المطارد بقلم امل نصر ج1

تنفيذًا لقرار أبيها بدأت يمنى بغرفة أخواتها البنات سمر و ندى شقيقاتها الصغار، اقتربت من فراش كل واحدة منهن، تعيد عليها الغطاء وهي نائمة وبعدها توجهت للنافذة الخشب، وأغلقتها باٍحكام ثم خرجت لغرفة أخيها الصغير وجدته نائماً هو الاَخر، فعلت معه نفس الشيء وكررت كذلك بجميع نوافذ المنزل والابواب ولم يتبقى غير المطبخ والذي ما إن دخلته لتقفل نافذته الوحيدة، وهمت بأشعال الضوء وجدت كفاً غليظة وكبيرة تطبق على انفاسها وذراعاً تشل حركتها، حاولت الصراخ والمقاومة لكنها لم تفلح، مع هذه القوة الجسمانية الضخمة لتفاجأ بصوته الخفيض الأجش يقول:
– أهدي ما اسمعش نفسك، انا مش قاصد أاذيكي، لكن لو جبرتيني هاعملها، إهدي كده واسمعي الكلام، لو هديتي هفكك بس لو صوتك طلع هخلص عليكى حالاً.
زامت بصوتها من تحت كفه وهي تحاول عبثًا الإفلات، مما أضطره للزمجرة وهو يضغط بذارعيه عليها ليسيطر على حركتها أكثر، مع مراعاته لضعف جسدها الهزيل، فقال بنبرة حانقة من تحت أسنانه :
– الله يخرب بيت ابوكي ياشيخة، انا مش عايز اللمسك غلط لتفكري بيا حاجة عفشة، اهدي شوية عشان يدي ماتخونيش وبعدها انتي اللي هاتندمي :
هدأت قليلًا وهي تستوعب معنى كلماته ومقصده، فاستغل هو سكون حركتها قليلًا ليقول بتهديد :
– شاطرة وجدعة انك فهمتي، ممكن بقى ياحلوة تستوعبي كمان بقية الكلام عشان افك يدي عنك، ولا ناوية لسة تتعبيني؟
أومأت له برأسها خوفاً مع ازدياد وتيرة أنفاسها المضطربة برعب، بعد لحظات قليلة من شعوره بسكون حركتها واطمئنانه قليلًا بطاعته، رفع كفهِ عن فمِها وفك ذراعِه عنها بحذر وبطء، تسمرت محلها غير قادرة على الألتفاف وهي تجاهد لعدم إظهار رعبها وجسدها ينتفض من رأسها لأخمص قدميها، وجهها للحائط وصوت تنفسها يكاد أن يخرج للخارج المطبخ، سمعت صوته من الخلف يأمرها:
– لفي جسمك عشان تشوفيني .
كانت تشعر بتخشب جسدها وبالشلل اصاب رقبتها حتى للألتفاف، نحو رؤية هذا الرجل المجهول، الواقف خلفها وحرارة انفاسه تلفح عنقها من الخلف ، حاولت التحرك ولكنها فشلت، ويبدوا انه شعر بما أصابها، سقط قلبها من الرعب حينما فاجأها بوضع كفيه الكبيرتان فوق اكتافها وصوته الرخيم همس بأذنها :
– ياريت تكملي بهدوئك دا ورزانتك كدة على طول عشان لاتتعبيني ولا اتعبك يابت الناس ماشي .
انهى جملته الأخيرة ليدير جسدها بأكمله اليه، وهي كالمغيبة تتحرك معه، مستسلمة صامتة بخوف، تجهل ما ستراه وما سيفعله معها هذا الغريب والأفكار البشعة برأسها تصور لها أسوء السيناريوهات، فهي وحدها يقظة في البيت، والجميع نائمون، عدا عمها وابيها الجالسان فوق السطح، وهما لن يشعروا بها أو يأتوا لنجدتها سوى اذا صرخت، ولكن كيف تفعل وقد هددها؟
شهقت مصدومة وتوسعت عيناها بشكل مخيف حينما رأته أمامها، بطوله الفارع وملابسه السوداء، ملثم الوجه بشال من الصوف الذي يشبه شال عمها يونس، لا يظهر منه غير هاتان العينان العميقتان بلونهم البني ونظرتهم الحادة والقادرة على قتلها خوفًا، تحاوطها رموش سوداء طويلة للغاية، هذه العينان تعلمهم جيدًا، رسمتهم قبل ذلك في اوراقها عدة مرات، لا تعلم عددهم، وذلك لأنها هي نفسها ما تراودها هذه الأيام في أحلامها هذه
الايام بشكل متكرر ومستمر!


