قطة في وادي الذئاب بقلم اسراء عبد القادر ج3

كانت السيارة تمضى فى طريقها بسرعة قصوى يباح السير بها فى هكذا طرق سريعة حيث لا يعبر بها حيوان او بشر! ، طُرُقٌ اسفلتية صُمِّمت لمرور السيارات فقط دون غيرها ، و على هذا النحو لا يحمل أحد السائقين إدانة إذا ما أصاب إنسيا ، و فرصة كهذه كانت أكثر من مناسبة لاصطياد فريسة السيارة التى يقودها أشرف بواسطة شاحنة النقل كبيرة الحجم ، حيث أمن صاحبها خلاء هذا الجزء من الطريق من أى شرطى مرور كى يسد الطريق أمام سيارة الجيب الصغيرة ، تشدق أشرف فى نفسه متعجبا بحنق:
_ ماله الراجل ده؟ ضارب حشيش ولا اى؟
ثم أطلق بعضا من صافرات الإنذار من سيارته كى تفسح الشاحنة الطريق ، و لكنه لم يرتدع او يمتنع بل ظل على حاله مصمما على سدِّ الطريق أمامه كاملا ، مما جعل أشرف يضرب عجلة المقود أمامه و هو يكز على أسنانه هاتفا بغضب:
_ ده باين عليه مش هيجيبها لبر ولا ايييى؟
أخذ يضرب الصافرات متتابعا دون انقطاع كى يستمع الآخر و يفسح الطريق بسلام ، و لكنه استغل قرب سيارة أشرف إلى الحد الذى جعله يفسح الطريق من جانب السور كى يتقدم أشرف من هذه الجهة بسرعة محاولا التخلص من هذا السائق غريب الأطوار ، و قبل ان يتجاوز الشاحنة ، تحركت الشاحنة الى سيارته حتى حُشِرت السيارةبين الشاحنة من ناحية و بين سور الدائرى من ناحية أخرى ، حاول تفادى هذا المأزق و هو يشير بيده صارخا بالسائق الملثم بالناحية الأخرى بغضب:
_ أنت يا حيوان انت ، عربيتى هتتقلب كدة! ، أنت عبيط؟!
و هو ما كان بالضبط يريده حيث زاد فى الحصار على سيارته لتنقلب رأسا على عقب ، بينما يضاعف سرعته هاربا قبل ان تلحظه إحدى السيارات ، هاربا من السيارة التى نضحت الدماء منها و تبعثرت بأسفلت الطريق
_ انا عايزة أفهم ، معقولة لسة أكمل و زينة مانزلوش كل ده؟!
صاحت بها مها باستنكار و هى ترمق رزان التى تضع يدها على خدها مستندة بمرفقها على سطح السفرة ، قالت رزان و هى تحدق باللاشئ بتعب:
_ بعت لهم أمينة تصحيهم
ثم ارجعت ظهرها إلى الوراء و مالت معالمها إلى السخرية و هى تنظر الى الأعلى قائلة باستهزاء:
_ البيه عجبه اوى حضن الهانم لدرجة نسى انه عنده شغل كتير المفروض يطلع له بدرى!
سحبت مها شهيقا عميقا قبل ان تبدأ فى جملة ستفتح بابا لجدال رهيب هى فى غنى عنه ، و لكن رزان تكاد تجن و لابد من إطفاء ثورتها قليلا حتى لو ببضع كلمات محايدة ، نطقت مها بخفة:
_ يا ستى كلها فترة و تعدى ، طريق هدفك ممكن اوى يبقى مليان شوك
زفرت رزان بحرارة و هى تغمض عينيها بضيق ، حيث لا تحصل سوى على الكلام ، و لا أحد يشعر بمدى الجرح الغائر بفؤادها و الذى يتجدد كلما رأتهما معا ، قبل ان تتكلم باغتتها أمينة بكلمتها المفاجئة كمرور البرق:
_ أكمل بيه و زينة هانم مش فوق يا رزان هانم
هنا لم تستطع رزان السيطرة على نفسها حيث وقفت عن كرسيها و هى تصفعه بكلتا يديها ، و قد احتقنت الدماء بوجهها و برزت عروقها بجلدها ، ثم هدرت فى أمينة _المسكينة_ بسخط:
_ ازاى يعنى؟ ، أمال راحوا فين؟
رفعت أمينة كتفيها بجهل و قد اكتسى وجهها بغلاف من الخوف من بطشها بها فى ساعة الغضب تلك ، بينما امرتها مها بسرعة:
_ روحى انتى دلوقتى يا أمينة؟
انصاعت لأمرها ثم انصرفت على الفور محاولة تجنب غضب هذه الأنثى ذات العيون البركانية و التى تنتظر زينة على أحر من الجمر كى تحرقها بهما ، بينما اقتربت مها منها ثم امسكت بعضدها و شدت من قبضتها عليه كى تخرج الأخيرة من حالة غضبها المكتوم الذى سيقودها الى الجنون لا محالة ، حيث قالت مهدئة إياها بقلق:
_ خلاص بقى يا رزان أكيد راحوا….
تلعثمت الحروف بلسانها بعدما جذب انتباهها ما رأت عند الباب الداخلى للقصر ، التفتت إليها رزان ثم قالت مقطبة:
_ راحوا فين؟
مالت مها برأسها مشيرة إلى الباب آمرة رزان بالاستدار ، و بالفعل التفَّت رزان بجسدها لتتسع عيناها عن آخرهما حينما رأت أكمل و زينة دالفان من باب القصر ، حيث يتأبط زينة بذراعه و هو يتسامر معها بأطراف الحديث المختلفة ، و ضحكة كل منهما تكاد تصل إلى أذنيه ، انفغر فاه مها و قد كمَّمت الصدمة لسانها ، بينما تقدمت منهما رزان التى تكوِّر قبضة ساخطة بيدها حتى ابيضت مفاصلها ، حتى صارت مواجهة لهما تماما ، قال أكمل مع ابتسامته الواسعة التى لا تزال تزين محياه:
_ صباح الخير يا رزان
_ انتو كنتوا فين؟
صوتها المقتضب و ملامحها العابسة كانا كفيلين بجعل ابتسامته تبهت كالشمعة التي ذاب قوامها و أخذ ضوؤها فى الاختفاء ، حمحم أكمل ثم نظر إلى زينة قائلا:
_ زينة دلوقتى حامل ، و لازم لها مشي كل يوم عشان سلامة الجنين طبعا
ثم دنا من زينة قائلا بمرح:
_ ولا اى يا زوزو؟
اخفضت بصرها مع ايماءة بسيطة من رأسها قبل ان يقول أكمل آمرا:
_ من هنا و رايح أمينة هتاخدك الصبح و تمشوا كدة زى ما عملت بالظبط ، تمام؟
_ تمام
نطقت بها زينة بخفوت بينما كادت رزان تنفجر الدماء بعروقها بعدما رأت و سمعت من قدر اهتمام يطلقه رجل الأعمال المنشغل _أكمل_ و للمرة الأولى فى حياته يذيقه إلى غريبة لم تجاوز زيجته معها الشهرين! ، التفَّ حولهم إلى طاولة الطعام من جديد ، شارعين فى تناول الفطور ، عدا رزان التى لا تستطيع حتى ابتلاع اللقمة التى لاكتها و كأنها اكتفت من بلع غصة حلقها اليوم!


