جنتي بقلم الكاتبة اسما المصري ج٣

أعرفك إني رجعت.
أجابته فورًا
ولا يهمك يا سي سليم.. جعان أحضر لك تاكل؟
هز رأسه رافضًا يردد بتعب
أنا محتاج للنوم عشان فرق التوقيت عامل لي صداع.
جلس على الفراش يخلع حذاءه، فاستندت خلفه وأخذت تدلك رقبته وجبينه بحركات هادئة كما علمتها زوجة عمها، وهي تردد بلوعة اشتياق
سلامتك من الوجع يا سي سليم.. إن شاء الله اللي فيك يجي فيا أنا.
ربت على كفها يردد بامتنان
متشكر يا قمر.
ودون سابق إنذار انحنت لتقترب منه بحنان، محاولةً التخفيف من إرهاقه، لكنه تراجع بلطف وتنهد بحرج يردد معتذرًا
معلش يا قمر.. أنا تعبان جوي من السفر ومحتاج أرتاح وأنام.
رددت بحب ولهفة
نام يا سيد الناس ولا يهمك، لسه الأيام جاية كتير.
غير ملابسه واستند على الوسادة، يعيد داخل رأسه جملتها لسه الأيام جاية كتير.
نعم.. معها حق، ما أكثر الأيام القادمة التي سيضطر بها للمكوث معها، وما الطريقة المناسبة لإخبارها بحقيقة مشاعره؟
تذكر طلبه منها أن تحاول إسعاده وأن تزيل الخجل من قاموسها، ليلعن نفسه على تسرعه، ويلعن الظروف التي وضعته بهذا الموضع. هو سليم الراوي الذي يهابه أكبر عائلات المافيا بإيطاليا، أما هنا في مسقط رأسه فهو منبوذ العائلة.. الطفل الذي لم يرغب به أحد.
هو يعلم تمامًا أن قمر لها حقوق، ويجب عليه أن يراعي الله بها، لكنه لن يستطيع فعلها الآن بعد أن أخرج قلبه من بين أضلعه وأعطاه طواعيةً لهوسه وعشقه الأبدي لجنة.
هو يعلم تمام العلم أن انتهاء تلك الزيجة يعني انتهاء أمر الصلح وفتح باب الدماء من جديد، وهل يستطيع أن يتحمل اللوم الذي سيقع على عاتقه إن حدث ذلك؟
ظل يفكر حتى نظر لساعته ليحتسب الوقت ويعلم أنها ربما تكون الظهيرة بنيويورك، فقرر أن يهاتف حبيبته، فهو لم يحدثها منذ وداعهما بأمريكا.
أنهت جنة جزءًا من دوامها فجلست باستراحة الغداء، وجلست رايتشيل معها تفتح الكثير من الأحاديث، فصاحت بها جنة توبخها
توقفي عن الثرثرة أيتها المعتوهة.. ألم تكتفي من التحدث طوال اليوم مع المرضى وذويهم؟.
قوست شفتاها بحزن طفولي ورددت بصوت حزين متصنعة الغضب
ماذا تريدين يا جنة؟.
أجابتها بصوت هادئ
بعض الهدوء والسكينة.
أشارت رايتشيل بيدها على فمها كأنها تغلقه، وجلست تتناول طعامها حتى صدح صوت هاتف جنة يعلن عن اتصال دولي، فقفزت بلهفة تجيب برقة
ألو.. سليم.
أجابها ببسمة ملتاعة من الاشتياق
جنتي.. إزيك؟ وحشتيني.
رددت بلهفة
الحمد لله، وصلت بالسلامة؟
أجابها
آه يا حبيبتي ما تقلقيش.
تدخلت رايتشيل تهتف بصياح حتى يستمع لها سليم
تحدثا بالإنجليزية من فضلكما حتى أفهم ما تقولا.
ضحك سليم بصخب
دي هنعمل معاها إيه يا جنة، شكلها لازقة؟
ضحكت هي الأخرى
أنت بتقول فيها.. ومش بعيد تتعلم العربي مخصوص عشان تفهم كلامنا، أنت عارف إيه حلها الوحيد؟
إيه؟
نشوف لها بوي فريند يشغلها عننا.
هنا تدخلت رايتشيل بعد أن فهمت تلك الكلمة
حسنًا، عن أي بوي فريند تتحدثين؟ لقد فهمت تلك الكلمة فقط من وسط ثرثرتك يا جنة.
نظرت لها بامتعاض
كفى.. المكالمة دولية، هيا اتركيني ولا تضيعي الوقت.
تحدث سليم بتصميم
لا.. أنا لازم أشوف لها حد فعلًا يشغلها عننا.. بصي استني عليَّ لما أرجع، وأنا مش هسكت غير لما ألاقي حد يرضى بيها.
ضحكت بصخب وفرحة، فهتف بغزل
يا جمال الضحكة يا جنتي وروحي.
تنهدت بحيرة لتفاتحه في الأمر، لكنها عزمت أمرها لتهتف
سليم.. فاتحت أهلك في جوازنا؟
ابتسم بفرحة، هل صحيح ما يسمعه؟ هل هي متعجلة ومتلهفة مثله تمامًا لزواجهما؟ فردد بتأكيد
أنا لسه داخل من ساعة والناس هنا كلها نايمة، شكلك نسيتِ فرق التوقيت، بس ما تقلقيش، أول حاجة هعملها الصبح على الفطار إني هبلغهم.
بتعجب أردفت
إزاي لسه داخل؟
أجابها بمنطقية
لأنني نزلت على مطار القاهرة ورحت لجدتي أطمن عليها وبعدين سافرت للصعيد.. بس أنا قلت لجدتي على جوازنا وفرحت جدًا، ونفسها تشوفك.
أثناء خروج تلك الكلمات، كانت تقف قمر خارج غرفة المكتب تستمع للحديث وتتنصت عليه من أوله، لتصدمها آخر كلماته، وتجعلها تشعر برأسها تدور وعالمها ينتهي، لتقرر أن تحارب من أجل الاحتفاظ بزوجها، لتردد
طيب يا سليم يا ولد الراوي.. مش قمر اللي يتلعب بيها أكده، إن ما خليتك تلف حوالين نفسك ما أبقاش أنا قمر الحديدي.
يتبع…
إذا أردت شيئًا بشدة فاطلق سراحه، فإن عاد فهو لك بالكامل، وإن لم يعد فهو لم يكن لك من الأساس
هناك أساسيات في الحياة جميعنا نتبعها، وهناك أيضًا أساسيات في العلاقات بمن حولنا لا يختلف عليها اثنان، وأهمها الحب.
الحب شعور يمكن أن يكون متبادلًا، ويمكن أن يكون من طرف واحد، ولكن من أساسيات الحياة هي أن تترفع بمشاعرك إن كانت من طرفك أنت فقط، لا أن تقوم بمطاردة الطرف الآخر حتى وإن أعرب لك عن خلوه من أي عاطفة تجاهك.
ثلاثة نماذج لم تفقه تلك العبارة المأثورة ليس كل ما يريده المرء يدركه.. ثلاثة نماذج رفضت أن تتعايش مع رفض الطرف الآخر لها، ثلاثة نماذج آثرت الحرب على السلام، اختارت الصراع على الاستسلام، واختارت المطاردة على الكرامة.
النموذج الأول لشاب رأى في نفسه وسامة أغرته وجعلته يظن أنه يمكنه إيقاع أي فتاة في شباكه، وعندما فشل اتخذ طريقًا مغايرًا بإكراهها عليه حتى تمت خطبته عليها دون موافقتها. ولم يقف عند هذا الحد، بل التصق بها بشكل أثار حنقها ونفورها منه، بل والأدهى أنه لم يكن مخلصًا لتلك المشاعر ليذهب ويرافق غيرها، حتى انتهى بهما الأمر للنتيجة الحتمية وهي الانفصال.
والنموذج الثاني لفتاة رائعة الجمال ذات مكانة في حياتها العملية والشخصية، تعيش حياة صاخبة بحكم جنسيتها الأمريكية وتدليل أخاها لها، ولكن عشقها له جعلها هشة وظالمة لنفسها. ظلت ثلاث أعوام تحت مسمى الارتباط به، ولكنها في الحقيقة كانت مجرد محطة عابرة في حياته يستغل تواجدها لإرضاء نزواته وهي تعلم ذلك تمام العلم؛ فهو لم يخدعها أو يخفِ عنها حقيقة هوسه، بل والحق يقال إن كل من يعرفه ويتعامل معه يعلم هوسه بمعشوقته. ولكنها أبت أن تصدق انتهاء قصتها معه، حتى وهي أعلم الناس ببرود علاقتهما وخلوها من أي مشاعر حقيقية من جانبه.
أما النموذج الثالث فهو نموذج معقد، فبالرغم من ظروفها القهرية وتواجدها معه في نفس القارب، إلا أنها تنازلت عن كرامتها مقابل الاحتفاظ به كزوج لها، حتى بعد أن تأكدت من أنه يحمل مشاعر لأخرى. لكنها رأت أنها الأحق به من غيرها، لذا لن تستسلم بل وستحارب وتتخطى العقبات وتحيك الخطط حتى تربطه بها أمد الدهر.
في قصر الراوي بالصعيد
صعدت غرفتها بعد أن استمعت بأذنيها لحديثه عن زيجته المحتملة، لتردد بغضب أعمى بصيرتها إني لازمن اتصرف، انت ليا إني يا سليم ومحخليش حد يجرب منيك، ويا إني يا البت اللي عاوز تتچوزها دي!
لتتصنع النوم فور أن استمعت لخطواته تقترب من الغرفة، فأعطت له ظهرها وهي تشعر به يتحرك بالغرفة يتجهز للنوم، فتجده يتخذ طرف الفراش حتى يكون بعيدًا تمامًا عنها. ولكنها تتصنع النعاس فتقترب منه ، وسط تأففه واستسلامه في الوقت نفسه.
أفاقت من نومها في الصباح تشعر بخلو فراشها، فتجهزت لتنزل لتناول الإفطار مع العائلة، ولكنها قبل كل شيء قامت بالاتصال على والدتها لتخبرها بما حدث بالأمس، فردت والدتها بوجل يا مرارك الطافح يا جمر… إيه يا بتي اللي بتجوليه ده؟ ولا يجدر يعملها، انتي فاكرة إن ابوكى ولا اعمامك ممكن يوافجو على أكده؟
ردت بحزن وبكاء وهم يعني حيجدرو يا أمه يجقفو جصاده ويمنعوه؟ ده سليم الراوي يا أمه.
هدرت بها توبخها وانتي جمر الحديدي متستجليش بنفسك يا بت بطني، بس أهم حاچة تقربي منه وتكسبي جصاده بالود والحنية، ولما يكون بينكم خلفة الحكاية كلها حتروح في سكة تانية خالص.
أجابتها بحزن ما هو يا أمه أصله كان چاي تعبان ويعني…
صمتت بخجل لتفهم والدتها الأمر فتردد بتأكيد اتچلعي وتدخلي عليه بالكلمة الطيبة يا بتي، وهو محيجدرش يبعد عن چمالك يا جمر.
ردت بخضوع حاضر يا أمه حاضر.
أما بالأسفل، فتفاجأ الجميع بوجود سليم، فهتف أخوه يردد بترحيب وه وه… انت چيت ميته؟ الف حمد الله على السلامة يا اخوي.
وربت سليمان على ظهر أخيه الأصغر، فرد الأخير چيت جبل الفچر بشوية أكده، والبيت كله كان نايم.
جلسوا جميعًا ليستهل سليم الحديث يردد بجدية إني حفطر وبعدين حروح اشوف إيه حكاية المشترى اللي موجف البيعة ده.
رد سليمان بتوضيح معترض على السعر مع إننا مبلغينه بالزيادة في الأسعار من الأول.
رد سليم الأسعار زادت عشان الشحنة المرة دي چاية باللوازم بتاعتها كاملة، يعني مش غالي مقارنة لو اشترى كل حاچة لحالها.
هتف سليمان إني حاولت افهمه بس هو راكب راسه.
حرك سليم رأسه بتفهم يردد بثقة خلاص يا اخوي سيب لي إني الموضوع ده.
مسد لحيته وابتلع لعابه بتوتر وهو يضغط على أسنانه يحاول أن يجمع رباطة جأشه حتى يفاتح والده بذلك الموضوع المهم والذي يمثل له حياة أو موت. نظر لفرج وهتف بصوت متحشرج كنت عايزك في حكاية أكده يا بوي.
ابتسم فرج بحبور وردد خير يا ولدي؟
ابتلع لعابه برهبة وهتف إني عاوز اتچوز.
لمعت عينه ببريق الغضب وانتفض من موضعه ينظر له بشرر وهدر به بشدة انت بتجول إيه يا واد انت؟… چنيت إياك؟ چواز إيه وانت لساتك عريس چديد؟
تقوس جبينه وهو ينظر لردة فعل والده وكأنه ملزم بتلك الزيجة أمد الدهر، فردد محاولًا سبر أغوار عقله انت مش جلت يا ابوي إني وجت ما احب اتچوز محدش يجدر يجول حاچة؟
أجابه على الفور أيوه جلت… بس ده لما تكون مرتك عفشة قبيحة.
حرك رأسه باعتراض وهتف عفشة ولا چميلة… ده ميخصنيش، إني عاوز اتچوز يا ابوي المرة اللي بحبها عاد.
هنا نظر له أخوه بدهشة وهتف بفضول وتطلع مين المرة اللي عتحبها دي يا سليم؟ هو مش انت متچنن بالبت اللي عمال ترسمها دي؟ ولا أخيرا طلعتها من راسك وطبيت يا اخوي؟
ابتسم سليم يردد بتأكيد إني حتچوز اللي بحبها، واللي هي نفس البنت اللي برسمها من سنين.
لمعت عين كل من فرج وسليمان، فصاح فرج إيه؟ بتجول إيه؟ إزاي يعني اللي بتجوله ده… إني كام مرة اقولك إن البنت دي وهم في خيالك بدليل إنك بتحلم بيها من وانت عندك عشر سنين… تجدر تجولي عندها كام سنة؟ وعرفتها فين وإزاي؟
تنهد سليم بحنين يردد ببسمة عذبة أولًا الست اللي طلعتني من البحر دي…
قاطعه والده يا بني إني اللي طلعتلك من البحر، حفضل اقول الحكاية دي كام سنة عاد!
زفر سليم بضيق يردف يا ابوي بغض النظر عن الحديت ده، إني بجولك عاوز اتچوز… جلت إيه؟
أجابه فرج بقسوة لا… إني مش موافج، ويكون في علمك لو فكرت تعمل أي حاچة من غير موافجتي ساعتها اعتبر إن ابوك مات هو التاني وتنسى خالص إنك من عيلة الراوي… فاهم ولا لا؟
حاول سليم الرد على والده ولكن تدخل سليمان ليهدئ الأجواء المشحونة بالغضب فردد خلاص يا سليم… خلينا نتحدت في الحكاية دي بعدين عاد، خلينا نخلصو الشغل وبعدين نبجو نتكلمو.
تربص بها أمام باب المشفى الذي تعمل به حتى أنهت دوامها، فوجدت يده تستبق يدها أمام باب سيارتها لتنتفض بخضة وتهتف بذعر خضتني يا ياسر… انت بتعمل إيه هنا؟
أجابها بوله وحشتيني.
دهشة أصابت تعابير وجهها وقوست حاجبيها وأردفت



