جنتي بقلم الكاتبة اسما المصري ج٣

لا تجالس أنصاف العشاق، ولا تصادق أنصاف الأصدقاء، لا تقرأ لأنصاف الموهوبين، لا تعش نصف حياة، ولا تمت نصف موت، لا تختر نصف حل، ولا تقف في منتصف الحقيقة، لا تحلم نصف حلم، ولا تتعلق بنصف أمل، إذا صمتّ.. فاصمت حتى النهاية، وإذا تكلمت.. فتكلّم حتى النهاية، لا تصمت كي تتكلم، ولا تتكلم كي تصمت.
إذا رضيت فعبّر عن رضاك، لا تصطنع نصف رضا، وإذا رفضت.. فعبّر عن رفضك، لأن نصف الرفض قبول.. النصف هو حياة لم تعشها، وهو كلمة لم تقلها، وهو ابتسامة أجّلتها، وهو حب لم تصل إليه، وهو صداقة لم تعرفها.. النصف هو ما يجعلك غريباً عن أقرب الناس إليك، وهو ما يجعل أقرب الناس إليك غرباء عنك.
النصف هو أن تصل وأن لا تصل، أن تعمل وأن لا تعمل، أن تغيب وأن تحضر.. النصف هو أنت، عندما لا تكون أنت.. لأنك لم تعرف من أنت، النصف هو أن لا تعرف من أنت.. ومن تحب ليس نصفك الآخر.. هو أنت في مكان آخر في الوقت نفسه.
نصف شربة لن تروي ظمأك، ونصف وجبة لن تشبع جوعك، نصف طريق لن يوصلك إلى أي مكان، ونصف فكرة لن تعطي لك نتيجة.. النصف هو لحظة عجزك وأنت لست بعاجز.. لأنك لست نصف إنسان.
أنت إنسان وجدت كي تعيش الحياة، وليس كي تعيش نصف حياة ليست حقيقة الإنسان بما يظهره لك.. بل بما لا يستطيع أن يظهره، لذلك.. إذا أردت أن تعرفه فلا تصغِ إلى ما يقوله.. بل إلى ما لا يقوله.
جبران خليل جبران
لم يقبل سليم طوال حياته بأنصاف الحلول، فإما الكمال أو لا شيء. لذا فقد وقف أمام معشوقته، يمسك يديها وينظر لعينها، وفجأة ركع على ركبة ونصف، وأسند جسده على إحدى ساقيه، ورفع بصره ناحيتها وهتف بصوت ناعم ورقيق
طوال حياتي لم أشعر بذلك الذي ينبض بداخلي سوى أنه يؤلمني، وأنا أكره الشعور بالألم، ولم يذهب ذلك الألم سوى بوجودك يا جنة، لذا أنا آسف، فلن أضيع الوقت، ولن أرتضي بأنصاف الحلول، ولن أتمهل بعلاقتنا كما طلبتِ.
انتظر أن يرى تعابير جسدها حتى يطمئن قلبه، ولكنها كانت تنظر له بنظرة هائمة أعطته الثقة بنفسه أكثر وأكثر. وضع يده بجيب سترته وأخرج علبة قطيفة تحمل شعار أشهر ماركات الألماس، وبداخلها خاتم مرصع بفص ضخم.
ردد بصوت غلفه الشجن
هل تقبلين بي يا جنة؟ تقبلينني كحبيب وزوج وأخ وسند؟ هل تقبلين أن نكمل ما تبقى من حياتنا معًا، وأن لا نضيع الوقت أكثر من ذلك؟.
طبول.. طبول تقرع بداخلها ولا تعلم كيف تسكتها. طوال حياتها كان يتفق قلبها مع عقلها، لكن الآن فالقلب يريد شيئًا والعقل يأبى أن يتركها تشعر بتلك السعادة، فيرسل لها إشارات من الماضي وخذلان الحب.
لكن لحظة.. هذا الراكع أمامها قد فعل المستحيل وتحدى العقبات، كما قال لها سأهدم أي جدار يقف بيني وبينك. فلم لا تعطيه فرصة؟
لحظة.. فرصة!! ماذا إذا خذلها أو تخلى عنها فيما بعد؟ ماذا إذا أمسك يدها الآن وعاد ليتركها عند أول مفترق طرق؟
ظل عقلها وقلبها يتصارعان حتى دفعتها رايتشيل تهتف بمرح
أجيبي أيتها المعتوهة، فالرجل جالس أمامك، ماذا دهاكِ يا جنة؟.
عادت لواقعها تنظر لذلك العاشق الولهان، فبكت من فرط السعادة. فانتفض سليم واقفًا يمسح عبراتها ويهدئها قائلًا بصوت حنون
أنا آسف.. لا تبكي، خلاص انسى اللي قلته، أنا فقط أحبك لدرجة أنني…
قاطعت حديثه تمسح عبراتها وتنظر له بتسلية
واضح جدًا تمسكك بي، من أول لحظة تراجعت في كلامك!
ابتسم يردد
أبدًا.. مستحيل.. عمري ما أتراجع أبدًا، لكن ممكن أعطيكِ وقتًا أكبر شوية لو ده هيريحك.
أجابته بالإنجليزية
وأنا موافقة.
لمعت عينه وفقد النطق فور حديثها لتكمل
موافقة أن أتزوجك يا سليم الراوي، شرط أن لا تترك يدي أبدًا مهما حدث بيننا، أن نظل يدًا واحدة لا نفترق أبدًا.
ابتسم بفرحة ليشعر بنبضات قلبه ستخرج من صدره، فأخرج الخاتم وألبسها إياه وهو يردد بتأكيد
موافق.. وسألزمك بهذا العهد يا جنة، وتذكري تلك اللحظة، أنا أعاهدك أن لا أترك يدك إلا وأنا في قبري، فهل تعاهدينني بالمثل؟.
أومأت برأسها فاحتضنها بقوة وقبلها من جبينها، ينظر لها بعيون حالمة.. فها هو أخيرًا قد اجتمع بها وأصبحت له، وانتهى الأمر، فهي من تلك اللحظة أصبحت خاصته؛ ليس فقط بالقول، بل قولًا وفعلًا.
في قصر الراوي بالصعيد..
أخذت قمر تتزين بغرفتها، تجرّب الملابس لتختار المناسب لاستقبال زوجها، ونزلت لتخرج وتتسوق وتشتري ما يلزمها. فور نزولها قابلت سليمان فنظر لها بتفحص وردد بوجوم
على فين؟
أجابته برقة وتوتر
هااا.. كنت رايحة لأمي.
بوجه ممتعض ونبرة حادة ردد
إنتي شايفة إن خروجك ودخولك بالشكل ده مش كتير شوية يا قمر ولا إيه؟ ومش معنى إننا ساكتين إنك تسوقي فيها، سليم معاود بكرة وأكيد هيكون ليه كلام معاكي.. بس أنا شايف إنك مش بيهمك حد، وشايفاني أنا وأبوي واقفين في صفك وده بس لخاطر سليم أخوي، لكن للصبر حدود يا بنت الحديدي.
ابتلعت ريقها برهبة وصمتت، فنظر لعينها وردد بخشونة
اكسبي الشر واطلعي أوضتك، وبكفاية خروج عاد.
حركت رأسها موافقة والتفتت هرعت على الدرج لتصعد إلى غرفتها وتغلقها عليها.
وقف العروسان يفتتحان الرقص برقصة رومانسية، وتبعهما ثنائيات الحفل. وضع سليم يده على خصرها بحنان، وأمسك بالأخرى راحتها، وأسندت هي كفها على كتفه، ليظلا في عالم خاص.
قطع نظراتهما صوته الذي غلفه الشجن يردد
أنا هفاتح أهلي أول ما أرجع مصر، وإن شاء الله نحدد ميعاد للفرح بأسرع وقت.
ابتلعت ريقها بتوتر وخجل وهتفت بصوت ضعيف
أنا.. أنا قررت أثق فيك يا سليم، قررت أعطيك ثقتي وقلبي، بس برضه ادينا وقتنا نعرف بعض، بلاش التسرع ده.
اعترض بقلبه وحواسه يهتف
لا.. أنا مش هقدر أستنى، على فكرة أنا بلغت باباكي إني هتقدم لك النهاردة.. يعني هو عارف.
ابتسمت وشعرت بالفرحة، فهو رجل، ولأول مرة تشعر بمعنى الكلمة.. أفعاله وأقواله تجعلها تشعر دائمًا أنه المنشود.
التف بها أثناء رقصةما لتدور بسعادة وهي بين ذراعيه وتهتف
طيب على الأقل نقعد ونتكلم في حياتنا، وإزاي هنقدر نظبطها مع بعض بسفرك المستمر ده!!
أجابها بيقين وحزم
أنا هعمل كل حاجة وأي حاجة ما تبعدكيش عني، وغير كده مش مهم، حتى لو اضطريت أقفل فروع الشركة كلها.
توقف عقلها عن التفكير.. أصبحت دقات قلبها فقط هي ما تسمع وسط صخب الموسيقى. تحشرج صوتها وهي تجاهد أن تخرجه طبيعيًا
طيب لما ترجع بالسلامة نبقى نتكلم مع بابي في كل حاجة.. هو أنت راجع إمتى؟
ابتسم بفرحة، فهو علم من لغة جسدها أنها تتصنع الجمود، فطمأنها قائلًا
المفروض أقعد شهرين أو أكتر، بس أنا مش هقدر أغيب عنك كل ده، أنا هخلص الشغل وشهر بالكتير وأكون راجع إن شاء الله.
أومأت ببسمة مقتضبة ترددت بصوت حزين
ترجع بالسلامة.
أخذ يحرك أنامله على طول ذراعها بحركة هادئة، فنظرت له بفضول تسأله باهتمام
شكلها بيضايقك؟
حرك رأسه معترضًا
أبدًا.. العلامات دي محفور زيها في قلبي لأني السبب فيها، ولو حابة

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *