قطة في وادي الذئاب بقلم اسراء عبد القادر ج3

و بينما خرجت مها من غرفة زينة خرجت قبلها رزان التى ما عادت تحترمل هول الموقف الذى اقحمت نفسها فيه ، كما لا تصدق كونها ستبقى أسيرة هذا المرار طيلة السبعة أشهر الباقية ، فقط تحاول إطفاء النيران المضرمة بقلبها تعذبه إلى حين إتيان ثمرة أفعالها ، بقى أكمل فى مكانه الذى لزمه منذ معرفته الخبر تقريبا ، مجانبا لها ، يمسد خصلات شعرها ، و ينتقل بيده كل حين إلى بطنها يمسدها بجرعات من الحنان يغدقها على جنينه ، ابتسامة فرح و انتصار علت محياه بعدما تحقق مراده بكونه سيصبح أبا أخيرا بعدما ظن الأمر مستحيلا!
بعد برهة من الزمن عاد الوعى إلى رأسها تدريجيا و قد نجح مفعول المحلول الذى غرس الطبيب ابرته بمعصمها قبل ذهابه ، لتبعد أهدابها عن بعضهما ببطء شديد و قد بلغ الإرهاق منها مبلغه ، شيئا فشيئا بدأت الرؤية تتضح أمامها فأتبعتها بتأوهات خافتة انبعثت من حلقها ، لينقل أكمل عينيه إلى وجهها دون ان يزيح يده مقربا فمه من أذنها هامسا برقة:
_ ألف سلامة يا زوزو
_ ايه اللى حصل؟
سألته بنبرة خفيضة متعبة و هى تلتف برأسها نحوه ليجيب أكمل ببساطة:
_ اغمى عليكى عند السلم و وقعتى قلوبنا كلنا عليكى
قطبت حاجبيها ثم عادت تسأل بتعجب:
_ ليه اكده؟
حرك يده المبسوطة على بطنها بنعومة قبل ان يتحدث بحب:
_ عشان انتى حامل يا قلبى
تهللت أساريرها و وجدت الابتسامة طريقا إلى شدقها المتألم حيث نطقت بسعادة غير مصدقة:
_ بتتكلم جد؟!
تشدق و هو يلمس طرف أنفها مداعبا:
_ امال يعنى بهزر؟
انتبهت أخيرا إلى كونه يمسد بطنها طيلة هذا الوقت لتمسك بيده ثم تقول بسعادة بدت بعينيها قبل صوتها:
_ انى مش مصدجة خالص!
أبعد يده عن بطنها ثم أخذها بين ذراعيه بحنو قائلا بحب:
_ لا صدقى يا زوزو ، انتى حامل بابنى دلوقتى

وضع كوب الشاى الفارغ على سطح المنضدة ثم اراح ظهره على الأريكة الخشبية و هو يحك عنقه بإنهاك إثر سهر الليالى الذى بات كظله طيلة الفترة الماضية ، تحت أنظار قاسم الحائرة و نجاة الخائفة ينطق حسنى بارهاق:
_ و الله الواحد تعبان جوى
ثم وقف كى يتمطأ سامحا لعضلات صدره فى الاتساع و هو يقول:
_ انى هروح انام ، بجالى تلات ايام ما نمتش!
تحدث قاسم بنبرة يعلوها الشك كما يعلو نظراته:
_ رجعت ليه يا حسنى؟
_ مش وجته يابوى
قالها بعدم اكتراث و هو يهم بالاتجاه إلى باب الغرفة ، و حينها وقف قاسم عن كرسيه ثم دب بعصاه على الأرض بقوة و هو يقول بصوت مدعَّم بالقسوة:
_ رد على سؤالى وجت ماكلمك ، ولا نسيت نفسك يا ولد مشارى؟!
توقف للحظات قبل ان يستدير إلى الخلف فيواجه نظرات والده التى باتت حارقة ، بادله بنظرات هادئة قبل ان يقول بعزم و صلابة:
_ جيت آخد بطار معتمد ولد خالي يابوى
ضيق قاسم حدقتيه بدهشة قبل ان يتشدق بتساؤل:
_ و انت مين جالك بخصوص معتمد؟
اقتربت نجاة و قد عزمت على الإجابة بجمود بينما ينال حسنى مكانها متهكما:
_ امال ماكنتش عايزنى اعرف كيف؟
التفت قاسم إلى نجاة التى صارت على مقربة منه ثم هب بوجهها كالعاصفة يتهمها:
_ انتى اللى جلتيله ، صوح؟!
و كأن جسدها صار كالفولاذ ما عاد يخشى الصدمات ، واجهت عمها بعينين جافتين ثاقبتين لم يجرؤ أحد قبلا على التحديق فيه بهما ، بينما تحرك لسانها مع صوت انبعث من حنجرتها صامدا محتجا:
_ ايوة انى اللى جلت له ، عشان يرجع عن زينة المظلومة اللى عايز يجتلها دى ، جلت له عشان ياجى و اطلج و أخلص منه بجى ، جلت له عشان ياجى يوجف معاك ف مشكلة الطار اللى بدأ ده ، مش يجتل!
أسرع إليها حسنى و هو يدب الأرض بحذائه قبل أن يمسك بساعدها بين قبضته بقوة دفعتها إلى التأوه بخفة بينما يزمجر و هو يحدجها بنظراته النارية غاضبا:
_ بجى انتى فاكرانى حرمة جريتينى بكلمتين على هواكى ولا ايه؟ ، انى جيت عشان اصفى دمهم زى ما صفوا دم ولاد عمى ، بعد اكده هجتل الفاجرة اللى دايرة على شعرها فى البندر دي
ثم قبض على شعرها بين انامله مما جعلها تحنى رأسها مع اتجاه يده و قد ازدادت تأوهاتها علوا ، صرخ باصرار:
_ و بالنسبة للطلاج يا حلوة انش مطلج ، و اضربى راسك ف اجربها حيط
اقترب قاسم منه كى يردعه و لكن كان له السبق حينما تركها دون انتظار الأوامر كى تجثوا على ركبتيها أرضا و قد عاد قلبها إلى النحيب من جديد ، بينما وقف قاسم بجانبها ثم قال دون ان يحنى رأسه بتصميم:
_ هيطلجك يا نجاة ، و انى اللى هجيب ورج الطلاج بيدى يا بتى ، بس الصبر لما نشوفوا حل ف ورطة الطار دى
رفعت نجاة بصرها ملتفتة إلى وجه عمها قائلة بتساؤل يكسوه القلق:
_ و هتمنعه يجتل زينة يابوى؟
أغمض عينيه بنفاذ صبر قبل ان يجيبها ممتعضا:
_ دى حاجة لازم تحصل يا بتى ، ما تسأليش عنها تانى
ثم تجاوز الباب مغادرا الغرفة و نجاة التى غرقت بدموعها التى باتت كظلها فى هذه الفترة المفعمة بالبؤس و الألم

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *