جنتي بقلم الكاتبة اسما المصري ج١

مش الصفقة يا سليم… “جنه” جاية روما بكرة الصبح!
لمعت عينا سليم بدهشة ومزيج من الفرح والتوتر في آن واحد، فأغلق الاتصال فوراً واتجه لخزانة ملابسه يخرج حقيبة سفره ليبدأ في ترتيب ثيابه وسط ذهول قمر التي سألته:
إيه اللي حصل؟
نظر لها برسمية وقال بحزم:
لازمن أسافر دلوجت!
خرج على عجالة متجهًا إلى المطار للتوجّه إلى روما، حيث هاجسه وهوسه القديم.
الفصل الخامس
وقفت جنة تلعب بالرمال على إحدى شواطئ إيطاليا في تلك الرحلة مع رفيقاتها والمعروفة بحفل توديع العزوبية، فستتزوج جينفر، وقد أتت الفتيات جميعاً لقضاء عطلة على الشواطئ الساحرة بروما.
رأى المنقذ من بعيد طفلاً صغيراً يغرق، فنزل على الفور لإنقاذه بعد أن انتبه له الجميع، ليتجمع الناس حول الفتى مغلق العينين وقاطع الأنفاس. ظل المنقذ يحاول إنعاشه دون جدوى حتى استسلم في النهاية.
اقتربت جنة منهم وتحدثت بالإنجليزية
هل لي أن أحاول؟
رد المنقذ بصيغة عملية
لا يبدو أن هناك فائدة من المحاولة!
نظرت له جنة بضيق ورددت بتأكيد
ولا يوجد ضرر أيضاً، فالضرر قد حدث بالفعل… وطالما أن النبض ما زال يعمل فلا داعي لليأس، فدعني أحاول.. أنا طبيبة طوارئ ولربما يفلح الأمر معي؟
ابتعد المنقذ عن الطفل لتظل هي تحاول إنعاشه بالتنفس الصناعي مرة تلو الأخرى وسط صراخ والدته، حتى لفظ الطفل الماء من رئتيه ليشهق بخوف، وتصرخ الأم بفرحة وهي تحتضن جنة وتحدثها بالإيطالية بكلمات غير مفهومة، لم تفهم منها جنة سوى كلمة الشكر، لتربت على كتفها وتعود لرفيقاتها.. كل هذا يحدث بمرأى ومسمع من ذلك المسحور بها والمغيب عن وعيه يراقبها عن بعد.
وفي المساء، حضرت الفتيات حفلاً ببهو الملهى الملحق بالفندق الذي يقمن به، ليمضي الوقت وسط مرحهن ورقصاتهن. ولم يغفل ذلك الواقف من بعيد يتابعهن بترقب؛ فكلما اقترب شاب منها ليدعوها للرقص أو للتقرب منها، ينتفض بفزع ليحاول ساعده الأيمن تهدئته
إهدى كده وبراحة مش عايزين شوشرة… وأديك شايفها بترفض من نفسها أي حد يقرب منها!
يردد سليم بحنق وغضب
مش قادر يا مراد… مش قادر اشوفها قدامي واشوف كل العيون دي عليها واسكت!
زفر مراد بنفاذ صبر وهتف
هتبوظ اللي بقالي شهور بخطط له… إهدى كده واعقل، ومتنساش إنها عايشة في أمريكا، يعني جايز جداً تكون ناسية مصر وكل حاجة عن مصر!
نظر له بغضب وعيون تطلق شرراً وهو يردد
أنت بتقول إيه يا بني آدم أنت؟ إذا كان خطيبها بتتعامل معاه بتحفظ، ده غير إن تحرياتك أكدت إن ملهاش علاقات ولا مصاحبة قبل كده!
مراد بحذر
أيوه بس التحريات مدخلتش جوه مخها عشان نعرف بتفكر إزاي، أنا عايزك تاخد بالك مش أكثر.
نظر أمامه فوجدها تتحرك للخارج بمفردها بعد أن شعرت بالاختناق من الدخان الكثيف وازدحام المكان، فوقفت في الهواء الطلق تستنشقه بعمق، حتى أوقف ذلك الهدوء صوتٌ رجولي محدثاً إياها بالإيطالية
هل أنتِ تائهة؟ أم تبحثين عن شيء؟
نظرت له ورددت بالإنجليزية
آسفة، أنا لا أتحدث الإيطالية.
لتنتبه لملامحه فور أن أدارت وجهها نحوه… نعم هو! نفس الملامح، ولكن مهلاً.. إنه يبدو أجنبياً، لربما كان شبيهاً له.
ابتسم لها وردد بالإنجليزية
كنت أقول لربما أنتِ تائهة أو تحتاجين إلى رفيق؟
نظرت له ببسمة رقيقة لتجيبه بإيجاز محاولة إنهاء الحوار معه
فقط أريد بعض الهدوء.
ردد بمزاح
يبدو أنني أزعجك؟
تجيبه جنة بخجل
لا… ولكني لا أحبذ التحدث إلى غرباء.
سليم ببسمة ساحرة وهو يمد يده ليصافحها
فلنتعرف إذن… أنا سليم.
نظرت إليه بدهشة بعد أن تأكدت من هويته العربية وشعورها أنه ربما يكون نفس الشخص الذي قامت بإنقاذه من أكثر من خمس سنوات، فهتفت بعيون ضاحكة تسأله
عربي؟
أجابها سليم بالعربية
مصري.. وأنتِ؟
جنة بضحكة رقيقة
أنا كمان مصرية.
جلس على الدرج الذي أمامه وردد برقة
حلوة جداً الصدفة دي، مع إن شكلِك مش مصري خالص!
جلست هي الأخرى بجواره تهتف
وأنت كمان شكلِك إيطالي ولغتك الإيطالي كويسة جداً، واضح إنك بقالك فترة عايش هنا.
ردد سليم بصوت غلفه الشجن
لا مش بالظبط، بس معظم شغلي هنا فبضطر أجي كل شوية.
نظر لها سليم بإصرار وردد
طيب مش هتقوليلي على اسمك؟
رددت بخجل
جنة.
ارتسمت بسمة ساحرة على وجهه وردد بإطراء
اسم جميل.. عاشت الأسامي يا جنة. ولا تحبي ألقاب؟ أقولك يا آنسة وتقولي يا استاذ؟
ضحكت جنة ضحكة جعلت قلبه يذوب مكانه، ورددت بصوت أسر فؤاده
لا لا… لا آنسة ولا استاذ.
ابتسم سليم ابتسامة واسعة وردد
حلو جداً… ممكن أعزمك على مشروب؟
نظرت له جنة بقلق وتخوف، فهي لا تريد الاقتراب من أي رجل، حتى وإن كان هو الرجل الوحيد الذي هاجم خيالاتها، فرددت وهي تقوم من مكانها تهم بالمغادرة بتعجل
لا شكراً… أنا لازم أرجع عشان صحابي ميقلقوش عليا، وفرصة سعيدة!
اختفت عن أنظاره في لمح البصر وهو جالس مكانه لا يصدق أنه حدثها وجلس إلى جوارها واشتم عبيرها وضحك معها، لينهر نفسه عن تأخره في إيجادها؛ فهي كما تخيلها عقله تماماً.
أفاق من شروده على صوت مراد هاتفا بمرح
لااا… ده الموضوع باين عليه بجد ولا إيه؟
أجابه سليم بحنق
أنت عبيط يا بني؟ أمال بهزر؟! بقالي أكثر من خمس سنين بفكر فيها وبرسمها عشان أحفظ ملامحها ومنسهاش، وتقولي باينة بجد؟!
ابتسم مراد بحبور وردد
طب إيه؟ نكمل ولا لقيت دخلة تانية؟
ردد سليم بحيرة
سيبني لبكرة كمان وهبقى أقولك.
في قصر الراوي بالصعيد
ارتدت قمر ثيابها واتجهت لأسفل حتى تذهب لبيت أبيها لترى أبناءها، فقد فاق اشتياقها لهم حد الألم.
وفور أن وصلت لأعتاب الباب، تسمرت مكانها على وقع صوت فاطمة الجاد والهادر بحدة
على فين؟ وكالة من غير بواب هي ولا إيه؟!
التفتت تنظر لها باحترام تحاول أن تنفذ أوامر زوجها بالتحمل حتى يحبها أهل البيت، فابتسمت لها برقة تردد بأدب
متآخذنيش يا حاجة… أني كنت رايحة دار أبويا.
ارتفع حاجبها ووسعت عيناها بلمعة من السخرية تهتف بخبث
رايحة دار أبوكي أكده؟ من غير ما تاخدي الإذن من كبير الدار اهنه؟ إيه.. مالكيش لا ظابط ولا رابط عاد يا بت الحديدي؟!
ابتلعت إهانتها بغصة مؤلمة، فرددت بصوت هادئ حاولت اكتسابه
أخدت إذن جوزي يا حاجة فاطمة.
ضحكت عالياً باستخفاف واقتربت منها وأمسكت ذراعها بقسوة، ورددت بغضب قاصدة إيلامها
الكل اهنه بياخد إذن الكبير يا بت الحديدي حتى المحروس جوزك، فاهمة؟!
أطرقت رأسها وحركتها دليل على خضوعها وموافقتها على الأمر، فدفعتها فاطمة بحدة ورددت بازدراء
يلا غورى اطلعي أوضتك، لما يبقى سي فرج ييجي من بره إبقي خدي منه الإذن عاد!
نظرت لها قمر بحزن وضيق ظاهر على ملامحها، فصرخت بها تحركها
جلت غورى قامت قيامتك.. جبر يلمك أنتِ وعيلتك واحد واحد!
هنا لم تحتمل قمر الإهانة أكثر من ذلك، فسحبت نفساً عميقاً وزفرته بحدة مهددة بخروج بركان ثائر، إلا أن فاطمة لم تهتم لشكلها الغاضب وسخرت منها تردد
لا والله خفت إياك يا بت الحديدي بشكلك ده؟! جلت غورى اطلعي أوضتك ومش عايزة ألمح ضفرك حتى!
صرخت بها قمر بحدة
عيب أكده يا حاجة… ميصحش تغلطي فيا وفي أهلي بالشكل ده، بس أني هعمل حساب إنك ست كبيرة ومش هرد عليكي عاد!
اندفعت فاطمة نحوها بحدة وأمسكت بطرف وشاحها تدفعها بقسوة، فتراجعت قمر واختل توازنها لتسقط على الأرض متألمة، بينما صرخت فاطمة بصوت حاد غاضب
لسه متخلقش اللي يتحدت أكده مع فاطمة الراوي يا بت الحديدي… فاهمة ولا أفهمك بطريقتي عاد؟!
صدح صوتهما في أرجاء القصر، حتى دلف كل من فرج وسليمان


