لأجلها بقلم امل نصر الفصل الأخير ج1

الفصل التاسع والستون والاخير ج١

 

في المشفى، فتح عطوة، عينيه بعد فترة طويلة من النوم، خُيّل إليه فيها أنه استغرق سنواتٍ في غيابة الجب. أخذ يجول بنظراته حوله، متفقداً أجواءً غريبة عما اعتادت عليه عيناه في منزله؛ سقفٌ أبيض شاهق، إنارةٌ خافتة، وأزيز أجهزةٍ طبية منتظم.. اللعنة! أهذه زوجته الحبيبة؟

نورا تجلس بجواره، وقد غلبها النعاس فأسندت رأسها على طرف فراشه. تساءل في سره بذهول: “أأنا عائدٌ من الموت؟”. همّ برفع ذراعه كي يربت على كتفها ويوقظها، إلا أن جسده خانه؛ لم يستجب له طرفٌ واحد. حينها فقط، بدأ يستدرك حقيقة وضعه المأساوي. راحت عيناه تجوبان جسده الساكن المغطى بالغطاء الأبيض، فلا يظهر منه سوى يده المغروز بها إبرة المحلول، والأخرى ملتفة بالأربطة الطبية الكثيفة التي تمتد حتى أسفل الكتف، وكأنها قطعة من الجبس الصامت.

 

— أنت فقت يا عطوة؟!

، دوى الصوت المحبب إلى قلبه، تنتشله من شروده وتؤكد له أنه ما زال على قيد الحياة. سبقت كلماتها شهقة فرحٍ مكتومة، وعيناها تتلألآن بدموعٍ انهمرت كأنها لا تصدق أن الروح قد ردت إليه أخيراً.

 

ارتمت عليه بلهفةٍ لم تسعها جدران الغرفة، راحت تقبل طرف يده المغروزة بها إبرة المحلول وكأنها تعتذر له عن كل وخزة ألم، وناجته بصوتٍ مخنوق بالعبرات:

— “حمد الله على سلامتك يا حبيبي.. ده أنا روحي كانت ضايعة وما ردت لي غير دلوقت برجوعك، مِتّ وحييت ميت مرة من امبارح من خوفي عليك!”

 

بدأ الوعي يعود تدريجياً لـ عطوة، ومع كل نبضة وعي كان يشعر بآلامٍ تنهش أنحاء جسده كأنها سياطٌ لا تنتهي. عادت به الذاكرة سريعاً إلى تلك اللحظات المريرة التي مر بها تحت رحمة “عرفان المتوحش”، فنظر لنورا بعينين يكسوهما الذهول والتعب ليباغتها بسؤاله:

— إيه اللي حصل؟ وأنتي وصلتي لي كيف؟ ده أنا قولت الكلاب هتاكل جثتي في الخلا، بعد ما يشبع عرفان ضرب فيا ويخلص عليا ويقتلني!”

 

انتفضت نورا، وخرجت منها الكلمات كالقذائف وهي تقول بحرقةٍ وغضبٍ سكن عينيها:

— كلب لما ينهش مصارينه هو! والله يا عطوة لو كان حصل، ما كنت سيبته عايش على ظهر الدنيا دقيقة واحدة، ولا كان هيكفيني فيه طلقة تخش قلبه تريحه!”

 

ارتسم ذهولٌ ترافقه تساؤلاتٌ كبرى على ملامح عطوة المنهكة، وبدأ عقله الذي أضناه التعب ينسج الظنون والهواجس؛ فالمكان كان مقفراً، وعرفان ليس بالرجل الذي يسهل الغفلة عنه. ثبّت نظراته المتعبة في عينيها وأمرها بحزمٍ جاف:

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *