قطة في وادي الذئاب بقلم اسراء عبد القادر ج3

كانت مها تدير مقود السيارة بكلتا يديها ضابطة المكابح على سرعة هادئة ، تتمايل بكتفيها مع إيقاع الكلمات الأجنبية ، حانت منها التفاتة إلى الجالسة بجانبها عاقدة ساعديها أمام صدرها ، تنظر إلى الأمام بملامح عابسة ، مما دفع مها إلى الميل إلى جانبها بخفة لتغلق هاتفها المذيع للاغانى ، ثم تعتدل لتلتفت إلى الطريق أمامها كى تتحقق من خلوه تماما ، ثم تعود ببصرها إلى رزان التى تزفر كل دقيقة بحرارة و ضيق ، لتحاول مها تلطيف الأجواء و هى تمد يدها كى تلكزها فى ذراعها قائلة ببساطة:
_ انا خدتك معايا للبارتي عشان تبتسمى شوية مش تفضلى قالبة اليوم كدة يا حبيبتى!
تشدقت رزان مزمجرة:
_ اصريتى نروح البارتى و وافقتك عشان اخلص من الزن ، و نسيت انى كدة سيبت فرصة لأكمل و الهانم يقعدوا براحتهم! ، اى الغباء اللى انا فيه ده؟!
نطقت بالجملة الأخيرة مستهجنة من نفسها ، بينما اجابتها مها و هى تعود برأسها إلى الطريق مجددا:
_ كدة كدة هى مراته
ما ان لحظت النظرات البركانية التى وجهتها رزان نحوها بعد التلفظ بهذه الكلمة ، لتدرك مؤخرا مدى جرم ما اقترفت من خطأ فادح جعل رزان تستشيط غضبا ، فسرعان ما حاولت تصحيح خطأها و التهدئة من حدة ثورتها قائلة بصوت ملجلج:
_ بس بس ، خليهم يقعدوا براحتهم ، كدة كدة ك كلها خمس شهور و مش هيشوفوا بعض تانى
عادت رزان تريح ظهرها على الكرسى بعدما كانت تميل للاستماع إلى كلمات مها الحمقاء ، ثم تحدثت أخيرا و بنبرة صلبة جافة:
_ و لو حصل عكس كدة و الله هيشوف منى حاجة ماتعجبهوش أبدا ، و يبقى يشوف السنيورة هتساعده ازاى
التفَّت مها بكامل رأسها إلى اليمين ، و قد أسبلت جفونها المحيطة بعيونها المنذهلة من قول رزان الأخير بساعة غضبها المعهود ، لتزدرد ريقها ثم تقول بشئ من الخوف بدا فى ترددها:
_ لا لا ، ماتخافيش أكمل هيوفى وعده ، انا متأكدة

_ و الله زى ما بقول لك يا boss ، و انا معلوماتى عمرها ما تفوِّت أبدا….لا بقى ما تعتمدليش على شوية عيال سيس ، حضرتك بتكلم واحد سابق فى المباحث و ليه طرقه الخاصة فى جيبة أى معلومة….و هو كذلك ، تشرف مصر كلها، و انا هبقى فى انتظارك
كانت تلك كلمات أكمل التى فتئ بها فى محادثته التليفونية الغامضة ، يريح ظهره على الكرسى الأسود بثقة يكالبها الكبرياء و ابتسامة انتصار تعلو ثغره ، و لكنه سرعان ما نفض نفسه عن الكرسى حينما سمع طرقات الباب التى باغتته فى لحظة تعد سرية للغاية ، مما جعله يقول باختصار:
_ طيب سلام يا Boss
ثم التفت إلى الباب قائلا بصوت ذا نبرة مسموعة:
_ ادخل
دلفت زينة متجاوزة الباب بعدما حصلت على الإذن ، ثم أغلقته خلفها مجددا ، لتشقَّ ابتسامة مرحبة وجه أكمل الذى وقف يقول بحبور:
_ أهلا تعالى يا زينة
اقتربت من المكتب بخطوات متباطئة و هى تدير رأسها يمينا و يسارا تنظر إلى ما حولها بإعجاب حيث هذه المرة الأولى التى تدخل فيها غرفة مكتبه الشديدة الاتساع ، بينما يقول أكمل مفسرا نظراتها المعجبة بخفة:
_ عجبك المكتب؟
_ جوى جوى
قالتها و لم تزح بعد نظرها حتى وصلت عند المكتب ، حيث تلتفت إلى أكمل بقسمات حائرة ، تتبعها بقولها مستفهمة:
_ إنت ليه ما روحتش الحفلة مع أبلة مها و أبلة رزان؟
أبتسم من جانب ثغره قبل ان يستدير حول مكتبه حتى يصبح مجانبا لها ، ليسند يده على كتفها شارحا:
_ دى حفلة عيد ميلاد و أنا ماليش فى الجو ده و بعدين انا ورايا شغل كتير اوى ، مش فاضى
_ و خلصت شغلك؟
سألته باهتمام ليحدجها بنظراته العابثة قائلا بخبث:
_ خلصت اول ما دخلتى ، و دلوقتى بقيت انا و انتى و الشيطان تالتنا
غمزها مع جملته الأخيرة مستدرجا ، لتقطب حاجبيها قائلة بتساؤل:
_ يعنى اى الشيطان تالتنا؟
صدرت منه ضحكة بملء فيه مذهولا بوصول براءتها الى هذا المستوى ، حيث يفضِّل إجابتها بشكل عملى و قد سنحت له الفرصة ، ببغتة وضع يده خلف ظهرها و الأخرى خلف ركبتها حاملا إياها بين ساعديه مما جعل زينة تصرخ بدهشة:
_ واه! ، بتعمل اى يا أكمل؟ ، نزلنييييي
و بالطبع لم يستجب و إنما سار بها متجها إلى باب الغرفة و هو يدنو برأسه منها قائلا بمكر:
_ هفهمك يعنى اى الشيطان تالتنا الأول
و أكمل طريقه إلى خارج الغرفة و منه إلى غرفتها بالأعلى حيث يشرح لها معنى التعبير تفصيلا دون ملل حتى فهمت الصغيرة درسها جيدا!!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *