جنتي بقلم الكاتبة اسما المصري ج٢

لمحة نيوز
جرى؟
أجابتها من بين دمع عينها
ولا حاجة يا أمه.
جلست وتربعت بجوارها على الفراش ورددت بصوت أمومي حنون
جوليلي يا بتي.. ده أنا أمك ومحدش هيخاف عليكِ ولا ينصحك غيري.
نظرت لها بتوتر؛ فأول ما قاله لها سليم هو ألا تخرج أي سر من أسرارهما أو تقص لأحد عن حياتهما، ولكنها لا تعلم ماذا تفعل، فقضت لها بدءًا من تخوفها من معرفة سليم بسيدة أخرى ببلاد الغربة، وخصوصًا بعد أن وجدت تلك الرسومات لتلك الفتاة مرسومة بخط اليد ومندسة وسط أشيائه، وما تلاه من ردة فعله عندما وجدتها وسألته عنها. ولم تنسَ أن تخبر والدتها بطلبه أن تحاول التقرب منه وإسعاده في حياتهما الزوجية، وأيضًا لم تغفل عن ذكر طلبه لها بتأجيل قرار الحمل واتخاذ الأساليب الوقائية.
شهقت والدة قمر وهي تضع كفها على فمها تردد بسخط
يا لهوي يا ليلة سودة…. كل ده ومتعرفنيش حاجة؟ يا خيبتك التقيلة يا قمر!
صرخت قمر تبكي وتردد بحزن
جوليلي يا أمه أعمل إيه؟
ابتسمت الأم بمكر ورددت بتخطيط
تاكلي بعقله حلاوة يا عين أمك…. وطالما رايد منك تقربي منه وإسعاده، يبقى لازمن تتعلمي كيف تكسبي قلبه عشان ميبصش بره ويبقى ملهوف عليكِ وكل ما يغيب عنك يرجع رهوان يترمى في حضنك.. والأهم من ده كله إنك لازمن تربطيه بعيل، أوعاكي تسمعي كلامه في حكاية تأجيل الخلفية دي… فاهمة يا قمر؟
أجابتها بخنوع
فاهمة يا أمه.
إصر عليها أن تعود معه بطائرته الخاصة هي ورفاقها، فوافقت بالنهاية بعد أن علمت أنه من تكفل بتكاليف تلك الرحلة، فما المانع الآن؟
دلفت الطائرة العائدة لنيويورك برفقتهم ولكنها تعجبت….. إنها طائرة خاصة على أحدث طراز، لماذا عليه أن يكون بهذا الثراء؟ واللعنة لقد شعرت بفقرها وهي التي لم تشعر بذلك طيلة حياتها.
فمنذ نعومة أظافرها وهي بمدارس دولية وقد أنفق أبوه عليها ألوف الجنيهات حتى تصبح ما هي عليه الآن، وذلك ما ساعدها على الانتقال للولايات المتحدة واستكمال دراستها دون تعب أو مجهود.
وحتى عندما عاشت مع والدتها وزوجها، كانت تعيش حياة مرفهة؛ فأبوها كان يرسل لها النقود بكثرة، وأيضًا الحق يقال إن زوج والدتها يعمل بمركز حساس جدًا بالدولة وحالته متيسرة جداً، فلم تشعر أبداً بالحاجة لأي شيء.
حتى تقابلت معه، كانت تظن أنها تعد من الأغنيات وأنها تعمل فقط لتثبت ذاتها، ولكنها الآن ترى ذلك الثراء الفاحش فشعرت كم هي ضئيلة أمامه.
ظلت تتصارع أفكارها وهي تفكر…. إنها أول مرة تشعر بشيء تجاه أي رجل سوى والدها، لمَ هو بالتحديد؟ لا تعلم ولكنها تنجذب إليه وبقوة، وكأنها بداخل البحر وهناك دوامة تقوم بسحبها ولا تستطيع أن تبتعد.
ولكن لحظة….. هل يمكن أن يظن أنها طامعة بثروته؟ نعم….. فليس من الضروري أن تقع أي فتاة لشاب بتلك السرعة في خلال أيام قليلة إلا طمعاً بماله، ولكن يعلم الله أنها ليست بطامعة.
ظلت شاردة حتى وجدت من يمسكها من كتفيها يهزها قليلاً وهو يقف خلفها وينحني بطوله قليلاً ليحدثها بأذنها بهمس دافئ
الطيارة مش بتاعتي…. أنا مأجرها بس.
لمعت عيناها… هل علم بما تفكر؟ أم كانت تفكر بصوت عالٍ؟…. هل يقرأ أفكارها؟ كم هي شفافة أمامه وذلك لا يروق لها، فهي بحياتها لم تظهر بمظهر الضعف أو اللين تجاه أحد قط، ولكنها ها هي تشعر ليس فقط بالألفة، بل وسعيدة بما تشعر به.
التفتت تنظر له وعيونها بها كم كبير من الأسئلة، فابتسم لها تلك الابتسامة التي تجعل أسنانه ناصعة البياض تظهر بشكل خاطف للأنفاس وتجعل ساقيها لا تستطيعان حملها، ويبدو أنه علم تأثير تلك الابتسامة عليها فأصبح كثيراً ما يستخدمها لتشتيتها.
هتفت تحاول إزالة حشرجة صوتها بصعوبة وتردد بصوت مبحوح
انت غني أوي يا سليم.
حرك رأسه للجانب قليلاً وكأنه لا يبالي بثراءه ولا حياته، وردد بحزن
كل ده مكانش له لا قيمة ولا طعم وأنا بدور عليكِ زي المجنون ومش لاقيكي.
صمت يتتبع ردات فعلها إثر حديثه، فهتف يكمل
بس مش كل الفلوس دي بتاعتي عشان متتخضيش… دي بتاعة عيلة الراوي، يمكن أكون أنا أغنى واحد في الشباب من العيلة وده بحكم إني ورثت أمي الله يرحمها اللي كان ورثها كبير جداً من والدها، وكمان أنا ابن كبير عيلة الراوي واللي ماسك لهم الشغل بتاعهم بره مصر، وده خلاني أعرف أكبر من نفسي أكتر وأكتر من خلال شغل العيلة لحد ما بقى ليا شغلي الخاص.
سحبها من يدها ليجلسها إلى جواره لتبدأ رحلة العودة للولايات المتحدة وهي أكثر من سعيدة بذلك، ولكنها لم تكف عن سؤاله عن حياته؛ فهو يعلم عنها الكثير ولكنها لا تعلم سوى القليل، فهتفت متسائلة
يعني انتوا بيزنس العيلة ده في إيه بالظبط؟
أجابها بعملية
أولاً هناك في الصعيد عندنا أراضي وبيوت، وبعد كده بدأنا ندخل في التجارة والتصدير، وبعده كبرنا وبقينا نشتغل استيراد، وبعد كده أنا فتحت شركتي في القاهرة بوارثي من أمي، ودي ساعدت العيلة كتير أوي في إنها تبقى أغنى وأغنى.
نظرت له بتفحص وهتفت بحذر
مفيش حد ممكن يبقى غني بالشكل ده من غير ما يكون بيشتغل في حاجات مش مظبوطة، وبصراحة من طريقة معاملة الناس ليك في إيطاليا أنا بجد قلقانة منك.
سحب نفساً عميقاً وزفره ببطء وهو ينظر لملامحها الرقيقة بتسلية، وهتف موضحاً
بصي يا ستي…… أولاً أنا وضعي في إيطاليا بالشكل ده مش لأني شغال شغلانة وحشة لا سمح الله، ولكن لسبب تاني خالص.
نظرت له بفضول، فأخذ يقص عليها ما حدث معه من ثلاث سنوات.
فلاش باك
كان سليم بعامه الثلاثين عندما بدأت تتوسع أعمال العائلة لتصل لإيطاليا وعاصمتها روما، وكان هو مبهوراً بجمال تلك الدولة العريقة والأصيلة.
علم عندما بدأ يحط بقدمه تلك المدينة أن لها نظاماً صارماً لا يستطيع أحد أن يتخطاه بوجود إحدى العائلات المتأصلة بالمدينة والتي تعتبر هي اليد العليا.
كان لا بد أن يطلب الإذن من كبيرهم أو ما يعرف بالكابو دي نيرو كبير عائلة ستالوني ففعل حتى لا تتعطل أعماله هناك.
بعد مرور أقل من عام أصبح يملك أكثر من مكتب استيراد وتصدير متفرقة بأنحاء إيطاليا، ولكن العائلات المنافسة لعائلة ستالوني بدأت تضرب ضربتها لتهز هذا الكيان الصامد منذ مئات السنين، فبدأت تخرب ما يقع بحمايتها خارج روما حيث تضعف هيمنتها قليلاً، وكان من ضمن المتضررين أحد مكاتب سليم.
كانت تلك الضربة موجعة لعائلة ستالوني ليس فقط من أجل هيبتها، ولكن مادياً لأنها لا بد أن تدفع ثمن الخسائر لأصحابها ممن طلبوا منها الحماية.
وهنا بدأت المعركة بين عائلتين من أكبر العائلات تتطاحن لتظهر الأقوى هيمنة، وكل هذا لم يفعل سليم أي شيء سوى أنه رفض بالبداية أخذ التعويض من الكابو الذي أصر عليه كنوع من فرض هيبته، فمن هو سليم الراوي ذلك الشاب المصري الصغير حتى يترفع أن يأخذ منه ثمن خسارته الضئيلة جداً بالنسبة للكابو؟
ولكن بأحد الأيام كان سليم يسهر بأحد الأماكن مع رفيقه مراد، وكان متأففاً من ذلك الجو الخانق؛ فهو لا يشرب الخمر ولا يطيق تلك الأجواء، فخرج يشعل سيجارته فوجد سيارات كثيرة تتجمع حول المكان




