جنتي بقلم الكاتبة اسما المصري ج١

دكتورة طوارئ بمستشفى بيلفيو العام… وحيدة أبوها وعايشة معاه من خمس سنين، وقبل كده كانت في مصر مع والدتها.
نظر له سليم بنظرة مبهمة وملامحه توحي بالضيق وردد بصوت هادئ متجوزة؟ أو مخطوبة؟ أو مرتبطة؟
صمت، فنظر له مراد وردد بتأكيد كل اللي يعرفها بيقول عنها إنها في حالها وملهاش صحاب نهائي من الجنس الآخر، وأي راجل في حياتها بيكون في حدود الزمالة وبس، ولا ليها علاقات ولا في أي ارتباط رسمي أو غير رسمي بأي حد، ومش مصاحبة غير بنتين بيشتغلوا معاها في المستشفى واحدة اسمها رايتشيل والتانية جينفر وبس كده.
تنهد سليم ببطء وأخذ يزفر دخان سيجارته التائهة وهو يلعن حظه العثر الذي أبعده عنها بعد أن وجدها، وها هو الآن مضطر للزواج بغيرها حتى دون أن يتقابل معها ويتأكد هل هي فعلاً من كانت بالحادث وقامت بإنقاذه من الموت أم لا.
مرت أيام وعائلة الراوي في انتظار تنفيذ عائلة الحديدي لأوامر كبار البلدة بتقديم كفن الصغير عيسى حفيد تهامي الحديدي حتى يتم الصفح عن الأخذ بالثأر.
جلس الجميع بقصر العائلة الضخم وسط حنق ورفض الغالبية لقبول ذلك الأمر المخذي، فهتف فرج بعد نفاذ صبره بحدة خلاص اللي حُصل حُصل عاد وممنوش راجعة!
هتف سليمان يردد وأنت يا بوي بمقامك العالي ده هتجف لحتة عيل صغير تاخد منه كفنه؟
نظر له فرج بحيرة فأجابه سليم بذكاء محدش في الجلسة قال أكده… إحنا نطلعوا أي حد يستلم الكفن ده.
زفر عوض عمه الأصغر يردد بحيرة مين عاد اللي هنطلعه؟ أي حد من العيلة مقامه كبير جوي إنه ياخد كفن عيل صغير!
ردد سليم وبسمة خبيثة ترتسم على وجهه واحدة من حريمات الدار هي اللي تستلم الكفن، وأظن مفيش رد يوجع ويقل منهم أكبر من ده!
أعجب الجميع بفكرته الماكرة، فهتف فرج بتأكيد خلاص، يبقى فاطمة مرتي هي اللي تاخد الكفن.
وبالفعل وقفت الحاجة فاطمة تستلم كفن الصغير من يده، وسط شعور عائلة الحديدي المرافقة للطفل بازدراء كبير من تلك الفعلة، ولكنهم آثروها في أنفسهم حتى لا يفتعلوا المشاكل مرة أخرى، فقوات الأمن تحيط القصر من جميع الاتجاهات لتأمين التصالح.
بعد مرور شهر أو بالتحديد أربعين يوماً على وفاة سيد الأخ الأكبر لسليم، اجتمعت البلدة بحديقة منزل كبير عائلة الحديدي الحاج تهامي الحديدي لحضور كتب كتاب ابنته قمر على سليم الراوي.
جلس سليم وإلى جواره عائلته في انتظار حضور المأذون، وجلست السيدات من العائلتين بداخل المنزل حتى حضرت العروس تتزين بثوب مناسب وبراق.
اقتربت عمات سليم منها يهنئونها ويلبسونها المصوغات الذهبية كعادتهم، وفعلت أخواته البنات بالمثل. أما زوجة أبيه فكانت تنظر لهم بازدراء، فأمسكت بكف قمر ووضعت به المصوغات المفترض أن تكون شبكتها وهديتها من عريسها ورددت بحنق سليم قال لي أختارلك أنا الدهب.
نظرت لها بخجل ورددت برقة تسلمي يا أم العريس.
هتفت بحدة أني مش أم العريس يا حبيبتي… أني مرت أبوه.
تلعثمت بتردد وهي تنظر لأسفل، فتداركت والدتها الخطأ وهتفت تصحح الأمر أيوه يا حاجة فاطمة… عارفين يا ختي إن العريس يبقى ابن المصراوية.
لمعت عيناها بضيق ملحوظ وكادت أن تصرخ بهن جميعاً، ولكن قطع ذلك دخول ابنها سليمان ومعه جابر ابن الحاج تهامي وأخو العروس ليتنحنحا بحرج حتى تغطي النساء وجوههن، واقتربا من العروس ليسألها أخوها بجدية المأذون بيسألك يا خيتي… مين وكيلك؟
رفعت بصرها تنظر لأخيها من خلف وشاحها ورددت بصوت منكسر ابوي.
أومأ برأسه وهو يشعر بغصة تضرب صدره، فهو يعلم تمام العلم أن أخته الصغرى قد أصبحت كبش الفداء لعائلته.
لم يغفل سليمان عن التحديق بعروس أخيه، فلاحظ رقتها واستشف ذلك من عذوبة صوتها فابتسم يحدث نفسه محظوظ يا ولد المصراوية!
خرجوا للحديقة لإتمام الزواج، فقبض سليم على أصابعه وهو يعلم أنه مضطر أن يضع يده بيد عائلة الحديدي، فاقترب منه رفيقه مراد يهدئه و يردد بصوت هامس اهدى يا صاحبي… يوم ويعدي.
بتذمر أومأ برأسه موافقاً ومد يده يمسك بيد الحاج تهامي ليبدأ عقد القران، وفور انتهائه وقف أحد حراس عائلة تهامي يخرج سلاحه ليطلق الأعيرة النارية احتفالاً، ولكن أو قفه صوت سليم الهادر مفيش لا ضرب نار ولا طبل ولا زمر عاد، وأنا دم أخوي لسه مبردش في تربته!
انحنى الحارس باحترام وأكد تهامي على كلامه متأخذناش يا ولدي… أصله جاهل وميفهمش في الأصول.
قوس سليم فمه واقترب من تهامي يردد بغضب مكتوم يا ريت تفهم الكل إن الدخلة كمان مش هيكون فيها لا طبل ولا زمر.
بحركة رأس وافق تهامي طبعا يا ولدي… إحنا بنفهموا في الأصول.
خرج الجميع من منزل الحديدي بعد إتمام عقد القران ولم يهتم سليم حتى أن يرى زوجته، فارتمت قمر على المقعد تبكي بحرقة ده حتى مطلبش تشوفني حسب شرع ربنا يا بوي!
ردد تهامي بجدية خلاص يا بتي عاد… ملوش لازمة الكلام والبكى.
في القاهرة..
بإحدى القصور الفخمة بأرقى أحياء القاهرة، جلست السيدة شادية الجندي جدة سليم تتحدث مع ابنتها سالي وهي تحتد في حديثها قلتلك هبلغ سليم لما ييجي يا سالي، بطلي زن بقى!
زفرت سالي بضيق تردد أيوه يعني امتى طيب؟ مجدي كل شوية يسألني وأنا بصراحة مبقتش عارفة أقوله إيه؟ أقوله ابن اختي مطنش ومش عايز يشغلك معاه؟
هتفت شادية بضيق هو لا مطنش ولا حاجة، أنا بلغته في التليفون وقال لي أول ما ينزل على مصر هيشوف الموضوع.
لم تكمل حديثها حتى استمعت لصوت مكابح سيارته تدلف للقصر، فهرعت بلهفة وهي تغلق المكالمة اقفلي بقى أحسن سليم جه.
وقف سليم فور أن رآها تقف بانتظاره، فاقترب منها وانحنى يقبل يدها وهي تربت على رأسه ليردد بشوق وحشتيني أوي يا جدتي… أخبارك إيه؟
قبل جبينها وردد معتذراً عن غيابه، وجلس على الأريكة ليقص عليها ما مر به من مشاكل الثأر وموت أخيه وزواجه الإجباري، وكذلك ما عرفه عن الفتاة التي أنقذته.
استمعت له شادية بحنان واحتضنته، ثم سألته وعمتك سالي كانت بتكلمني عشان جوزها…
قاطعها يستطرد خلاص يا جدتي… خلي جوزها يعدي عليا بكرة في الشركة وأنا هشغله.
قبلته ورددت ربنا يرضى عليك يا بني.
في نيويورك..
اشتد القلق على محسن بعد أن أخبره رفيقه يحيى بما يدور من أقاويل وشائعات في المشفى عن ابنته بسبب رفضها الدائم للارتباط.
اقتربت جنة من والدها الراقد على فراش المرض تحاول التحدث له، فصرخ بها بحدة ومين اللي إداهم الفرصة يتكلموا كده؟ مش أنتِ اللي لا عايزة تفرحي قلبي ولا تطمنيني عليكِ؟
دمعت عيناها من قسوته معها، فجلست بجواره تربت عليه وهي تردد إيه اللي يرضيك وأنا أعمله؟
أجابها دون تردد تتخطبي لياسر، على الأقل الشائعات دي تروح.
ابتلعت لعابها بضيق وألم ورددت باستسلام موافقة بس…
قاطعها والدها لو أنتِ موافقة يبقى الخطوبة تتعمل دلوقتي، والجواز بعد ما تخلصي الرسالة بتاعتك.
زفرت بضيق وأجابته حاضر يا بابي… اللي تشوفه.
وبالفعل تم خطبة جنة وياسر في حفل ضم الأصدقاء والمقربين.
عاد سليم يباشر أعماله فسافر إلى إيطاليا ليُكمل صفقة تجارية، وهناك قابل الذراع الأيمن لرئيس المنظمة التي يتعامل معها ويدعى روبيرتو، ليتحدث معه
سليم بالإيطالية بطلاقة وينتهي من عمله بنجاح.
بعد الانتهاء من الأعمال خرج سليم برفقة مراد للسهر بأحد المطاعم ب روما، وفي تلك اللحظة وصلت رسالة لهاتف مراد الذي لمعت عيناه بالضيق، فنظر له سليم بتفحص يسأله باهتمام في إيه؟
ابتلع مراد لعابه بغصة وخوف وردد أخبار ممكن تضايقك… جنة اتخطبت انهارده!
انتفض من مجلسه ونظر له بغضب وردد بصورة هادرة أنت بتقول إيه؟ أنت مش قلتلي إنها مش مرتبطة؟!
أجابه بجهل مش عارف إيه الحكاية، والرجالة هناك متابعينها خطوة بخطوة… صدقني مش فاهم!
نظر له بغضب وردد بقسوة الغلطة دي حسابها عندي كبير ومش هعديهالك، لأن المفروض كنت تعرف قبل الخطوبة مش بعدها!
ثم أردف سليم بصيغة آمرة احجز لنا أول طيارة على نيويورك، ولو مفيش احجز طيارة خاصة!
أومأ مراد بالموافقة في خضوع، ليتجها بعد ساعتين للمطار ومنه إلى نيويورك…
كم يشعر المرء بالوحدة حتى وهو محاط بعشرات، بل مئات البشر! شعورٌ قاسم يتأصل بداخله ويزداد ضراوة، حتى يعتاد عليه تدريجيًا، ويتعامل مع وحدته وكأنها ملاذه الأخير وسياجه المنيع.
ظلت جنى متقوقعة داخل شرنقتها، تأبى الخروج منها حتى بعد إعلان خطبتها المزعومة من ابن رفيق والدها. جاهد الأخير أن يشعرها بحبه واهتمامه، لكنها ظلت كما هي جامدة، قوية، وقاسية لأبعد حد.
اجتمع محسن برفيقه يحيى وابنه ياسر على عشاء مُنمّق بدعوة من عائلة يحيى، لمحاولة التقريب بين جنى وياسر.
دلفت ميهادالأخت الصغرى لياسرومعها والدتها يسرا لتستقبلا جنى بحرارة أهلاً يا جنى يا حبيبتي… وحشاني خالص!
أجابتها جنى وهي تحاول رسم ابتسامة زائفة على شفتيها إزّاي حضرتك يا طنط؟
ثم وجهت نظرها لميهاد وهتفت إزيك يا ماهي؟ عاملة إيه؟
أجابتها الأخرى بعبارة إنجليزية عفوية لم أكن بحال أفضل من الآن!
هدر بها والدها يحيى يوبخها بحزم قلت مية مرة.. مفيش كلام غير بالعربي طول ما إحنا في البيت، متنسوش لغتكم وأصولكم!
ردت ميهاد بدلال يا بابي إيه المشكلة؟ دول كلمتين خرجوا بعفوية مش مقصودة يعني!
رد يحيى بتأكيد ما أنا لو سبتكم للعفوية دي هتنَسوا العربي خالص!
وسط مجادلات يحيى مع ابنته، اقترب ياسر من جنى ثم ردد برقة أنتِ وحشاني جداً جداً!
تجاهلت قربه وأدارت وجهها للجهة الأخرى، فنظر إليها محاولاً الحديث بانسجام أكبر، لتبدأ مشاعر الغليان تجتاح جسدهامن فرط اشمئزازاً ونفوراً. نهضت فوراً واتجهت نحو الشرفة، فنظر في أثرها بضيق وتبعها للخارج.
اقترب منها محاولاً فرض وجوده بحديثه، فتراجعت خطوة للخلف وهي تنظر إليه بنفور صريح. أخرج سيجارته وبدأ يدخنها بضيق، ثم ردد بحدة أنتِ في حد تاني في حياتك؟
التفتت تنظر إليه بتعجب ودهشة وهتفت ده اللي هو إزاي يعني؟ مش فاهمة!
أجابها بضيق مفيش تفسير للي أنتِ فيه ولطريقتك معايا غير كده!
سخرت منه وركّزت نظراتها فيه لو أنت شايف كده لمجرد إني رفضت تجاوزك معايا.. يبقى براحتك!
احتدت تعابيره ونظر إليها بإصرار قائلاً مفيش حاجة اسمها براحتك! أنا لازم أعرف.. أنتِ يا زي ما الناس بتقول عليكِ إنك معقدة وعندك جفاء غير طبيعي، يا إما في حد تاني في حياتك، لأن الطريقة دي مش طبيعية!
تضايقت بشدة من تطرقه لنفس الشائعات والأقاويل التي كانت سبباً في إجهاد والدها ومرضه، فأجابته بنفس الحدة والنفور وليه مقتنع إن العيب فيّا وما تقولش إني مش حباك أنت بالتحديد؟!
نظر لها بتعجب وهتف وده بسبب إيه؟ أنا ألف واحدة تتمناني!
ابتسمت بسخرية وهي ترد مغرور.. وغرورك ده السبب في اللي أنت فيه. كل الحكاية إني مش واخدة عليك، وتربيتي ما تسمحليش إنك تتجاوز حدودك معايا بالشكل ده.. بس أنت عيشتك هنا في أمريكا نَسيتك الأصول والدين.
أنهت حديثها واتجهت للداخل لتجلس مع بقية العائلة، حاسمةً أي حوار آخر قد يؤزم الوضع بينهما أكثر.
أصعب شعور قد يواجهه المرء هو الضياع وعدم الانتماء.. أن تشعر وكأنك غريب ومرفوض، فتبحث عن طوق نجاة تخرج به مكنوناتك. قد يتمثل ذلك في هواية تحاول بها رسم معالم شخصيتك، أو أسلوب حياة تبدو فيه قوياً بخلاف ما يثور بداخلك.. أو إنسان تعتبره ملاذك وقبلتك.
وأصعب من ذلك، هو فقدان ذلك الملاذ حتى وإن كان وهمياً.. خفياً. وقتها يشعر الإنسان بالضياع كطفل اكتشف فجأة أن أساطيره الجصية ليست حقيقية!
وظل سليم جالسًا في الطائرة يشعر بهذا الضياع. كان يتمنى لو لم يجدها من الأساس؛ فذلك كان أهون بكثير من فقدانها بتلك السرعة قبل أن تعلم حتى بوجوده.
أخذ ينظر لساعته.. لماذا لا يمر الوقت؟ أصبحت الرحلة من أوروبا إلى أمريكا دهراً؟ أسند رأسه للخلف لتخرج منه تنهيدة عميقة ملأى بالألم. لاحظ رفيقه مراد حالته، فتربت على يده مستكشفاً إهدى يا سليم.. كل حاجة ولها حل.
نظر له بعيون مجهدة أرهقها الانكسار، وقال بهزيمة ضاعت مني قبل ما تعرف بوجودي.. قبل ما أقف قدامها وأقولها أنا استنيت اللحظة دي قد إيه!
ردد مراد بتأكيد صدقني هتتحل.. ولو عايزنا نخفي اللي خطبها ده من وش الأرض وما يبقاش له أثر.. سهلة!
نظر له سليم بحدة ونبرة حاسمة أوعى تعمل كده! أوعى حد يقرب منه.. أنا أقدر أتحمل أي حاجة إلا إني أكسر قلبها أو أوجعها.
نظر له مراد بدهشة واستطرد متسائلاً أنت بتحبها يا سليم؟ بتحب واحدة لا تعرفها ولا تعرفك؟! طب إزاي؟!
اعتدل سليم في جلسته وعقله يستحضر ملاك ملامحها أنا مش بس بحبها.. أنا حاسس إني عايش عشانها. كان نفسي ألاقيها وأخدها أخبيها عن العالم كله.. بس…
قاطعه مراد بحسم من غير بس.. لو ده اللي أنت عايزه، يبقى هيحصل.
رد سليم بخوف وتردد بس بشرط.. من غير ما تتوجع أو تتكسر.
أومأ له مراد بموافقة مطلقة وانصياع تام.
خرجت جنى من المستشفى بضيق، تتلفت حولها حتى وجدته واقفاً يستند إلى سيارته مطبقاً يديه وشابكاً نظارته الشمسية أعلى رأسه.
اقتربت منه بغضب وتردد بحدة هو أنت فاضي ولا إيه؟ كل شوية تجيلي الشغل؟!
ابتسم لها ياسر وهتف بنبرة معسولة بتوحشيني.. طيب أعمل إيه؟
نظرت له بضيق وحذرته برفع سبابتها اسمع يا ياسر.. أنا ورايا شغل وأرواح ناس بين إيديا، ومينفعش كل شوية تجيلي كده.. أنا مش بلعب!
تضايق من جفافها معه وردّ بصوت حزين ومستاء ماشي يا جنى.. بس خلي بالك، أنا مش


