حتى اقتل بسمة تمردك بقلم مريم غريب ج4

********************************************************************

مر إسبوع كاملا علي تلك الحادثة و كأنه دهرا ..
فقدت”عبير”طفلها نتيجة الضغط العصبي الشديد الذي تعرضت إليه و الذي أثر علي سائر أعضاءها سلبا فلازمت المكوث بالمشفي حتي الأن ، بينما ساءت الأوضاع و إنقلبت الأحاول رأسا علي عقب علي الجميع .. فقد خيم جوا من الكآبة و الحرد و النكد علي قصر الـ”نصار”بحيث لا مجال للكلام مع أي فرد بالمنزل ، و لا حتي هناك مجال لتناول وجبة طعام جماعية علي طاولة واحدة !
أما بالنسبة إلي”داليا”لم تتمكن في الأيام الماضية من محو آثار الصدمة التي تركتها”عبير”و مع مرور الأيام وجدت”داليا”نفسها تميل إلي التعاطف تجاه”عز الدين”فقد صُدم كثيرا بحياته ، و تلك الصدمة الأخيرة كانت بمثابة الضربة القاضية التي كان يحتاج إليها كي تق*تل بداخله باقي المشاعر الحية و ليصبح أخيرا بلا قلب ..
لطالما أجفلت”داليا”عن التصرفات القاسية التي تلقتها طوال هذا الأسبوع من”عز الدين” ، حيث غفرت له و قدمت إلي قلبها الأعذار ، فهي تعلم كم هو مجروح و مكسور ، لقد إنعكس الحادث بمجمله سلبا في أعماقه و تركه غير قادر علي إقصائه من ذهنه ، يقلق نهاره و ليله حتي توهن و فقد شهيته تجاه كل شيء و قد إنزوي وجهه المكسور العابس خلف ستار من العزلة و الوحدة ، فتأثرت”داليا”بشدة و حزنت لحزنه ، حتي إختفت البسمة عن وجهها و غمرتها الكآبة لأجله …

*********************************************************************

كانت”عبير”قد نُقلت إلي غرفة خاصة للعناية بها ، فيها كل مستلزمات الراحة ، و كان”خالد”الوحيد الذي وقف إلي جانبها ، و لكن معاملته لها لم تكن مثل سابق عهدها ، إذ شوبها جفاء و قسوة بالغين ، لكنه جاهد كي يعاملها بلطف فقط حتي لا تسوء حالتها ..
رغم أنه لم يتركها وحدها بالمشفي يوما ، إلا أنه كان دائم الجلوس بقاعة الإستقبال ، إذ وجد صعوبة في النظر إلي عيناها ، كلما تخيل الأمر يعتريه ألم قوي ، عندما تلقي الخبر ذلك اليوم شعر و كأن موجة عاتية صدمته بلا رحمة ثم تركته بارد الأطراف ..
أخذ يتساءل في نفسه مرارا .. لماذا ؟ .. لم يجد جوابا مقنعا علي سؤاله ، فهو كان يغمرها بحبه ، لطالما أغدق عليها بمشاعره الجأشة ، لم يتوقف عن ذلك يوما ، كان يخشي عليها من أقل ضرر قد يصيبها ، غير أنه إنتظرها لسنوات طويلة حتي تنضج لكي تصبح ملكا له ، لكي تصبح إمرأته و أما لأطفاله ، لم يخطر بباله و لا حتي بأحلامه أن أحدا غيره سوف يتخذها أو يتسلل إلي مخدعها بهذه السهولة !
رغم كل ما حدث ، رغم أنها قضت علي مشاعره ، لم يستطع منع نفسه عن حمايتها من بين براثن أخيها ، لولاه لكانت إنتهت لا محاله ..
ثم تذكر فجأة رد “عز الدين”علي طلبه حين ذهب إليه و طالبه بتعجيل إجراءات الزواج .. “فاكر يا خالد لما قلتلك قبل كده ان عبير دي لو عيارها فلت مش هيبقالها عندي دية ؟ انا كنت عامل حساب كده و حذرتك .. نبهتك ان لو حصل اي حاجة هتكون انت و هي المسؤولين قدامي” ..
بعد حديثهم العقيم إستطاع”خالد”أن يقنع”عز الدين”بالموافقة علي إتمام الزواج ، لكنه لم يستطع أو يجرؤ حتي أن يقنعه بمسامحة أخته ، إذ أنه أساسا يجد صعوبة في ذلك ، لكنه فعل كل هذا دون تفكير كي يحميها من غضب أخيها و إنفعاله المُدمر …
أفاق من شروده فجأة ، ثم تنهد بثقل و نهض تاركا قاعة الإستقبال ، و إتجه إلي غرفتها كي بطمپن عليها و هو يتمني من صميم قلبه أن تكون نائمة تجنبا لأي مواحهة أو صدام قد يحدث بينهما ..
و بالفعل كانت نائمة في هدوء فوق الفراش الأبيض الصغير ، و مع أن عينيها كانتا مغلقتين ، إلا أنها سمعت وقع خطواته فهمست علي الفور:
-خالد !
فتحت عينيها ببطء و زاغت ببصرها قليلا حتي إستقرت عينيها علي وجهه ، فإبتسمت بضعف ، بينما رمقها بجفاء ثم تقدم نحوها بهدوء ساحبا مقعد صغير و جلس فوقه ، كان يتحاشي النظر إليها ففاجئته عندما مدت يدها بجهد و أمسكت بيده ، عند ذلك رفع نظره إليها و كان وجهه خال من أي تعبير ، فشدت علي أصابعه و جذبت يده إلي خدها و قد برقت بعينيها الدموع ، علم أنها تتوسل بعض العطف منه ، و لكنه لم يتأثر لذلك مثقال ذرة بل أنه سحب يده من قبضتها بقسوة ثم سألها بجمود:
-عاملة ايه دلوقتي ؟ بقيتي كويسة ؟؟
أومأت رأسها مؤكدة ذلك ، ثم سألته بصوت محشرج شوبه البكاء:
-عز الدين و عمر مسألوش عليا لحد دلوقتي ؟؟
صمت للحظات ثم هز رأسه نفيا ، فأغمضت عينيها بوهن لتجري الدموع علي خديها غزيرة ثم همست:
-وحشوني .. نفسي اشوفهم.
ثم فتحت عينيها و حدقت فيه قائلة:
-خالد .. انا بجد مش عارفة اقولك ايه او اشكرك ازاي علي اللي عملته معايا ا …
قاطعها بلهجة جامدة صارمة:
-انا عملت كل ده بس عشان احميكي من اذي اخوكي .. انا و انتي عارفين هو بيبقي عامل ازاي لما بيكون عصبي او غضبان.
تألمت”عبير”للغاية لتحوله الكبير ، لكنها تعلم أنها تستحق ذلك بل و أكثر من ذلك ، لذا صمتت و شعرت بالإمتنان لمجرد وجوده إلي جانبها ، فإبتسمت هامسة:
-سامحني يا خالد .. علي اي حال حاول تسامحني .. انا غلطت بس انا فعلا اسفة .. عرفت غلطتي متأخر بس بردو علي اي حال انا اسفة.
بينما لم يستطع منع نفسه فقطب حاجبيه بكسرة و سألها:
-مين اللي عمل فيكي كده ؟ مين يا عبير ؟؟
هزت رأسها ثم أشاحت بنظرها عنه إلي الجهة الأخري ، فهب واقفا علي قدميه ثم إنحني علي الفراش و أمسك بكتفيها بقوة ثم أعاد سؤاله بإنفعال:
-قوليلي .. قوليلي مين اللي عمل فيكي كده ؟؟
هزت رأسها بمرارة قائلة:
-مش هقولك .. مش هقولك يا خالد.
-لازم تقوليلي و لازم اعرف .. ماتفتكريش ان الموضوع انتهي انا مش هرتاح الا لما اعرف مين اللي عمل فيكي كده و لا هرتاح الا لما اطلع روحه في ايدي.
أجابته باكية:
-عشان كده انا عمري ما هقولك هو مين لاني مش هقدر اسامح نفسي لو حصلك اي حاجة بسببي.
رمقها بغضب قائلا:
-يسلام ! خايفة عليا انا و لا خايفة عليه ؟؟
أجابته بقوة:
-خايفة عليك انت .. انت اللي تهمني دلوقتي مش هو و لا اي حد ناني.
هز رأسه بعدم تصديق و هو يحدجها بسخرية ، ثم تركها فجأة و غادر الغرفة ، فراحت تجهش بالبكاء المُر …

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *