درة الجبالي بقلم نور محمد

هروح الغيط أطل على الأنفار اللي بيجمعوا المحصول، وأشوف حسابهم.
يا بتي الشمس حامية، وأنتي مكلتيش لقمة من الصبح!
مفيش حاجة هتحصلي يا أمة، سيبيني أشم هوا ربنا يمكن صدري يوسع شوية.
خرجت درة بخطوات هادية، لافة شالها الأسود على راسها، وخصلات شعرها الفحمية طالعة من تحت الطرحة على جبينها. كانت ماشية في سكك الغيطان، بتشم ريحة الطين والزرع الأخضر على شط النيل في إسنا، وسرحانة في ذكريات حبها اللي اندبح غدر بحكم القدر.
في اللحظة دي، كان عزيز الجبالي بيلف في أراضيه وهو راكب حصانه العربي الأصيل ليل، أسود وطويل وفارع زي صاحبه بالظبط. كان حاسس بزهق غريب مالي صدره، ورغم إنه لسه مخلص جوازة الأسبوع، إلا إن الفراغ كان بيطارده. سايق الحصان بسرعة چنونية كأنه بيفرغ غضبه في الهوا، والتراب بيعفر وراه.
عند ملف ضيق بين الغيطان، كانت درة بتعدي السكة. مسمعتش صوت الحوافر في الأول من كتر ما هي سارحة، ولما لفت وشها، لقت الحصان الأسود الضخم داخل عليها زي القطر.
في ثانية تحبس الأنفاس، عزيز شد اللجام بكل عزم عنده لورا. الحصان صهل بصوت عالي ووقف على رجليه اللي ورا وكاد يوقع عزيز من فوقيه، ووقف بالعافية على بُعد كام خطوة صغيرة من درة.
الكلاب قعدت تهوهو في كل حتة، والتراب ملى الجو لثواني قبل ما يهدى.
عزيز افتكر إن البنت اللي كانت هتداس هتقعد تصرخ، أو ترتعش من الخۏف، أو ټعيط وتطلب السماح زي أي حد بيقف في طريق عمدة الجبالية. بس لما نزل عينه لتحت، الډم نشف في عروقه.
درة كانت واقفة وقفة هيبة متتوصفش، ضهرها مفرود، إيديها مضمومة جنبها، وعينيها.. يا نهار أبيض على العيون! بتبصله پغضب يطير الشرر، حتة كبرياء صعيدي أصيل بتتحدى عجهيته من فوق لتحت، ومن غير ذرة خوف واحدة. حتى رمشها مترمش، بل كانت متبتة نظرتها فيه بطريقة خلت قلبه اللي عمره ما دق لواحدة يدق دقة جامدة مش لاقيلها تفسير.
إنتي اټجننتي يا حُرمة؟! عايزة ټموتي تحت حوافر الخيل؟ وسعي من السكة! عزيز صړخ بصوت جهوري يرعب أجدع شنب في البلد، بيحاول يرجع هيبته اللي اتهزت من نظرتها.
درة منزلتش راسها سنتي، بالعكس، رفعت دقنها لفوق وردت بصوت قوي ولا فيه هزة ولا خوف
السكة دي للكل، حجة ربنا، مش ورثتها في شيكارتك مع العمدية يا عزيز بيه.. خيلك هو اللي يوسع، مش أنا اللي أرجع خطوة لورا.
عزيز فتح عينه على وسعها من الصدمة. مفيش مخلوق أصلاً يجرؤ يكلمه بالطريقة دي، فما بالك بست! ضيق عينه وبص لملامحها بتركيز. كانت حلوة حلاوة تسحر، جمال طبيعي مفيهوش ريحة البودرة والزواق بتاع حريمه، العباية السودة مظبوطة عليها، بس اللي شده بجد كانت الشراسة والقوة اللي طالعة من وشها.
ابتسم ببرود يفرس، ومال عليها شوية من فوق ضهر الحصان
إنتي شكلك متعرفيش إنتي بتكلمي مين يا بت الناس. أنا عزيز الجبالي، بكلمة مني أمحيكي إنتي وعيلتك من البلد دي كلها.
درة ابتسمت بسخرية توجع، ونظرة احتقار رمتها في وشه زي الخڼجر
خابرة زين أنا بكلم مين.. بكلم العمدة اللي فاكر إن الفلوس والسلطة بيشتروا رقاب الناس وعرضهم. الكبير كبير بأخلاقه يا عمدة، مش بدوسه على خلق الله وبظلمه لبنات الناس. عن إذنك.. طريقي قدامي ومحدش يقدر يوقفه.
لفت وشها وكملت طريقها بخطوة ثابتة ومش مهزوزة، كأنها مسابتش وراها راجل دمه بيغلي من الغيظ والانبهار في نفس الوقت. عزيز فضل باصص على خيالها وهو بيبعد، حاسس كأنها شدت حتة

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *