قطة في وادي الذئاب بقلم اسراء عبد القادر ج3

وضعت الصينية الموضوع بها كوب الشاى منزوع السكر على المنضدة أمامه ، ليرمقها بهدوء ، و قد أصبح الصمت الرخيم مسيطرا على الأجواء منذ أخذ عزاء الابن البكرى لهذه الأسرة ، همَّت لتتحرك من أمامه و هى تجر عباءتها السوداء بتعب ، بينما يوقفها قاسم بامساكه يدها بين راحته لتتوقف دون ان تواجهه بعينيها المتألمتين ، بينما يقول هو بصوت يحاول اخلاءه من الجفاء:
_ نجاة يا بتى ، بصيلى
أغمضت عينيها بوهن و هى تعض على شفتيها و قد صعب مطلبه و وصل إلى أعلى درجات المشقة ، و مع شده فى احتضان يدها ، أدارت رأسها نحوه ببطء شديد لتطالعه بحدقتين خاليتين من الحياة لا سيما و هما مغروستان بوجه شاحب شحوب الأموات! ، اردفت نجاة بصوت مبحوح:
_ أنى اللى جتلت جوزى
وقف قاسم عن مجلسه ثم هز رأسه نفيا و هو يقول بسرعة:
_ لا لا يا بتى ، لكل أجل كتاب
عادت تسترسل بخمول:
_ أنى اللى اتصلت عليه و جلت له ياجى ، لولا اكده ما كان جه
أطلق قاسم زفرة قوية تعبر عن قليل مما يعتمل بصدره من جراح غائرة لم تجد من يضمدها فبقيت عرضة للعراء وآلام لفحات التيار، وضع يده على منكبها مربتا:
_ يمكن غلطتى لما اتصلتى ، بس أكده و لا أكده كان هياجى ، أن مكانش عرف منك كان عرف من غيرك ، لازم نجبل باللى فيها و ندعيله الله يرحمه
_ أنت كمان كنت زعلان منى!
اماء إيجابا و هو يجيب بصوت متحشرج:
_ صوح ، و ده عشان كنت مجهور على ولدى اللى لسة دمه ما نشف جوة تربته ، لكن دلوك مر عليه أربع شهور ، و الغمامة اتشالت عن الجلب ، و المكتوب عالجبين شافته العين ، و ماحدش بيهرب من نصيبه
ثم جذبها من ساعدها أخذا إياها فى عناق حنون لأول مرة منذ مصرع حسنى ، حيث تجهش فى بكائها المرير الذى صار لها مرافقا ، بينما يردف قاسم و هو يربت على رأسها بحنو:
_ انتى الوحيدة اللى فاضلة من ريحة المرحوم ، بجيت اشوف فيكى ولدى الله يرحمه ، اوعى تبكى و ادعيله بالرحمة يا بنيتى
هتفت بنشيج من بين عبراتها:
_ الله يرحمه ، الله يرحمه
كان الطبيب يرتب أوراق الفحص بين يديه محاولا انتقاء الكلمات المناسبة التى سيلقيها على مسمع أشرف الذى يرمقه بتفحص و قد تسلَّل الشك إلى قلبه بعد مرور أكثر من خمس دقائق دون سماع كلمة واحدة ، تنهد أشرف بملل قبل ان يتشدق ساخرا:
_ ما تتكلم يا دكتور ، جبتنى ليه النهاردة؟
اجفل الطبيب مع صوت أشرف المفاجئ حيث يلقى الأوراق على سطح المكتب ثم ينقل بصره إلى أشرف بتوتر قبل أن يشبك كلتا يديه مسندا اياهما على المكتب و هو يبدأ مرتبكا:
_ بص يا أستاذ أشرف ، وقت الحادثة انا خدت منك عينة دم عشان اطمن على سلامة الأجهزة ، لكن لقيت فى حاجة غريبة جدا ، خليتنى استنيت لحد ما فوقت عشان اعيد سحب الدم من تانى
صمت للحظات محاولا التمهيد لصاعقته المخيفة بينما يزمجر أشرف بضجر:
_ لقيت اى؟ ، ما تقول يالا ، أنت هتنقطنى؟!
أجابه الطبيب بجمود:
_ حضرتك مش هتقدر تخلف بعد كدة




