضافه الى مشاكل فى عضلة القلب .. انهارت “ياسمين” مرة أخرى باكيه وظلت تردد ” اللهم اجرنى فى مصيبتى واخلف لى خيراً منها ” .. منع الطبيب الزيارة الى أن تستقر حالته الصحية .. بعد قرابة الساعة أتت “ريهام” الى المستشفى بصحبة “كرم” و “أيمن” و “سماح” و “كريمه” .. تعانقت الأختان واختلطت دموعهما .. انتظروا حتى المساء ومازال الطبيب يمنع الزيارة .. عاد الجميع الى منازلهم فيما عدا “ياسمين” و “ريهام” .. وبالطبع “عمر” و “كرم” ..
كانت الفتاتان فى حالة انهيار تام .. حاولت “ياسمين” التماسك من أجل أختها .. لكن خوفها على أبيها ملأ قلبها .. ظل “عمر” يراقبها والألم يعتصر قلبه .. اقتبر منها وجلس بجوارها قائلاً بحنان :
– “ياسمين” هدى نفسك شوية .. ان شاء الله هيبقى كويس
نظرت اليه “ياسمين” بنظرة حادة .. ثم قامت ووقفت بجوار باب غرفة والدها وأسندت رأسها عليه وأغمضت عينيها لتسقط منها عبرة حزينه مكلومه
فى اليوم التالى .. سمح الطبيب بزيارة خفيفة نظراً لخطورة حالته الصحية وعدم استقرارها .. دخلت الفتاتان .. حاولت “ياسمين” تمالك نفسها قدر الإمكان حتى تبث الطمأنينه فى نفس والدها وقفت بجوار سريره مبتسمه بصعوبه ومسحت على رأسه قائلاً :
– بابا حبيبى عامل ايه دلوقتى
قال بصوت أجش :
– الحمد لله .. نعمه وفضل من ربنا
سقطت عبره من عين “ريهام” فنظرت اليها “ياسمين” نظره محذره .. قالت “ريهام” وهى تقف على الجانب الآخر من الفراش :
– حمدالله على سلامتك يا بابا
قالت “ياسمين” وهى تحاول رسم ابتسامه على شفتيها :
– الدكتور طمنا عليك وقالى يومين وهتبقى كويس أوى وهتخرج من هنا على طول
أغمض “عبد الحميد” عينيه للحظة ثم قال بصوت خافت :
– انا حاسس ان خلاص نهايتي قربت
بكت “ياسمين” قائله :
– بابا متقولش كده .. ان شاء الله هتبقى كويس .. أنا و “ريهام” محتاجينك .. بابا أنا محتجاك أوى
نظر اليها قائلاً :
– أنا عايز أطمن عليكوا يا بنتى قبل ما أمو*ت .. ياريت كان حصلى اللى حصل ده بعد كتب كتابك انتى وأختك .. لكن ربنا أكيد له حكمة ان ده يحصل قبل كتب الكتاب .. الحمد لله على كل حال .. انت يارب عارف اللى فيه الصالح
نظرت اليه “ريهام” بأعين دامعة وقالت :
– ان شاء الله يا بابا هتقوملنا بالسلامة .. هو بس شوية تعب وهتبقى كويس
أمسك “عبد الحميد” كف “ياسمين” بيد .. و كف “ريهام” فى يده الأخرى وقال :
– لو فعلاً عايزين تريحوا قلب أبوكوا .. نادولى “عمر” و “كرم” ووافقوا على اللى أنا هقوله ليهم ..
نظرت “ياسمين” و “ريهام” الى بعضهما البعض .. قالت “ياسمين” :
– نوافق على ايه يا بابا؟
قال “عبدالحميد” وهو مازال ممسكاً بكفهما ويجاهد ليخرج صوته المتعب :
– بتحبونى وعايزين تريحوا قلبي ولا لأ
-أكيد يا بابا
– طبعاً يا بابا
نظر الى “ريهام” قائلاً :
– روحى نادى لـ “عمر” و “كرم”
ذهبت “ريهام” وفعلت كما طلب والدها .. ثم عادت الى مكانها ممسكه كف والدها .. وقف “عمر” و “كرم” بجوار “ياسمين” .. نظرت “ياسمين” لتجد “عمر” بجانبها .. شعرت بالقشعريرة تسرى مرة أخرى فى جسدها .. يالله .. لكم تكره قربه منها .. انزوت بجسدها مبتعدة عنه .. وكأنه مرض خبيث تخشى أن يصيبها بلمسه منه .. نظر “عبد الحميد” الى الرجلين قائلاً :
– أنا خلاص .. حاسس ان دى نهايتي .. وكل أملى فى الدنيا دى انى أطمن على بناتى قبل ما أم*وت .. وأسيب كل واحدة فيهم فى عصمة راجل يحميها ويكون جمبها طول العمر
بكت الفتاتان فى صمت .. قال “كرم” :
– ربنا يديك الصحة يا عم “عبد الحميد” وتعيش وتجوز بناتك
نظر الى “كرم” قائلاً :
– انت شارى بنتى “ريهام” يا بشمهندس “كرم”
نظر “كرم” الى “ريهام” ثم قال فى دهشة :
– طبعاً يا عم “عبد الحميد” انت عندك شك فى كدة
ثم نظر “عبد الحميد اللى “عمر” قائلاً:
– وانت يا بشمهندس “عمر” شارى بنتى “ياسمين” ؟
التفت “عمر” الى “ياسمين” الواقفة بجواره .. صمت .. طال صمته .. ثم قال بصوت خافت :
– أيوة شاريها
قال “عبد الحميد” وهو ينظر الى الأعين المتعلقة به :
– يبقى تجيبوا المأذون وتكتبوا الكتاب دلوقتى حالاً
نظرت اليه “ياسمين” بدهشة قائله :
– بابا حضرتك بتقول ايه
صاحت “ريهام” :
– بابا ازاى يعني .. وحضرتك تعبان كده
سعل “عبد الحميد” بشدة .. أتت الممرضة وطلبت من الجميع الخروج .. شد “عبد الحميد” كفيه على كفى بداته قائلاً بصوت خرج بصعوبة :
– محدش هيخرج من هنا .. وانتوا لو بتحبونى وعايزين تريحوا قلبي هتنفذوا اللى أنا طلبته
التفت الى “عمر” و”كرم” قائلاً :
– قولتوا ايه .. شاريين بناتى ولا لأ
قال “كرم” :
– أكيد طبعاً ومعنديش مانع أبداً انى أكتب الكتاب هنا لو ده هيريحك يا عم “عبد الحميد”
نظر “عبد الحميد” الى “عمر” منتظراً رأيه .. قال “عمر” بثقه :
– وأنا كمان شاريها وشاريها أوى .. ومعنديش مانع انى أكتب عليها هنا .. دلوقتى
وقفت “ياسمين” تتابع ما يحدث وكأنها تمثال .. بدون أن تُظهر أى تعبيرات على وجهها .. بدون أى رد فعل .. ذهبت “ريهام” بصحبة “كرم” و “عمر” لاحضار الأوراق المطلوبة والتى كان قد تم تحضيرها بالفعل .. وقفت “ياسمين” بجوار والدها .. كالتمثال .. عينيها تسبح فى فضاء الغرفة .. شعرت بأنه تفكيرها قد شُل .. ومشاعرها قد تجمدت .. لم تشعر الا بشئ واحد .. كف والدها التى تمسك بيدها فى اصرار .. دخل الطبيب لفحص “عبد الحميد” مرة أخرى .. ثم نظر الى “ياسمين” بشئ من الأسف وخرج من الغرفة .. بعد ساعة حضر الجميع .. تابعت “ياسمين” ما يحدث بأعين لا ترى .. وبأذن لا تسمع .. تشعر بأنها ترى مشهداً مكرراً .. شعرت بأنها عاشت هذا المشهد من قبل .. لكن أين .. ومتى .. وكيف .. أفاقت على كلمة واحدة نطق بها “عمر” :
– قبلتً زواجهــا
عندها تذكرت أين ومتى عاشت هذا المشهد .. انه هو نفس المشهد .. ونفس الإحساس .. ونفس نبضة قلبها الحزينه .. للمــرة الثانيــة .. تتــزوج برجــل لا تريــــده .
بعد ساعتين خرج الطبيب من الغرفة ونظر للجميع بأسف قائلاً : البقـــاء لله.



