أمانة في عنقي ج2

أما دهب، فظلت تنظر إلى ظهره.
ثم ابتسمت دون أن تشعر.
ولأول مرة…
لم تشعر أن وجودهما في الغرفة نفسها مجرد تمثيل أمام والدته.
بل شعرت أن شيئًا بينهما بدأ يتغير بالفعل.
الفصل الثاني عشر
استيقظت دهب في الصباح على صوت والدة فراس.
أتاها صوت والدة فراس من خلف الباب:
— دهب؟ يا حبيبتي، صحيتي؟
فتحت دهب عينيها بسرعة.
ثم تذكرت.
الغرفة.
فراس.
والدة فراس.
نظرت إلى الجانب الآخر من السرير.
كان فراس قد استيقظ قبلها، لكنه كان لا يزال مستلقيًا، وعيناه مغمضتان.
همست:
— فراس.
فتح عينيه.
— نعم؟
— مامتك بتنادي.
اعتدل في جلسته بسرعة.
— صباح الخير يا أمي.
جاءها صوته من خلف الباب:
— صباح الخير يا ابني. انزل لي بس، عايزة الدوا.
نهض فراس.
وقبل أن يخرج، التفت إلى دهب.
— نامي شوية.
— أنا صحيت خلاص.
خرج.
وضعت دهب يدها على وجهها للحظة.
كانت لا تزال غير معتادة على فكرة أن تستيقظ وتجد فراس بجوارها.
والأغرب أنها لم تعد تشعر بالضيق من الأمر كما كانت تتوقع.
….
في غرفة المعيشة، كانت والدة فراس تجلس على الأريكة وساقها ممددة أمامها.
اقترب منها ابنها.
— الدوا ده؟
— أيوه.
أعطاها الدواء وكوب الماء.
ثم قال:
— الدكتور قال لازم ترتاحي.
— حاضر يا سيدي.
ابتسم.
— في حاجة تانية؟
نظرت إليه والدته.
ثم قالت بمكر:
— أيوه.
— إيه؟
— مراتك.
— مالها؟
— دي بنت جميلة ومحترمة.
ابتسم دون قصد.
— عارف.
— ومهتمة بيا جدًا.
— عارف برضه.
ضيقت عينيها.
— إنت بتحبها؟
تجمد فراس للحظة.
— ماما…
ضحكت.
— أنا بسألك.
— إحنا متجوزين.
— مش ده اللي سألت عنه.
سكت.
ثم قال:
— دهب كويسة.
— أنا عارفة إنها كويسة.
— طيب؟
— بس أنت مرتاح معاها؟
نظر إلى غرفته.
ثم قال بهدوء:
— أيوه.
ابتسمت والدته.
— يبقى الحمد لله.
….
خرجت دهب من الغرفة بعد قليل.
قالت:
— صباح الخير يا طنط.
— صباح النور يا حبيبتي.
نظرت إليها والدة فراس بابتسامة.
— تعالي اقعدي جنبي.
جلست دهب.
أمسكت الأم يدها.
— أنا عايزة أشكرك.
— على إيه؟
— على وقفتك معايا.
— ده أقل واجب.
— لأ، مش أي حد يعمل اللي عملتيه.
ابتسمت دهب.
— حضرتك زي أمي.
تأثرت والدته قليلًا.
— ربنا يعوضك خير يا بنتي.
لم تفهم دهب سبب الجملة.
لكنها ابتسمت.
….
في الأيام التالية، أصبح وجود والدة فراس جزءًا طبيعيًا من حياتهما.
كانت تتعمد أحيانًا أن تطلب من دهب أن تساعدها في شيء، ثم تنادي فراس في نفس الوقت.
وكان هو دائمًا يأتي.
….
عادت دهب إلى الغرفة.
وجدت فراس يضع هاتفه على الطاولة.
قال:
— أمي نامت.
— كويس.
— الدكتور قال إن رجلها هتحتاج حوالي أسبوعين كمان علشان تتحسن كويس.
ابتسمت دهب وقالت.
— أنا مبسوطه من وجودها معانا وخدمتي ليها.
نظر إليها.
— يعني مش مضايقة؟
— لا.
— حتى مع موضوع الغرفة؟
سكتت قليلًا.
ثم قالت:
— في الأول كنت متوترة.
— ودلوقتي؟
— بقيت متعودة.
نظر إليها للحظات.
— وأنا كمان.
ساد صمت قصير.
ثم جلست دهب على السرير.
قالت:
— فراس.
— نعم؟
— مامتك كانت بتسألك عني النهارده؟
نظر إليها باستغراب.
— عرفتِ منين؟
أشاحت بوجهها عنه ، فابتسم.
— أيوه.
— قالت إيه؟
— سألتني إذا كنت مرتاح معاكي.
خفضت عينيها.
— وإنت قلت لها إيه؟
— قلت لها إني مرتاح.
رفعت عينيها إليه.
— بجد؟
— أيوه.
— يعني… وجودي مش مضايقك؟
ابتسم.
— بالعكس.
لم تجد ما تقوله.
….
استلقى فراس في مكانه، وأطفأ الضوء.
لكن النوم لم يأتِ.
بعد دقائق، قالت دهب:
— فراس؟
— أيوه.
— أنت صاحي؟
— أيوه.
— أنا بردانة.
مد يده إلى الغطاء وسحبه ناحيتها.
— كده أحسن؟
— أيوه.
ثم صمت.
بعد لحظات، قال:
— لسه بردانة؟
— شوية.
تردد لحظة.
ثم قال:
— تعالي هنا.
نظرت إليه في الظلام.
— فين؟
— الغطا هنا أدفى.
اقتربت قليلًا.
سحب الغطاء فوقها، ثم أبقى بينهما مسافة صغيرة.
لكن عندما تحركت دون قصد، لامست يدها يده.
توقفت.
لم تسحب يدها فورًا.
وفراس أيضًا لم يتحرك.
كانت لمسة عابرة…
لكنها جعلت قلب الاثنين يخفق بطريقة مختلفة.
قال فراس بصوت منخفض:
— إيدك ساقعة.
— عارفة.
أغلق يده حول يدها للحظات حتى تدفأ.
لم يكن في الأمر شيء أكثر من ذلك.
لكن دهب شعرت براحة غريبة.
قالت:
— كده أحسن.
— أيوه.
ظلت يدهما متلامستين للحظات.
ثم سحبت دهب يدها بخجل.
— تصبح على خير.
ابتسم في الظلام.
— وإنتِ من أهله.
….
في صباح اليوم التالي، دخلت والدة فراس المطبخ فوجدت دهب تحضر الإفطار.
قالت:
— فراس لسه نايم؟
— أيوه.
ابتسمت والدته.
— خليه يرتاح.
ثم نظرت إليها باهتمام.
— شكلك مبسوطة.
توقفت دهب.
— أنا؟
— أيوه.
— لا، عادي.
ضحكت الأم.
— أنا أم فراس يا دهب. بعرف ابني، وبعرف اللي قدامه كمان.
احمر وجه دهب.
— طنط…
ربتت على يدها.
— متخافيش يا بنتي.
ثم قالت بحنان:
— الحب مش حاجة تخوف.
رفعت دهب عينيها إليها.
لكنها لم تستطع الرد.
لأنها، ولأول مرة، بدأت تسأل نفسها السؤال الذي كانت تهرب منه منذ أيام:
هل ما تشعر به تجاه فراس بدأ يتجاوز مجرد الاعتياد؟
وفي الغرفة، كان فراس قد استيقظ.
سمع آخر جملة لوالدته.
وبقي صامتًا.
لأنه كان يسأل نفسه السؤال نفسه.




