خدعني لكن بقلم حبيبة ج1

 

الحلقة الثالثة

أشرقت شمس نهار جديد داخل أسوار الجامعة وقد قررت هالة ألا تخبر منة بإتصال نهلة لها وإستفساراتها و داخل محاضرة منة استقبلت مكالمة من سامح فردت عليه بصوت خافت وأخبرته أنها لن تستطيع محادثته وأن ينتظر لحين انتهائها و بمجرد نهاية موعد المحاضرة كرر سامح اتصاله ليسألها عن رأيها في موضوعهم فردت بخجل :اللي تشوفه يا سامح..
سامح: يعني موافقة؟
منة بخجل: امم..
سامح: طيب تمام أوي ، حدديلي ميعاد مع طنط بقا عشان نتفق..
منة: شوف انت الميعاد اللي يناسبك..
سامح: النهاردة ممكن؟
منة:بالسرعة دي؟
سامح: خير البر عاجله ونقرا فاتحة النهاردة كمان..
خفق قلب منة سريعاً : ان شاء الله..وما أن أنهت اتصالها ،أقبلت عليها هالة فوجدتها واقفة شاردة…
هالة: ألوون..ايه مالك؟
منة:انتي جيتي؟
هالة: لا لسة هههههه ايه يا بنتي انتي ضايعة خالص..
منة: يلا يلا عشان نروح..
هالة: مش هنستني نهلة ويحيي؟
منة وقد سحبت هالة من يدها و أسرعت خطواتها:لا ماينفعش،اتصلي بيهم قوليلهم هنمشي احنا ، مفيش وقت..
هالة: ايه السربعة دي، مفيش وقت علي ايه؟
منة: سامح جاي النهاردة ،يادوب أجهز و أقول لماما ونشتري حلويات و نوضب الشقة وأكلم عمي و..
قاطعتها هالة:بااس ايه علي مهلك،كل ده النهاردة حرام عليكي أنا مهبطة خالص من الحر..
منة:يلا بقا ياهلولة ياحبيبتي مش وقته دلع عقبال ما أخدمك يوم فرحك يارب..
هالة: ياعيني عالتثبيت ،يارب يختي يارب..بس ماقلتليش كلمك امتي وقولتيله ايه؟
منة: هقولك كل حاجة بس نروح..
واتصلت هالة بنهلة و أخبرتها…
مر الوقت وجاء سامح بحلته الأنيقة و الكرافت الأزرق فإزداد جاذبية و وقار فكان سامح شاب طويل القامة ذو جسم قوي البنيان و شعر أسود ناعم و مرتب وبشرة خمرية..
تقدم سامح إلي المنزل واستقبله عم البنات و والدتهم و وهالة بترحاب شديد حتي جلس الجميع في غرفة الصالون و بدأ التعارف بين سامح و حاج صلاح عم البنات وسأله عن سبب عدم مجئ والده فأخبره بمرضه حتي ظهرت العروس بفستانها القرمزي و حجابها الأبيض مع حمرة وجهها فكانت منة بنت طويلة القامة إلي حد ما ذات البشرة البيضاء والعيون العسلية و ملامحها الصغيرة..اعتدل سامح لرؤيتها، حاملاً باقة من أطيب أنواع الورود و أجملها وقدمها لها علي الفور مع إبتسامة علي وجهه ،مدت منة يدها المرتجفة وأخذت الباقة بخجل ،جلس الجميع و اتفقوا علي قراءة الفاتحة ولكن بعد أن قال سامح:أنا بستأذن منة إننا هنتجوز مع بابا في الشقة لأني مقدرش أسيبه لوحده و كمان إحنا شقتنا واسعة أوي ..نظر عم منة لها منتظراً ردها فإبتسمت منة وقالت: مفيش مشكلة..
وأتبع سامح : وفيه حاجة كمان معلش،أنا آسف مش هقدر أعمل فرح هتبقي زفة عربيات بس ونروح علي شقتنا ،ايه رأيك يا منة؟
اندفعت هالة بعفويتها: ايه؟ لا طبعا ماينفعش ، أنا عايزة أفرح أنا وأختي..
نهرها عمها بنظرة: استني يا هالة، أهم حاجة رأي العروسة و حاجة سناء..
هالة بحزن:كدة يا عمو وأنا ماليش رأي؟
والدة البنات:أنا مش فارق معايا المهم منة..
ردت منة بخجل و إحراج: عادي مفيش مشكلة..
زفرت هالة و أشاحت وجهها عن الجلسة …
سامح: خلاص كدة تمام ان شاء الله…
عم البنات: طيب وناوي إمتي يا ابني؟
سامح: والله يا عمي خير البر عاجله ،ياريت نقرا فاتحة النهاردة و نكتب الكتاب و نتجوز بعد كام شهر كدة..
انتبهت منة لكلامه و قالت : كام شهر ايه، ماينفعش عايزة أجيب حاجات كتير و مش هلحق..
ردت والدتها: ماتشيليش هم حاجة يا منة ،كل حاجة هتيجي وتمت قراءة الفاتحة و كان سامح محضراً خواتم الخطوبة وفاجأ الجميع بهم واتفقوا علي إتمام الزواج بعد ثلاثة أشهر فقط….
وفي المساء بعد انتهاء جلستهم ، دخلت البنات إلي غرفتهن و كانت منة مبتسمة سعيدة علي عكس هالة التي كانت تود أن تض*ربها: كدة يا منة مش عايزة فرح ، ماتتصوريش أنا مخنوقة قد ايه..
منة: معلش بقا يا هالة ، انتي بقا نعملك أحلي فرح.
هالة : بصراحة سامح قفلني منه من أولها كدة يعني لا فرح ولا شقة كمان ..
منة: هههههه يا ستي أنا راضية أهم حاجة الدين و الأخلاق وكل الباقي ده مظاهر..
هالة : اوف منك انتي مثالية زيادة عن اللزوم…
منة: أبدا والله ولا مثالية ولا حاجة ،طيب ما أنا كمان كان نفسي في فرح و شقة زي بقية البنات بس خلاص مادام ظروفه كدة يبقي أستحمل…
هالة بمزح : أيوة يا عم لأجل الورد بقا…
ابتسمت منة : بس يا بت بقا بطلي غلاسة..
وفي منزل الحاج صلاح عم البنات كانت نهلة و يحيي و والدتهم منتظرينه لمعرفة منه الأخبار علي عكس محمد الذي لم يطق يجلس لحظة واحدة و رحل ..جاء الحاج صلاح مبتسماً فهو لم يكن يعلم ما يكنه ابنه من مشاعر تجاه منة ابنة أخيه حتي أخبرهم بموعد الزفاف و تفاصيله ولكنه لم يجد إستحسان من الآخرين فالكل بارك بعدم قبول وإتجه إلي غرفته شارداً ..
وهناك كان يجلس علي إحدي المقاهي بمنطقته شارد الذهن لم يتخيل أن حبيبة عمره سيمتلكها غيره فهي أول من نبض لها قلبه، ما إن أقبل عليه يحيي و جلس بجانبه دون كلام فإلتفت إليه محمد :ايه الأخبار؟
أجاب يحيي بخفوت ولم ينظر إليه:قروا فاتحة و حددوا ميعاد الجواز.
مسح محمد وجهه بكفه والذي كان يشع حرارة وتذكر وجه منة أمامه وأنه سيُحرم عليه النظر لهذا الوجه الجميل الذي طالما حلم به و بقضاء الباقي من عمره معه حتي يتجعد الوجهان معاًو يظل حبها محفوراً بأعماق قلبه..
عاد محمد و يحيي إلي منزلهم و دخل كلاً منهم إلي غرفته وكانت والدتهم ساهرة يجافيها النوم من كسرة قلب ابنها فهي تعلم جيداً ما به..أطرقت عليه الباب فسمعته من الداخل : مين؟
_أنا يا محمد ..
_ ادخلي يا ماما..
دخلت والدته لتجده مسطحاً علي فراشه بنفس ملابسه التي خرج بها يسند رأسه علي وسادته التي تعرف أسراره أكثر من نفسه..جلست والدته بجواره علي طرف الفراش وربطت علي يده في حنان : ماتزعلش نفسك يا حبيبي ، ربنا شايلك الأحسن..وكأنها ضغطت بكلامها الحنون علي جرحه النازف فخانته دمعته التي بللت جفون أعينه ..فحين نظل نخبئ و نكتم أوجاعنا ثم نسمع فقط كلمة “مواساة” تخوننا العبرات و تفضح ما خبأناه في لحظة ..ضمته أمه إلي حضنها و ياله من حضن الأم أعمق من البحار و أملس من الحرير وقالت له: لا يا محمد ،لا يا حبيبي، خليك أقوي من كدة ،الدنيا عمرها ما بتقف علي حد، كانت كل الناس اللي ماخدتش اللي بتحبه ماتوا من الحزن يا ابني، ربنا خلق النسيان ،و الحزن خلقه كبييير أوي و الحاجة الوحيدة اللي بتصغر و بتقل مع الأيام ودايماً ردد آية ربنا سبحان وتعالي “فصبرٌ جميلُ والله المستعان”..نزلت كلمات أمة كالثلج علي قلبه لتبرده قليلاً و تمنحه قسط من الصبر…وظلت تهدهد عليه و تقرأ بصوتها العذب بعض من آيات الله تعالي حتي دخل في سبات عميق كالطفل …
*******
دخلت والدتها عليها و كانت هالة قد خلدت للنوم و تبقت منة بأحلامها توقظها علي فراشها ..جلست أمها بجانبها علي الفراش وهي تتأمل ملامح ابنتها الراضية و السعيدة فقالت: مبسوطة يا حبيبتي؟
ردت مبتسمة :الحمدلله يا ماما..
_يعني مش زعلانة من موضوع الفرح ده؟
_لا يا ماما ده نصيبي و انا راضيه ..ثم ألقت نظرة علي أختها النائمة بفراشها المجاور لها : بس في ناس هنا مش مبسوطين خالص..
نظرت الأم علي هالة سريعاً و ابتسمت و عادت بنظرها الي منة: سيبك منها المهم انتي.. وأتبعت: طيب و موضوع الشقة
يا منة مش مضايقك؟
هزت رأسها بالنفي:لا يا ماما ، ماهو بيقول الشقة كبيرة و كمان أونكل توفيق طيب جداً و بيحبنا أوي…
_طيب يا بنتي ربنا يسعدك و يكملك بعقلك يا حبيبتي و اعتدلت من جلستها لتذهب إلي غرفتها حتي تذكرت شيئاً فإستدارت لها مرة أخري: اه صحيح يا منة ، ابقي اتكلمي معاه يا حبيبتي في موضوع الدراسة ،هيبقي لسة فاضلك ترم ..
خبطت منة علي جبهتها : نسيت خالص نتكلم في الموضوع ده بس كويس انك فكرتيني يا ماما ، خلاص بكرة ان شاء الله أكلمه..
_ماشي يا حبيبتي،تصبحي علي خير..
_وانتي من أهل الخير ..
ومرت المهلة المحددة لتحضير تجهيزات الزفاف حتي تبقي يوم واحد علي الميعاد و بمرور الوقت يزداد توتر منة و يكبر جرح محمد الذي اختفي من يومها عن الجامعة كغير عادته..
وجاء اليوم الموعود و توجت منة بطرحتها البيضاء وتاجها المرصع بالفصوص البراقة و فستانها التل الأبيض و كانت في غاية الجمال واستقبلها سامح فطبع قبلة علي كفها و انتهي يومهم سريعاً دون حفل كما في الإتفاق و ذهب العروسان إلي شقة الزوجية و خطت منة أول خطوة لها داخل حياتها الجديدة المليئة بالمفاجآت….
خطت منة أول خطواتها في حياتها الجديدة و دخل معها زوجها سامح الذي لم يعرها انتباهاً ، دخل سريعاً إلي غرفته ، ظلت منة واقفة في مكانها ينتابها الخجل و تذوب في نفسها و لا تدري ماذا تفعل أتظل واقفة منتظرة سامح أم تدخل وراؤه أم ماذا تفعل ، ظلت مكانها قرابة الربع ساعة حتي جلست أخيرا علي إحدي كراسي الصالون بجانبها وهي لا تعلم أين ذهب سامح و تركها دون كلمة منه و أيضاً توفيق الذي يفترض أنه موجود داخل الشقة حتي سمعت صوت خطوات تأتي من خلفها و تجده سامح قد أبدل حلته بملابس النوم وقال لها ببرود: ادخلي غيري فستانك ده!!
ابتلعت لعابها و ثقل لسانها و هي تقول : هو فين اونكل توفيق؟
_نايم هيكون فين؟
لم تدري ما سر هذه النبرة الحادة في صوته و توقعت أنه تزمر منها لفعلها أي موقف لم يعجبه ولكن ما هو؟ جمعت حروفها الثقيلة وقالت: كنت متخيلاه هيستنانا عشان يسلم علينا..
بنفس النبرة:لا هو بينام بدري..
جمعت قواها و قالت: مالك يا سامح أنا ضايقتك في حاجة؟!
_لا ،يلا أدخلي غيري البتاع ده عشان عايز أنام..
دخلت منة غرفتها و تبدلت فرحتها و ملامحها إلي العبس و ترقرقت دموعها و شحب وجهها ” ايه اللي حصل، هو بيكلمني كدة ليه، بقا هو ده الجو الهادي اللي المفروض يدخلني فيه عشان يقلل من خوفي وتوتري” و زاد توترها حتي سمعت طرقاته الشديدة علي باب غرفتها والتي كادت أن تخلع قلبها: اخلصي عايز أنااام…
بدأت بخلع حجابها و فستان زفافها الذي كان صعباً عليها خلعه و لكنها فعلتها و دموعها لم تتوقف حتي أتلفت زينة وجهها و ذاب كحل عينيها ، ارتدت ملابس نومها علي إستحياء و أصلحت ما يمكن اصلاحه من زينتها و رتبت شعرها البني الأملس الذي وصل لأسفل ظهرها و فتحت باب الغرفة ، وجدته يقف مستنداً علي الحائط حتي رآها فاعتدل علي الفور ثاقباً إياها بنظرة اخترقت ضلوعها فنظرت للأسفل علي إستحياء و احمرت وجنتيها تلقائياً ، أشاح وجهه بعيداً و كأنه أفاق من تركيزه بها وقال ببرود: عندك الأوضة اللي هناك دي وأشار بعيداً آخر الردهة: روحي نامي فيها و تركها و دخل غرفته و أوصد الباب خلفه..
ظلت منة العروس الحزين واقفة متجمدة و كأن وقع عليها دلواً من المياه المثلجة تريد أن تلملم ما تبعثر من كرامتها و أنوثتها لتختبئ بين أربعة جدران يحموها من ما شعرت به من صقيع الشتاء في يوم حار ،أسرعت متلهثة علي الغرفة المشار إليها و أوصدت بابها و احتضنت نفسها و جسدها المرتعش بذراعيها يلتفا حولها و جلست علي الفراش و ألف سؤال و سؤال يدور حول رأسها و ما من إجابة تحنو عليها حتي نامت لا تعلم كيف نامت و بللت وسادة غريبة عنها بدموعها لتسأل الوسادة من هذا الغريب الذي يحتاجني فعطفت عليها وسادتها الجديدة و استقبلت دموعها بصدر رحب ….

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *