جنتي بقلم الكاتبة اسما المصري ج٣

ما جوزك فلس لا كنتِ بتسألي عليا ولا كان بيهمك حد.. وثانيًا لأنها حاجة تخصني ولا أنتِ ولا جوزك ليكم دخل.
أدارت وجهها عنهما تمتم داخل نفسها
بندم لما بعزمكم عندي، بس هعمل إيه؟ أحفادي بيوحشوني.
لم يمر الكثير من الوقت حتى سمعت شادية صوت سيارة سليم تدلف للفيلا، فاستندت على عصاها تهرع ناحية الباب وتبعها أحفادها لاستقباله وهي تردد بفرحة
يا حبيبي.. وحشتني أوي يا سليم.
انحنى ببسمة رقيقة يقبل كفها ويربت عليه بحنان وهو يهتف
حبيبتي يا جدتي.. عاملة إيه؟
ابتسمت له بحنان تردد
الحمد لله يا حبيبي.
التفت ليجد أبناء خالته يلتفون حوله. هتف أكبرهم رامي 20 عامًا
وحشتنا يا سليم.. فينكَ يا راجل؟
أجابه سليم وهو يحتضنه
ليك وحشة والله، بس الشغل ما بيرحمش، خلص أنت جامعتك وهأخذك تشتغل معايا أهو تشيل عني شوية.
ثم انحنى للابنة الوسطى ريتال 18 عامًا وقبلها من جبينها وردد
إزيك يا جميل؟
ابتسمت وهي تشعر بنبضات قلبها تقرع بداخلها
الحمد لله يا سليم، وحشتني.. أقصد وحشتنا كلنا يعني.
أجابهما وهو ينحني للأخ الأصغر يقبله
وأنتوا وحشتوني أوي.
ثم نظر لآخرهم رايان 10 سنوات وردد
والشقي ده عامل إيه؟
أجابه بحب
كويس الحمد لله، وخلصت امتحانات كمان، وفاضي خالص عشان تأخذني معاك الصعيد وأنت مسافر.
أومأ برأسه يهتف
طيب تعالى نشوف مامتك ولو وافقت هاخدك معايا.
نظرت له شادية بفضول تهتف بضيق
أنت رايح الصعيد إمتى؟
أجابه وهو يتحاشى النظر لها
النهاردة يا جدتي.
تذمرت وصرخت به بحدة وغضب
بقيت تيجي زي الضيف يا سليم، أنا حاسة إني يوم ما أموت الناس مش هتحس بيا غير لما ريحتي تطلع.
انحنى يقبل كتفها ويهتف بتخوف
بعد الشر عليكي يا شادية هانم.. بس أنتِ أكتر واحدة عارفة ظروفي.
أجابته بتصميم
وظروفك دي مخلياك ما تقدرش إنك تقعد معايا لبكرة حتى؟
نظر لها ببسمته القاتلة وهتف بتأكيد
أنا هقضي اليوم كله هنا وهسافر آخر الليل، عشان بكرة الصبح عندي شغل مهم في البلد يا جدتي، أرجوكِ ما تضايقيش نفسك، وأنا أصلًا جاي وجايب لك أخبار حلوة أوي أوي.
دلف البهو ليجد خالته وزوجها المتملق، الذي فور أن رآه انتفض من مجلسه يرحب به ويهتف بمباركة
أهلاً أهلاً يا سليم، وألف مبروك على الجواز.
ليردد بخبث
أصل حماتي قالت لي إنك اتجوزت في الصعيد، بصراحة كان آخر حاجة ممكن أصدقها إنك تتجوز واحدة من الصعيد.
امتعض وجهه وهو يردد بحدة
ومالهم الصعايدة يا أستاذ مجدي؟ إيه مش قد المقام؟!
حرك رأسه برفض وتخوف وردد
لا أبدًا، والدليل أهو قدامنا يا سليم.
زفر باختناق من تملقه وجلس يحتضن أبناء خالته على الأريكة. اقتربت منه ريتال وأزاحت رايان من جانبه وجلست بجواره تردد بدلال
تيته قالت إنك متجوزها غصب عنك.. صحيح الكلام ده يا سليم؟
نظر سليم لجدته بخزي وعاد ينظر لريتال وردد بتأكيد وقوة
محدش يقدر يجبر سليم الراوي على حاجة يا رورو، ولا أنتِ أول مرة تعرفيني؟
ابتسمت له بسمة حزينة وهتفت
يعني أنت مش متضايق من الجوازة دي؟
أجابه بإيجاز حتى يقطع تعلقها المراهق به
لا.
ثم نظر لجدته وهتف بمرح
وحشني أكلك يا شادية هانم.
رددت بلهفة وهي تنادي على خادمتها لتحضر الطعام
حالًا يا حبيبي، والأكل يكون جاهز، ده أنت حماتك بتحبك لأننا لسه ما اتغديناش.
وقفت جنة بالمشفى الذي تعمل به تتلقى التهاني والمباركات من رفقاء العمل حتى أتى جون ويلسون، رئيس قسم الطوارئ ورئيسها المباشر، الذي حاول أكثر من مرة سابقًا أن يستميلها ناحيته ورفضت.
اقترب منها ونظر لها بتفحص يهتف
عجيب أمرك يا جنة.. فطوال عملك هنا بالمشفى لم نسمع أو نراكِ تتحدثين للرجال، لكنك الآن، ويا للعجب، ترتبطين، وليس مرة واحدة بل مرتان وفي مدة قصيرة جدًا.. هل كان هذا بسبب نقص الرجال من حيث أتيتِ، أم أنك لا تهوين الرجال الأمريكان؟.
هي تعلم جيدًا طريقته الدائمة في استفزازها. هتفت جنة بهدوء
هل هذه مباركتك دكتور ويلسون؟.
ضحك بسخرية ومد يده يردد بمباركة زائفة
مبارك لكِ يا جنة.
مدت هي الأخرى يدها لتصافحه بالمقابل وتجيب
أشكرك دكتور ويلسون.
حاولت سحب كفها من براثته لكنه ظل ممسكًا بها. شعرت رايتشيل بغضب جنة الوشيك، فاقتربت تسحبها من أمامه، فاضطر لتركها وهي تهتف بمرح
أستأذنك دكتور ويلسون، فلدينا حالة طارئة.
سحبتها لغرفة استراحة الأطباء لتصرخ جنة بغضب جم
وقح وغد ومتحرش، أقسم أنني لن أدعه وشأنه، وسأتقدم بشكوى لمجلس إدارة المشفى عن مضايقاته المستمرة.
حاولت رايتشيل تهدئتها لتردد بهدوء
اهدئي ولا تثيري الأمر، فهو كما قلتِ.. وغد، ولن يصمت إن فعلتِ، وسيهاجمكِ بكل ما أوتي من قوة، ولن تكن مواجهة عادلة، فأنتِ لستِ مواطنة أمريكية وتعلمين مدى العنصرية التي يتعامل بها البعض هنا، خصوصًا مع العرب، فأرجوكِ أن تزيلي تلك الفكرة من رأسك اليابس هذا حتى لا تتأذي.
صمتت لحظة وأخذت تفكر فيما تقوله رايتشيل، ثم رددت رايتشيل بحذر
جنة.. عديني أنكِ لن تتهوري، أرجوكِ.
زفرت باستسلام ورددت
حسنًا.. كفي عن الثرثرة.
ابتسمت رايتشيل تردد بخبث
حسنًا، فلتخبريني بكل ما حدث بينك وبين سليم.
نظرت لها ببسمة مستسلمة، فهي تعلم أنها لن تدعها وشأنها أبدًا
لا يوجد ما يُحكى يا رايتش.. فقط أوصلني للمنزل، وحتى الآن لم يهاتفني لأطمئن أنه قد وصل لمصر بسلام.
اقتربت منها رايتشيل بفضول
حسنًا.. فلتخبريني عن علاقتكما، كيف تسير؟.
بدهشة وتعجب امتعض وجهها
أي علاقة تتحدثين عنها؟.
زغرت رايتشيل بعينها، لتفهم جنة ما تقصده، فترددت برفض
لا.. لا.. أنتِ تبالغين.
لمعت عين رايتشيل بالدهشة
ماذا؟ هل هو طبيعي؟ تقف أمامه حبيبته التي تلوى بنار عشقها لسنوات ولا يتقرب منها فور أن وجدها؟ يخطبها ويلبسها خاتمًا من الألماس الحر ولا يبدي حرارة كافية؟.
حركت جنة كتفيها بلامبالاة
أولًا أنتِ تعلمين أنني متحفظة لذلك الأمر وهو يعلم هذا، لذلك لم يحاول معي.. وثانيًا هو نفسه ليس ذلك الشخص الذي يستغل حب الفتاة له ليفعل بها ما يشاء، بل هو شهم ومحترم، وفوق ذلك صعيدي.
حاولت رايتشل تلفظ الكلمة
صعيدي!! ما معناها؟.
أجابتها
إنها بلدة كبيرة في جنوب مصر، معروف أهلها بالصرامة والشدة والتمسك بالعادات والتقاليد والأعراف، ورجالها من أفضل الرجال بمصر لرجولتهم وشهامتهم وطيبتهم أيضًا، فهم مزيج غريب ما بين الشدة والطيبة.
ابتسمت رايتشيل تردد
إذًا أنتِ محظوظة يا جنة.
بسعادة غامرة رددت
نعم أنا كذلك، وأتمنى من الله أن تمر الأمور بسلاسة ولا تقع أي عقبات بطريقنا، وهناك سبب ثالث وهو ديننا وعقيدتنا يا رايتش، والتي تحرم التقارب الجسدي بأي شكل قبل الزواج.. أفهمتِ؟.
سافر سليم لبلدته بالصعيد ليصل قبيل منتصف الليل، فيجد كل من بالقصر نيام، فهذه هي حياتهم هنا، ينامون مبكرًا ويصحون منذ طلوع الفجر.
دلف وسط عتمة البهو وصعد لغرفته فوجد قمر تنام على الفراش بوضعية مريحة، ترتدي ثيابًا هادئة، ويبدو على وجهها أثر البكاء، فاقترب منها وهتف هامسًا
قمر.. يا قمر.. اصحي.
انتفضت بهلع لتتحول ملامحها للحظة إلى السعادة، فتقفز متهللة وتحتضنه بلهفة وشوق
حمد لله على سلامتك يا سيد الناس.. اتوحشتك جوي جوي.
ابتعد عنها قليلًا بابتسامة مصطنعة
الله يسلمك.. معلش صحيتك، بس قلت

