جنتي بقلم الكاتبة اسما المصري ج١

لمحة نيوز
على حديثها وهتف بصوت هادئ اطلعي أوضتك خدي شاور وارتاحي شوية، وأنا هخلي مدام أنيتا تجهزلك العشا.
ابتسمت له ونهضت تقبله من وجنته ورددت بحب أنا جعانة نوم يا حبيبي… تصبح على خير.
صعدت غرفتها وملأت حوض الاستحمام بالماء الدافئ واضعة به السوائل العطرية حتى تساعدها على الاسترخاء، وجلست به تسند رأسها على مسند الحوض تغمض عينيها، فيضيع عقلها في دوامة من الذكريات.
كانت هبة والدة جنة دائمة الشجار مع والدها وتحججها بأنها غير سعيدة معه ولا تريد الاستمرار، لينزل حديثها على محسن كحد السيف يشطره نصفين.
تمر الأيام وتظل والدتها تطلب الطلاق من أبيها في كل فرصة وهو يمتنع حتى لا تربى ابنتها بعيدة عنه، حتى أعلنت له زوجته بوضوح عدم رغبتها في الاستمرار وأنها تريد الانفصال التام لبدء حياة جديدة بعيداً عنه وأنها ستترك ابنتها تعيش معه، فيوافق على طلبها للطلاق.
تظل جنة تتذكر لحظاتها التعيسة في بيت والدتها بعد أن خدعت والدها وأخذتها لتعيش معها.
فلاش باك
تجلس هبة مع زوجة أخيها تتحدث معها ببعض الأمور الخاصة بالسيدات، فتنظر لابنتها بضجر وتردد بحدة ما تقومي يا بنتي تلعبي مع ولاد خالك، وأنتِ قاعدة كده!
تجيبها الصغيرة جنة بضيق طفولي مش بحب ألعب مع صبيان، لعبهم وحش.
تنظر لها والدتها بمهادنة وتردد أيوه يا حبيبتي بس دول مش صبيان غُرب، دول ولاد خالك… قومي بقى خليني اعرف أخد راحتي.
تذهب جنة ذات العشرة أعوام لتنفيذ أوامر والدتها لتلعب مع أبناء خالها، فيقترب منها ابن خالها الأكبر يزن ويتعامل معها بقسوة وأسلوب مزعج يفتقر للبراءة، مما بث في نفسها الخوف والرهبة الشديدة، وزرع بداخلها حاجزاً نفسياً ودفاعاً قوياً ضد التعامل مع الرجال مستقبلاً.
أفاقت من نومها بفزع بعد أن ابتلعت المياه من حوض الاستحمام لتتدارك نفسها، فقد نامت ويبدو أنها لم تشعر بجسدها وهو يغوص في المياه.
وقفت تتلفح بمنشفة قطنية كبيرة وأخذت تتطلع لجروح قديمة بطول ذراعها الأيمن لتصبح علامات دائمة تذكرها بيوم خروجها من بيت زوج أمها.
فلاش باك
هربت جنة أخيراً من منزل زوج أمها بعد أن أتمت العشرين عاماً، ومحاولاتها مراراً وتكراراً أن تخبر أمها عن قسوته وسوء معاملته لها، ولكن الأخيرة أبت أن تصدقها أو حتى تستمع لها، لتخرج جنة بعد إدحارها القليل من المال قاصدة محافظة الإسكندرية لتقيم عند خالتها، تلك السيدة الحنون التي تعاملها خير معاملة.
نظرت لها خالتها بقلق وحيرة إيه اللي جايبك بالمنظر ده؟ وإيه اللي عمل كده في إيدك يا جنة؟
أجابتها جنة تقص عليها ما حدث في طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي حادثة كبيرة أوي يا خالتو… والعربية كانت مولعة والراجل كان هيموت محروق، قربت أنا من العربية ودخلت إيدي من الشباك عشان أفكله حزام الأمان وأطلعه، بس بواقي الإزاز بهدلتلي إيديا زي ما أنتِ شايفين.
ضربت بكفها على صدرها تردد بخوف وبعدين… لحقتي الراجل ولا جراله إيه؟
أومأت بفخر تردد اه يا حبيبتي لحقته وخرجته من العربية بس لقيت الميكروباص اللي راكبة فيه هيمشي ويسيبني، فركبت ومستنيتش الإسعاف تيجي.
احتضنتها بحب تردد وهي تقبلها من رأسها خير ما عملتي بمجيكِ هنا.
عادت من ذكرياتها ترتدي ملابس النوم وتتكئ على فراشها تعدل الوسائد لتذهب في نوم عميق، لا يخلو من كوابيس تتمنى لو أنها أحلام وليست حقيقة.
في منزل الحاج تهامي الحديدي
جلس يقص ما حدث بجلسة الصلح لزوجته وأزواج بناته، فتستمع قمر لحديث والدها بضرورة زواجها من ابن عائلة الراوي، فتنتفض بغضب تردد ليه وافجت يا بوي؟ أني رخيصة عندك أكده؟
نظر لها بدهشة وردد بحزن رخيصة كيف يا بتي؟ ده أنتِ آخر العنقود سكر معقود يا جمر.
ابتسمت بسخرية تردد بتأكيد ولما تجوزني لولد الراوي اللي لسه ابنهم دمه مبردش… تفتكر هيعملوا معايا إيه ولا هيتعاملوا معايا كيف؟ ده مش بعيد يسودوا عيشتي يا بوي، ده غير إنه أكيد متجوز يعني كمان…
قاطعها أخوها لا مش متجوز ولا سبقله الجواز، يعني أنتِ هتكوني أول بخته عاد.
زفر تهامي بضيق واقترب منها يربت على كتفها بحنان أبوي وهو يهتف بتأكيد متخافيش… أني مش هسمح لحد يمسك ولا يجرب منك طول ما أنا عايش على وش الدنيا، بس أنتِ كمان لازم ترفعي راسي عاد… اوعي يا بتي تركبيني العار.
أطرقت رأسها بخنوع واستسلام تردد بحسرة حاضر يا ابوي، بس هعمل إيه في عيالي؟
نظر لها بحيرة وهتف مؤداً عيالك هيفضلوا اهنه مينفعش يروحوا معاكي هناك، وأني هتكلم معاهم عشان تبقي تشوفيهم كل سبوع.
بكت وانتحبت تردد بحزن هتحرم من عيالي يا بوي؟ هشوفهم كل سبوع؟ ده لو وافجوا!
أجابها جابر يطمئنها متخافيش يا خيتي… أني هأكد عليهم الحكاية دي.
أومأت موافقة باستسلام، فمتى كان لرأي المرأة أهمية في تلك المجتمعات التي تتعامل معها على أنها خلقت لتكون تابعة.
في منزل الحاج فرج الراوي
جلس سليم كالأسد المجروح يشعر بأنه مقيد من يديه لا يستطيع المناص؛ فمن ناحية يريد أن يثبت أنه يهتم لأمر العائلة حتى تنتهي العداوات بينه وبين عائلته ويستطيع أبوه أن يفتخر به، ومن ناحية أخرى فهو قد علم مكان من شغلت عقله وتفكيره بعد أن أخبره مراد بذهول أنا مكنتش مصدق إنه ممكن ييجي اليوم وأشوفها على الحقيقة مش في الرسومات اللي بترسمها!
ترقب سليم حديثه واعتدل بجلسته ونظر له بحيرة يردد أنت بتقول إيه؟
أجابه مراد وهو يفتح شاشة هاتفه على صورتها وهي تخرج من المشفى الذي تعمل به أنا خليت رجالتنا تدور في المنطقة هناك ويسألوا عليها بصورتها اللي أنت راسمها وفعلاً عرفت كل حاجة عنها.
انتفض سليم ينظر له ويعاود نظره لشاشة الهاتف فيختطفه منه ويظل يحدق به بصورة كبيرة وكأنه يريد التأكد أنه لا يحلم، فعاد ينظر لمراد يردد بلهفة حقيقية أنت… أنت لقيتها فين؟ وهي فين و… أنا…
ظل يتلعثم بحديثه فهدأه مراد يحدثه باستفاضة اهدى وأنا أحكيلك.
نظر سليم حوله بترقب وردد بحذر لا مش هنا… تعالى نقعد في المندرة.
اتجه معه بصمت وهدوء، وفور أن دلفا صرخ به سليم بلهفة عايز اعرف كل حاجة عنها… هي مين وأهلها وبتعمل إيه في أمريكا وعندها كام سنة؟ و…
صمت قليلاً وعاد ينظر للهاتف فيجدها ترتدي ثياب المشفى فهتف ببسمة شكلها دكتورة… اتكلم يا مراد واحكيلي!
ضحك مراد بصخب وردد والبسمة ترتسم على وجهه هو أنا لاحق اتكلم… ما تهدى وتقعد عشان تسمع!
حاول تمالك نفسه وجلس يستمع لما يخبره به رفيقه، فردد الأخير بعد ما رجعنا مصر قعدت أنا أفكر إنها لو فعلاً كانت موجودة في نيويورك وبالتحديد في المكان اللي شفتها فيه ف أكيد هتبان في كاميرات المراقبة بتاعة الفندق أو المستشفى اللي قصاده.
نظر له يحاول قراءة تعابيره ولكنه وجده صامتاً ينصت باهتمام، فاستطرد بعت صورتها اللي أنت راسمها لحبايبنا هناك يدوروا عليها، وفعلاً بمجرد ما فرغوا كاميرات المراقبة ظهرت فيها كويس جداً وأكثر من مرة كمان.
ابتلع لعابه لإجلاء صوته وردد ببسمة عايز تعرف بياناتها؟
هدر به سليم صائحاً ما تنطق يا بني آدم!
ردد مراد الاسم جنة محسن الصاوي، السن 26 سنة، المهنة



