جنتي بقلم الكاتبة اسما المصري ج٢

الفصل السادس
لوعته وشوقه جعلاه يجلس متسمراً وهو يستمع لها تقص أحداث الماضي، وتحديداً يوم الحادث، وهو شارد بملامحها البريئة وصوتها الذي بدأ يسري بعقله وقلبه وأصبح محفوراً بداخله بجانب صورتها.
قصت عليه توقف الطريق بسبب حادثة سير ومحاولتها إنقاذه، وتمسك المارة بها وإصرارها على إخراجه من السيارة المحترقة، بل إن تلك الحادثة كانت السبب الرئيسي في اختيارها التخصص في قسم الطوارئ.
ظل يستمع إليها حتى انتهت ونظرت إليه وهو صامت، شارد في ملامحها التي أصبحت كالهواء بالنسبة له، وصوتها الذي بات كالماء، فإن فقده فقد الحياة.
انتظرت أن يتحدث، ولكن طال الصمت حتى قطعته في النهاية متسائلة
أنت ساكت ليه؟
ضغط بأسناسه على جانب فمه ليحاول أن يتدارك نفسه وأحاسيسه، وردد بصوت خافت غلفه العشق
مش مصدق!
نظرت له مبتسمة ومازحته
والله ده اللي حصل، أصل أكيد مش بكدب!
ابتسم ابتسامته العذبة التي تذيب القلوب، وردد بتنهيدة
أنا مصدقك… بس مش مصدق نفسي، مش مصدق إني لقيتك بعد السنين دي كلها! أنتِ عارفة أنا وقت الحادثة دورت عليكِ قد إيه؟ بس محدش كان عارفك ولا أي حد قدر يساعدني إني ألاقيكي.
شعرت بمشاعر دافئة تحلق داخلها، ولأنها المرة الأولى التي تخوض فيها هذا الشعور، حاولت ألا تبدي أي تأثر، ورددت بشكل عملي
ليه كل ده؟ أنا دكتورة وطبيعي جداً اللي عملته وميستاهلش أبداً كل اللي أنت عامله ده!
نظر لها بضيق وضغينة خفيفة وردد بحدة
يمكن بالنسبة لك الموضوع عادي ومتعودة عليه، إنما بالنسبة لي كنتِ الإنسانة اللي أنقذت حياتي!
حاولت أن تظهر بمظهر قوي حتى لا يشعر بما يعتريها من ضعف بداخلها تخفيه عن العالم أجمع
أنا قصدي إن أي دكتور كان مكاني كان هيعمل كده، والحادثة بتاعتك كانت إلهام ليا إني أدخل قسم طوارئ والحمد لله أنا ناجحة فيه جداً.. طبعاً بكون مبسوطة كل مرة بنقذ فيها حالة، بس الحالات مش بتكبر الموضوع زيك كده، بيشكروني وخلاص.
زفر بضيق وردد بحدة طفيفة
ماشي خلاص، طالما أنتِ شايفه كده.
شعرت بالضيق لما اعتراه من غضب، فهمست بنبرة راجية
طيب متزعلش.
ابتسم لها بحبور وردد
طيب تعالي نشتري الزي التنكري اللي أنتِ عايزاه.
وبالفعل توجها لشراء الأزياء التنكرية، وأخذت ترتدي أكثر من زي وتخرج ليختار معها، حتى انتهى بها المطاف بزي شبيه بالمغني الشهير مايكل جاكسون، فابتسم ضاحكاً وردد
متأكدة من اختيارك؟
أومأت توافقه ورددت
اه… عاجبني أوي، يلا دورك بقى وريني هتختار إيه؟
أخذ يتنقل ما بين الأزياء؛ يرى ذاك ويجرب هذا، حتى اختار الجلباب العربي الأبيض التقليدي، وكأنه يتمسك بهويته العربية الأصيلة.
قضيا اليوم معاً يتجولان بالمدينة، وأخذ يريها المعالم السياحية والأثرية في فيينا حتى غابت الشمس واقترب موعد الحفل، فأوصلها لفندقها حتى تستطيع أن ترتدي وتتجهز، فنظر لها بهيام وودعها قائلاً
أشوفك كمان ساعة.
ابتسمت ورددت
إن شاء الله أشوفك في الحفلة.
صعدت لتجد رفيقتيها تنتظران على أحر من الجمر بعد أن حادثتهما لتخبرهما أنها تشتري زياً برفقة صديق، فأخذ الفضول يقتلهما رويداً رويداً، وجلستا تنظران إليها وهي تتجهز
أخبرينا من هو… هيا تحدثي!
نظرت لهما بضيق ورددت بلامبالاة
قلت لكما صديق قديم من مصر… قابلته مصادفة هنا وعرض علي المساعدة.
ابتسمت رايتشيل تردد بمكر
وهل هذا كل شيء؟ أم أن الخروجة كانت ممتعة للغاية ولافتة لنظركِ؟
اصطبغ وجه جنة بالدهشة أتبعتها صيحة اعتراض تهتف بغضب
أجننتِ يا رايتشيل؟ ما الذي تقولينه؟ منذ متى وأنا أسمح بهذه التلميحات؟
رددت جينفر مهدئة
على العموم دعونا لا نتطرق لهذا الأمر حتى لا تصبي غضبكِ علينا، هيا تجهزي وسننتظركِ ببهو الفندق.
أومأت بحركة خفيفة، وارتدت زيها وبدأت بوضع مساحيق التجميل لتشبه مايكل جاكسون، ونزلت فرحة بإنجازها لتلك المهمة، لتجد رفيقتيها بانتظارها مع رفقاء جاك، ولكنها وجدت آخر شخص توقعت أن تجده معهم.
اقتربت بغضب وهي تزفر في ضيق ورددت بحدة
أنت بتعمل إيه هنا؟ إحنا مش اتفقنا إنك مينفعش تيجي؟!
أجابها ياسر ببرود وسمجة
قلتي مينفعش عشان أنا مش صاحب جاك… فأن كلمته وطلبت منه إني أجي على حسابي وهو وافق.
تضايقت من لزوجته وسماجته التي لم وتعتدها أبداً، فزفرت باستسلام، وتوجهوا جميعاً للحفل.
في الحفل
دلفت جنة ونظرت بذهول للتجهيزات الرائعة والحافلة، والأضواء الساطعة والأزياء الخاطفة التي يرتديها المدعوون.
وقف جاك برفقة أصدقائه ومعهم ياسر يحاولون إدخاله، فهو لا يحمل معه دعوة، ولا يوجد حتى فائض من الدعوات ليشتريها، فنظر له جاك معتذراً
آسف يا ياسر، هذا الأمر ليس بيدي أو بالحرى خارج نطاق صلاحياتي.
زفر ياسر بضيق وهدل كتفاه دليلاً على يأسِه، فجلس على درجات الدرج بجوار مكان الحفل يفكر في معضلته، حتى لمح أحد الأفراد يمشي بعرج وتظهر عليه هيئة السُكر وممسك بيده تلك الدعوة التي يريدها بشدة حتى يدلف ويصبح بجوار جنة… الوحيدة التي عارضته وضايقته ورفضته. فاقترب من الشخص وبحركة خفيفة اصطدم به وأوقعه أرضاً.
هرع إليه باهتمام مصطنع وهو يعتذر منه بالإنجليزية
آسف جداً يا سيدي… أعطني يدك لأساعك على النهوض.
مد الشخص يده له فأوقفه، ولكن بعد أن انتزع منه الدعوة دون أن يدرك الأمر ذلك السكير، فابتسم لنفسه بانتصار وابتعد بسرعة يتجه للباب، وأعطى الدعوة للحراس المرابطين أمامه ودلف للحفل يبحث عنها.
جلست تتلفت حولها لا تعلم لمَ تبحث عنه في أرجاء المكان، فانتبهت لها رايتشيل لتردد بمشاكسة
تبحثين عنه؟
نظرت لها بدهشة ورددت
من؟
أجابتها ببسمة مازحة
صديقك المجهول!
حركت رأسها معترضة تحاول أن تتدارك نفسها، فأجابت بثقة زائفة
أنتِ بلهاء… ابتعدي عني.
لم يمر وقت طويل حتى وجدت يداً توضع على كتفها، فانتفضت بهلع تنظر لمن تجرأ على هذا الفعل لتجده ياسر بشحمه ولحمه.
أبعدت يده الموضوعة عليها ورددت بزفرة حنق
أنت ليه مصر تضايقني؟ وبعدين دخلت إزاي؟
أجابها مبتسماً بسماجة
ياسر الضوي له طرقه يا جنة الصاوي.
عادت تجلس، فسحب مقعداً وألصقه بمقعدها، وظل يحادثها طوال الوقت، وبسبب الصخب العالي للموسيقى وللحضور، كان لابد أن يقترب جداً من أذنها حتى تسمعه.
من بعيد، كان يجلس على جمرات من نار تحرقه وتلهب أحاسيسه من اقترابه منها بهذا الشكل، فنظر لمساعده بغضب وهتف بلهجته الصعيدية الصارمة
دي تاني غلطة ليك يا مراد… صدجني مش عارف هعمل معاك إيه لو غلطت التالتة، وأنت عارف عاد إن التالتة تابتة!
ابتسم له مراد وهتف وهو يحني رأسه لأسفل يردد بثقة
كله تحت السيطرة يا سليم… متقلقش.
زفر بحنق وانتفخت أنفه ونفرت عروقه وهو يصرخ به
هو إيه اللي تحت السيطرة يا بني آدم أنت؟ إيه اللي جاب البغل ده هنا؟
نظر له مراد بثقة وأردف بطريقة مسرحية
بص وشوف مراد مخبي إيه!
دعاها للرقص أكثر من مرة ولكنها رفضت، حتى بعد أن ذهبت رفيقتها للرقص برفقة جاك ومن معه، فنظرت رايتشيل من مكان الرقص لتجدهما جالسين متجهمي الوجه، فاتجهت ناحيتهما ورددت بمرح
ألم تدعُها للرقص يا ياسر؟
ردد بوجوم
بلى، ولكنها رفضت.
نظرت لها جنة بنظرة تحذيرية بمعنى ألا تجبرها على الرقص معه، ففهمتها رايتشيل على الفور، فانحنت تهمس لها بإذنها
إذن لن تمانعي إن رقصت أنا معه؟
حركت رأسها موافقة

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *