قلبي لمن ؟ بقلم امل نصر

 

…………………

 

استمرت الأيام وياسمين كأنها في سباق مع نفسها، تحول وجعها إلى طاقة غريبة تصبها في كل غرزة خيط وكل قطعة جلد. كانت تصل إلى الشركة قبل الجميع، وتغادرها بعدهم، واضعةً حاجزاً صلباً بينها وبين “عبد الرحمن”. بالنسبة لها، هو المدير المشاكس الذي يحرك العمل، أما قلبها فقد أغلقته بالشمع الأحمر منذ تلك الليلة السوداء.

بينما كانت ياسمين تبهر الجميع بإبداعها وتفانيها، كان الوضع في المنزل يزداد سوءاً واستفزازاً. الصالة التي شهدت انكسارها، أصبحت الآن “ساحة صلح” دائمة بين سما وعريسها جمال

كانت ياسمين تعود من عملها محملة بنجاحات جديدة، لتجد والدها رشدي ووالدتها اعتدال غارقين في مشاكل سما:

ـ “يا ياسمين، تعالي شوفي أختك، جمال زعلان منها عشان اتأخرت في الرد على التليفون، ووالدته كلمتنا وعملت مشكلة.. ادخلي صالحيهم على بعض يا بنتي، إنتِ الكبيرة.”

كانت ياسمين تنظر إليهم بذهول مكتوم، وترد بهدوء يحمل جبالاً من القهر:

ـ “معلش يا ماما، أنا راجعة هلكانة من الشغل وعندي تسليم طلبية الصبح.. هما كبار ويقدروا يحلوا مشاكلهم.”

تدخل غرفتها، وتغلق الباب على أصوات “قعدة الصلح” ونفاق العائلتين، وتخرج أدواتها. كل غرزة كانت “تنتقم” بها من تجاهلهم لنجاحها، وكل حقيبة تخرج من تحت يدها كانت تبدو كأنها لوحة فنية ناطقة، مما جعل عبد الرحمن يقف أمام شغلها مبهوراً، لكنه كان يلمح “الغصة” في عينيها.

في المكتب، دخل عبد الرحمن ووجدها تعمل بتركيز مبالغ فيه، لدرجة أنها لم تشعر بوجوده. وقف يراقبها بصمت ثم قال بنبرة خالية من المشاكسة لأول مرة:

ـ “ياسمين.. الشغل ده مش مجرد هاند ميد، ده فيه روح بتصرخ. إيه اللي واجعك للدرجة دي؟”

توقفت يدها للحظة، لكنها لم ترفع عينها عنه، وردت ببرود مدروس:

ـ “مفيش حاجة وجعاني يا أستاذ عبد الرحمن، أنا بس بحب شغلي وبديله حقه. فين الملاحظات اللي كنت عايز تقولها؟”

اقترب عبد الرحمن خطوة، وقال بصوت خفيض:

ـ “أنا ملاحظاتي المرة دي مش على الشغل، ملاحظاتي عليكي إنتِ. إنتِ بتهربي في الشغل من حاجة كبيرة، وكل ما تنجحي بشوف في عينك فرحة ناقصة، هي ايه بالظبط بصراحة مش عارف رغم امتناني للمحن اللي بتصنع احلى ابداع

ارتبكت ياسمين، وجمعت خيوطها بسرعة وهي تقوم من مكانها:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *