قلبي لمن ؟ بقلم امل نصر

 

التفتت اعتدال لابنتها ياسمين بلهفة الأم التي تريد لليلة أن تمر بسلام، وقالت وهي تدفعها برفق نحو المرآة: ـ “سمعتي يا ياسمين؟ قومي يا بنتي بسرعة، رجعي الروح لوشك وظبطي نفسك.. وأنتِ يا سما، ياللا يا حبيبتي روحي حضري صينية العصير والحلويات اللي جهزناها، مفيش وقت.”

 

لكن سما، وبمنتهى عدم المسؤولية، ردت وهي تتجه نحو خزانة ملابسها ببرود:

ـ “أحضر إيه يا ماما؟ أنا لسه هغير هدومي وألبس حاجة تليق بالناس الشيك اللي بره دي.. مش هطلع كدة أكيد!” خرجت سما من الغرفة تاركةً خلفها نظرات استغراب حارقة من أمها وياسمين؛ ففي الوقت الذي كان يجب أن تسند فيه أختها، لم تفكر إلا في مظهرها الشخصي. تنهدت اعتدال بيأس وخرجت هي الأخرى لتدارك الموقف وتجهيز الضيافة، تاركةً ياسمين وحيدة أمام مرآتها. في تلك اللحظة، شعرت ياسمين ببرودة تسري في أطرافها، ورجلاها بدأت تضربان بعضهما بعضاً من فرط التوتر والقلق. تلاشت صورة جمال القبيحة من خيالها ليحل محلها رهبة الموقف؛ فهي الآن أمام عائلة الرجل الذي أحبته، عائلة “عبد الرحمن” الذي رسمت له في خيالها صورة المثالية. أمسكت ياسمين بفرشاة الزينة بيدٍ مرتجفة، وأخذت تنظر لانعكاسها وهي تهمس بدعاءٍ نابع من أعماق قلبها:

 

“يا رب.. يا رب اجعل لي في قلوبهم قبولاً، ولا تكسر خاطري قدام الناس دي، ولا تشمت فيّ جمال ولا غيره.” استجمعت شتات نفسها، وحاولت أن تستمد القوة من وجود عبد الرحمن خلف هذا الباب، فهو الحصن الذي اختارها أمام الجميع، ولن يخذلها اليوم وسط أهله بأذن الله

……………………….

 

خرجت ياسمين من المطبخ بخطواتٍ متعثرة، تحمل صينية العصير بيدين ترتجفان كغصنٍ في مهب الريح. كانت عيناها معلقتين بالكؤوس، تخشى أن تخونها قدماها أو تخذلها أعصابها فتسقط الصينية وتتحول ليلة عمرها إلى مأساة. لكن، وبمجرد أن رفعت بصرها نحو الصالون، تجمدت في مكانها؛ فقد خُطفت الأضواء منها قبل أن تبدأ.

 

رأت أختها سما تتمايل ببراعة أمام عائلة عبد الرحمن، بعد أن استبدلت ملابسها بفستانٍ باهر يفوق فستان ياسمين رقةً وتفصيلاً، ووضعت من مساحيق التجميل ما جعلها تبدو وكأنها هي “نجمة الليلة”. كانت الصدمة الأكبر في رد فعل والدة عبد الرحمن، التي نهضت بلهفة وانبهار، والابتسامة تملأ وجهها وهي تظن أن هذه الجميلة المندفعة هي العروس، بينما استسلمت سما للدور ببراعة شيطانية، فأطرقت رأسها بتصنعٍ للكسوف دون أن تنطق بكلمة تصحح بها سوء الفهم، تاركةً السيدة تسبغ عليها عبارات المديح والإعجاب. شعرت ياسمين بغصةٍ مريرة شقت حلقها، وببرودة الموت تسري في عروقها. كانت في تلك اللحظة تتمنى لو تبتلعها الأرض أو تعود أدراجها وتختبئ في غرفتها للأبد، لولا ذلك الصوت القوي، الرزين، والحاسم الذي شق ضجيج المجاملات. نطق عبد الرحمن بلهجةٍ واضحة، فيها من الفخر ما جعل الجميع ينتبه، ومن الحزم ما وضع كل شخص في حجمه الحقيقي:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *