جنتي بقلم الكاتبة اسما المصري ج٢

بمقعدها ليصبح كفراش صغير، وسحب وسادة من مجرور أسفل مقعدها يضعها خلف رأسها، ودثرها بغطاء خفيف مطبوع عليه شعار شركة الطيران، وخفف الإضاءة فوق مقعدها فنامت بسلام كالملائكة.
جلس طوال الساعتين المنصرمتين ينظر لجمالها النائم، وهل كان يتمنى أكثر من أن يمضي معها بعض الوقت ليحفظ ملامحها أكثر وأكثر؟ وهو أكثر من ممنون لذلك، فأمسك بدفتره الذي لا يفارقه وجلس يرسمها وهي نائمة، ومراد يراقبه عن كثب، فرحاً بسعادة رفيقه الذي نظر له فوجده مبتسماً ابتسامة ملؤها البشر، فردد هامساً حتى لا يوقظها
مالك يا مراد متّنح ليه كده؟
ردد ولا تزال تلك الابتسامة لا تفارقه
مبسوط عشانك يا صاحبي.
تنهد سليم بتخوف وردد
خايف أوي أخسرها يا مراد… مش هقدر بعد ما لقيتها.
حرك مراد رأسه يطمأنه بحزم
متخافش…. أنا مش هسمح لحاجة تحصلكم.
فور أن وطأت أقدامها مطار نيويورك وجدت سيارات تنتظرهم لتقلهم لبيوتهم، فدلفت مع سليم واتجه بها لمنزلها، ولم تتعجب أو تندهش من معرفته لعنوانها؛ فهو قد أفصح لها عن كل شيء حتى مراقبته لها.
وصلت أمام أبواب منزلها، فنظرت له وابتسمت ابتسامة رقيقة لا زالت لم تعتد عليها، ورددت بصوت دافئ تشعر منه بغرابتها
تعبتك معايا.
أخبرها بواله
تعبكراحة.
لتدلف منزلها تجد والدها يقف بانتظارها وعينه تلمع بلوعة الاشتياق، فهرعت ترتمي بأحيضانه تشعر بنفسها وأخيراً بموطنها…. نعم، حضن أبيها الدافئ هو موطنها وأمانها، على الرغم من أنها شعرت بذلك الأمان ولأول مرة بحياتها خارج أحضانه، إلا أن شعور العودة له كان لا يوصف.
مسد على شعرها برقة وحنان وقبلها من مفرق شعرها، وردد بلهفة
وحشتيني أوي يا جنه…. أول مرة تبعدي عني بالشكل ده من 6 سنين.
أجابته وهي تقبل راحته
ربنا يخليك ليا يا بابي، وانت وحشتني أوي أوي.
ابتسم بمشاكسة وهو يحتضنها من كتفها ويردد بعبث
يا بكاشة….. بقى وحشتك؟
ليقلد صوتها بمزاح
وحشتني أوي يا بابي… كلها يومين وأكون عندك يا حبيبي.
ليقتضب وجهه بصورة أضحكتها شدة
واليومين بقوا أسبوعين يا جنه!
أجابته وهي تضحك على طريقته معها والتي لا تنضب أبداً من الحب والاشتياق
حبيبي….. والله بس الإجازة فعلاً كانت تجنن وصحابي مكانوش عايزين يرجعوا، وجت لنا دعوة لقبرص بعد ما خلصنا فسحتنا في إيطاليا، وبصراحة مقدرتش أفوتها.
ابتسم لها بفرحة؛ فلاول مرة منذ أن جاءت إليه هاربة من مصر يجدها تضحك وتمرح والابتسامة تعلو ثغرها ولا تفارقها؛ فهو قد لمح تلك السيارة الفارهة التي أوصلتها لباب المنزل، ولمح أيضاً ذلك الشاب الوسيم الذي نزل منها ليودعها، بل ولمح نظرات الشوق والانبهار بعين ذلك الشاب.
جلست بأحضانه تقص عليه الأماكن التي زارتها، حتى وصل الأمر لما حدث مع خطيبها المزعوم ياسر، فردد أبوها بحنق حاول إخفاءه حتى لا يضايقها
بس مكانش يصح أبداً اللي اتعمل معاه يا جنه… أبوه زعلان خالص وكل شويه يلومني على اللي حصل، وبرضه إنك تفركشي الخطوبة وانتوا مسافرين دي مش أصول.
اعتدلت في جلستها ونظرت له بضيق تردد بحتدة
والنبي يا بابي بلاش الكلام ده وكأني بتجنى عليه… حضرتك متعرفش اللي حصل واللي حكيته أقل من الحقيقة بكتير جداً، بس خلاص ملوش لازمة أبداً أفتح في الحاجات دي.
نظر لها بتفحص وهتف متسائلاً
ومين الشاب اللي ضربه وخرشمه كده يا بنتي… ده راجع متبهدل.
ابتسمت عندما تذكرت تلك اللكمات على يد سليم، ولكن ألا يبالغ أباها بالأمر قليلاً؟ فالشجار لم يتعدَّ بضع لكمات لا يمكن أن تحدث ضرراً حتى الآن بعد أن مر أكثر من خمسة أيام.
انتبه محسن لشرودها وابتسامها فتنحنح حتى تنتبه له، فهتفت بلهفة
هقولك يا بابي مين الشاب ده…… فاكر الحادثة اللي حصلت في مصر في اليوم اللي هربت فيه من مامي…………
مر يومان لتعود جنه لعملها بالمشفى وتضاعف من أوقات دوامها حتى تعوض عن تلك العطلة التي أخذتها، وأيضاً لتحل محل جينفر المشغولة بتجهيز عرسها القريب من الآن.
جلست باستراحة المشفى تشعر بإرهاق؛ فهي اليوم عملت لورديتين متتاليتين هي ورايتشل، فتتذمر الأخيرة بضيق
هذا ليس عدلاً… من حقنا أن نأخذ عطلة دون أن نضطر أن ندفع ثمناً باهظاً كهذا، فأنا أشعر بعظامي قد تحطمت من كثرة العمل!.
أجابتها جنه وهي تتفحص هاتفها بلامبالاة
هذا ثمن السعادة عزيزتي، وأنا الآن أدفعه وبنفس راضية.
نظرت لها رايتشيل بخبث تردد بمكر
إذاً، كيف حال السعادة معكِ جنه؟
انتبهت لنبرتها الماكرة، فرددت بمكر أعتى وأكبر تهتف
لا أعلم…. سأتمهل حتى لا أجد تعاسة بنهاية تلك السعادة رايتش.
زفرت بضيق توبخها
أطلقي العنان لنفسكِ قليلاً أيّتها الخائفة الماكرة، ودعي الأمر يسير بسلاسة؛ فإن نجح الأمر ستكونين برفقة أوسم عربي رأيته بحياتي، بالإضافة للثراء الفاحش، وإن فشل فلن تخسري الكثير.
ابتلعت لعابها بضيق ورهبة من مجرد كلمتها العفوية باحتمالية فشل تلك العلاقة، فرددت والخوف يحتل ملامحها
هذا ما أخشاه رايتش…. أخشى الخسارة، أخشى تلك اللحظة التي أجد نفسي بمفترق طرق ولا أعلم إلى أين تذهب بي الأيام، أخشى أن أترك مشاعري تنجرف له وأنا أشعر بانجذاب رهيب لم يحدث لي طوال حياتي، ثم أسقط على واقع مرير أنني مجرد محطة بحياته….. حورية جميلة بميناء لقبطان يرسو بكل بلد فترة وله في كل ميناء حكاية وحبيبة.
قطع كلامها شعورها بسخونة تجتاح جسدها من أثر وقوف أحد ما خلفها، ونظرات رايتشيل المتسلية والباسمة، ورائحة عطره التي اقتحمت حواسها، بالإضافة إلى صوته الرخيم الذي انتشر بداخلا لتتنبه كل حواسها بوجوده خلفها وهو يردد بغزل لم يسبق لها أن سمعته من رجل لامرأة
إن وافقتِ أن تشاركينني حياتي فسأعتزل النساء جميعاً واستبدلهن ببراحدة قد غزت قلبي ودكت حصونه وأصبحت كالماء والهواء بالنسبة لي… إقبلي بي وستتأكدين من صدق مشاعري.
التفتت له لتنظر في عينه الصارخة بعشقها، ليردد بوهج عاشق
أحبكِ جنه… يا أجمل ملاك نزل على الأرض.
يُتبع….
إذا أردت شيئًا بشدة فاطلق سراحه، فإن عاد فهو لك بالكامل، وإن لم يعد فهو لم يكن لك من الأساس
هناك أساسيات في الحياة جميعنا نتبعها، وهناك أيضًا أساسيات في العلاقات بمن حولنا لا يختلف عليها اثنان، وأهمها الحب.
الحب شعور يمكن أن يكون متبادلًا، ويمكن أن يكون من طرف واحد، ولكن من أساسيات الحياة هي أن تترفع بمشاعرك إن كانت من طرفك أنت فقط، لا أن تقوم بمطاردة الطرف الآخر حتى وإن أعرب لك عن خلوه من أي عاطفة تجاهك.
ثلاثة نماذج لم تفقه تلك العبارة المأثورة ليس كل ما يريده المرء يدركه.. ثلاثة نماذج رفضت أن تتعايش مع رفض الطرف الآخر لها، ثلاثة نماذج آثرت الحرب على السلام، اختارت الصراع على الاستسلام، واختارت المطاردة على الكرامة.
النموذج الأول لشاب رأى في نفسه وسامة أغرته وجعلته يظن أنه يمكنه إيقاع أي فتاة في شباكه، وعندما فشل اتخذ طريقًا مغايرًا بإكراهها عليه حتى تمت خطبته عليها دون موافقتها. ولم يقف عند هذا الحد، بل التصق بها بشكل أثار حنقها ونفورها منه، بل والأدهى أنه لم يكن مخلصًا لتلك المشاعر ليذهب ويرافق غيرها، حتى انتهى بهما الأمر للنتيجة الحتمية وهي الانفصال.
والنموذج الثاني لفتاة رائعة الجمال ذات مكانة في حياتها العملية والشخصية، تعيش حياة صاخبة بحكم جنسيتها الأمريكية وتدليل أخاها لها، ولكن عشقها له جعلها هشة وظالمة لنفسها. ظلت ثلاث أعوام تحت مسمى الارتباط به، ولكنها في الحقيقة كانت مجرد محطة عابرة في حياته يستغل تواجدها لإرضاء نزواته وهي تعلم ذلك تمام العلم؛ فهو لم يخدعها أو يخفِ عنها حقيقة هوسه، بل والحق يقال إن كل من يعرفه ويتعامل معه يعلم هوسه بمعشوقته. ولكنها أبت أن تصدق انتهاء قصتها معه، حتى وهي أعلم الناس ببرود علاقتهما وخلوها من أي مشاعر حقيقية من جانبه.
أما النموذج الثالث فهو نموذج معقد، فبالرغم من ظروفها القهرية وتواجدها معه في نفس القارب، إلا أنها تنازلت عن كرامتها مقابل الاحتفاظ به كزوج لها، حتى بعد أن تأكدت من أنه يحمل مشاعر لأخرى. لكنها رأت أنها الأحق به من غيرها، لذا لن تستسلم بل وستحارب وتتخطى العقبات وتحيك الخطط حتى تربطه بها أمد الدهر.
في قصر الراوي بالصعيد
صعدت غرفتها بعد أن استمعت بأذنيها لحديثه عن زيجته المحتملة، لتردد بغضب أعمى بصيرتها إني لازمن اتصرف، انت ليا إني يا سليم ومحخليش حد يجرب منيك، ويا إني يا البت اللي عاوز تتچوزها دي!
لتتصنع النوم فور أن استمعت لخطواته تقترب من الغرفة، فأعطت له ظهرها وهي تشعر به يتحرك بالغرفة يتجهز للنوم، فتجده يتخذ طرف الفراش حتى يكون بعيدًا تمامًا عنها. ولكنها تتصنع النعاس فتقترب منه ، وسط تأففه واستسلامه في الوقت نفسه.
أفاقت من نومها في الصباح تشعر بخلو فراشها، فتجهزت لتنزل لتناول الإفطار مع العائلة، ولكنها قبل كل شيء قامت بالاتصال على والدتها لتخبرها بما حدث بالأمس، فردت والدتها بوجل يا مرارك الطافح يا جمر… إيه يا بتي اللي بتجوليه ده؟ ولا يجدر يعملها، انتي فاكرة إن ابوكى ولا اعمامك ممكن يوافجو على أكده؟
ردت بحزن وبكاء وهم يعني حيجدرو يا أمه يجقفو جصاده ويمنعوه؟ ده سليم الراوي يا أمه.
هدرت بها توبخها وانتي جمر الحديدي متستجليش بنفسك يا بت بطني، بس أهم حاچة تقربي منه وتكسبي جصاده بالود والحنية، ولما يكون بينكم خلفة الحكاية كلها حتروح في سكة تانية خالص.
أجابتها بحزن ما هو يا أمه أصله كان چاي تعبان ويعني…
صمتت بخجل لتفهم والدتها الأمر فتردد بتأكيد اتچلعي وتدخلي عليه بالكلمة الطيبة يا بتي، وهو محيجدرش يبعد عن چمالك يا جمر.
ردت بخضوع حاضر يا أمه حاضر.
أما بالأسفل، فتفاجأ الجميع بوجود سليم، فهتف أخوه يردد بترحيب وه وه… انت چيت ميته؟ الف حمد الله على السلامة يا اخوي.
وربت سليمان على ظهر أخيه الأصغر، فرد الأخير چيت جبل الفچر بشوية أكده، والبيت كله كان نايم.
جلسوا جميعًا ليستهل سليم الحديث يردد بجدية إني حفطر وبعدين حروح اشوف إيه حكاية المشترى اللي موجف البيعة ده.
رد سليمان بتوضيح معترض على السعر مع إننا مبلغينه بالزيادة في الأسعار من الأول.
رد سليم الأسعار زادت عشان الشحنة المرة دي چاية باللوازم بتاعتها كاملة، يعني مش غالي مقارنة لو اشترى كل حاچة لحالها.
هتف سليمان إني حاولت افهمه بس هو راكب راسه.
حرك سليم رأسه بتفهم يردد بثقة خلاص يا اخوي سيب لي إني الموضوع ده.
مسد لحيته وابتلع لعابه بتوتر وهو يضغط على أسنانه يحاول أن يجمع رباطة جأشه حتى يفاتح والده بذلك الموضوع المهم والذي يمثل له حياة أو موت. نظر لفرج وهتف بصوت متحشرج كنت عايزك في حكاية أكده يا بوي.
ابتسم فرج بحبور وردد خير يا ولدي؟
ابتلع لعابه برهبة وهتف إني عاوز اتچوز.
لمعت عينه ببريق الغضب وانتفض من موضعه ينظر له بشرر وهدر به بشدة انت بتجول إيه يا واد انت؟… چنيت إياك؟ چواز إيه وانت لساتك عريس چديد؟
تقوس جبينه وهو ينظر لردة فعل والده وكأنه ملزم بتلك الزيجة أمد الدهر، فردد محاولًا سبر أغوار عقله انت مش جلت يا ابوي إني وجت ما احب اتچوز محدش يجدر يجول حاچة؟
أجابه على الفور أيوه جلت… بس ده لما تكون مرتك عفشة قبيحة.
حرك رأسه باعتراض وهتف عفشة ولا چميلة… ده ميخصنيش، إني عاوز اتچوز يا ابوي المرة اللي بحبها عاد.
هنا نظر له أخوه بدهشة وهتف بفضول وتطلع مين المرة اللي عتحبها دي يا سليم؟ هو مش انت متچنن بالبت اللي عمال ترسمها دي؟ ولا أخيرا طلعتها من راسك وطبيت يا اخوي؟
ابتسم سليم يردد بتأكيد إني حتچوز اللي بحبها، واللي هي نفس البنت اللي برسمها من سنين.
لمعت عين كل من فرج وسليمان، فصاح فرج إيه؟ بتجول إيه؟ إزاي يعني اللي بتجوله ده… إني كام مرة اقولك إن البنت دي وهم في خيالك بدليل إنك بتحلم بيها من وانت عندك عشر سنين… تجدر تجولي عندها كام سنة؟ وعرفتها فين وإزاي؟
تنهد سليم بحنين يردد ببسمة عذبة أولًا الست اللي طلعتني من البحر دي…
قاطعه والده يا بني إني اللي طلعتلك من البحر، حفضل اقول الحكاية دي كام سنة عاد!
زفر سليم بضيق يردف يا ابوي بغض النظر عن الحديت ده، إني بجولك عاوز اتچوز… جلت إيه؟
أجابه فرج بقسوة لا… إني مش موافج، ويكون في علمك لو فكرت تعمل أي حاچة من غير موافجتي ساعتها اعتبر إن ابوك مات هو التاني وتنسى خالص إنك من عيلة الراوي… فاهم ولا لا؟
حاول سليم الرد على والده ولكن تدخل سليمان ليهدئ الأجواء المشحونة بالغضب فردد خلاص يا سليم… خلينا نتحدت في الحكاية دي بعدين عاد، خلينا نخلصو الشغل وبعدين نبجو نتكلمو.
تربص بها أمام باب المشفى الذي تعمل به حتى أنهت دوامها، فوجدت يده تستبق يدها أمام باب سيارتها لتنتفض بخضة وتهتف بذعر خضتني يا ياسر… انت بتعمل إيه هنا؟
أجابها بوله وحشتيني.
دهشة أصابت تعابير وجهها وقوست حاجبيها وأردفت

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *