جواد الجبالي بقلم ملك ابراهيم ج2

“حكايات الكاتبة ملك إبراهيم…جواد قال بنبرة رجولية حنينة تطلبها بلطف: “اقعدي يا عطر..”
قعدت على طرف الكرسي المقابل وقلبها بيدق. وهو أكل في صمت وهي ماتحركتش. كانت الحاجة الوحيدة اللي بتسمعها صوت المعلقة وصوت الليل بره، بلحظة دافية وهادية. وهو كان بياكل ببطء، كأنه مش عايز الأكل يخلص عشان تفضل قدامه.
جواد قال بابتسامة رضا دافية: “الأكل حلو.”
عطر قالت بفرحة خجولة: “شكرا.”
جواد سأل بفضول حنين: “مين علمك تطبخي كده؟”
عطر قالت بحب وحزن رقيق على أمها: “أمي الله يرحمها.”
جواد قال بدعاء صادق من قلبه: “ربنا يرحمها.”
ورفع عينه ليها بنظرة عميقة حنينة، وسأل: “انتي شبهها؟؟”
عطر ابتسمت وهي بتنزل راسها بخجل وردي جميل، وقالت: “بيقولوا كده.”
جواد قال بكلمة دخلت قلبها زي الدفا: “يبقى كانت ست عظيمة.”
الكلمة دي دخلت قلبها زي شعاع نور في أوضة مقفولة من سنين بفرحة ناعمة. عمرها ما حد قال لها كلمة زي كده. كانت بتسمع طول عمرها “كويسة” و”مؤدبة” و”هتتجوزي وتستريحي”. ماحدش قال لها إن أمها كانت عظيمة، ولا إنها هي ممكن تكون شبهها، بكلمة طيبة حنينة.
قامت من مكانها بسرعة بقلب بيرتعش من الخجل، وقالت: “هاروح أنام.”
وقبل ما تمشي، قال لها بصوت واطي كله شوق: “عطر.”
عطر ردت بقلب بيدق: “أيوه؟”
جواد قال بامتنان دافي طالع من القلب: “شكرًا.”
طلعت السلم بخطوات خفيفة، وحست إن رجليها مش بتلمس الأرض من الفرحة الناعمة.
وجواد قعد في المطبخ دقيقة كمان بعد ما مشيت، بيبص على المكان اللي كانت قاعدة فيه بقلب مشتاق. وفي الليلة دي ماعرفش ينام. نام جنب عطيات وحس بالبعد اللي بينهم كأنه ميل بوجع بارد. وقلبه كان لسه في المطبخ، عند بنت صغيرة وحلة أكل وابتسامة تدوب القلب.
وفي أوضتها، عطر قعدت على السرير وحطت إيدها على قلبها بيد مرتعشة. كانت بتقول لنفسها بقلب بيحاول يقاوم: “ده راجل مش بتاعي.”
وقلبها بيرد عليها بصوت أعلى كله حب بيتولد: “بس هو طيب.”
والفرق بين الاتنين كان بيزيد كل يوم بوجع حلو.
عطر بتصبر وتبتسم وتساعد من غير ما تتكلم بقلب أبيض نقي. وعطيات بتزعق وتأمر وتحسب كل حاجة بالفلوس بقلب قاسي.
عطر تروح الحقول تساعد الستات الفقيرة في الغسيل والخبيز بحنية، وعطيات تروح تتفاخر بالدهب قدام الضيوف بغرور.




