خدعني لكن بقلم حبيبة ج1

الحلقة الخامسة
أذن المؤذن لصلاةالفجر و كأن صوت آذان الفجر أصبح منبه إلهي لقلوب امتلئت بطاعة الرحمن،استيقظت من تلقائياً ،جلست علي فراشها و عاد إلي ذاكرتها الحوار الذي دار بينها و بين سامح وتوفيق ،تألمت و بكت كثيراً و تعددت أسباب ألمها و بكائها ،هل يعقل أن أباها فعل ذلك وهو رمز الشرف والأمانة لها و لأسرتها، هل يعقل أن حبيبها خدعها وتزوجها لمجرد الانتقام ،ولكن من قال أنه حبيبها هي من قالت لنفسها ،هي من خدعت نفسها وظل تفكيرها و صراعها مستمران حتي تفاجئت بسامح يفتح باب الغرفة ويدخل عليها و تفاجأهو الآخر بوجودها مستيقظة علي فراشها ، وقف مكانه صامتاً للحظة ثم قال: كنت جايآخد حاجة لبابا،مش وقته بقا..و أدار بجسمه كاملاً ليخرج من الغرفة فأوقفته منة:سامح
التفت اليها مرةأخري دون حديث ..اعتدلت منة وخطت إليه خطوتين وقالت بعينين تملأهما الدموع: كان ممكن تفهمني كدة من غير ما تتجوزني..
أجابها سامح بجفاء:اتجوزتك عشان أذلك و أعرف آخد حقنا منكوا..
أغمضت عينيها للحظة في صمت ثم عادت و قالت: سامح انتوا اتأكدتوا من الموضوع ده؟
سامح بضحكة ساخرة:الله..هنبتدي نلاوع بقا..
منة بنبرة مرتفعة:سامح من فضلك أنا عمري ما هاخد حاجة مش بتاعتي و فلوسكوا هترجعلكوا ،احنا مابناكلشحق حد.
سامح: لا ماهو واضح بأمارة السيد الوالد..
نظرت له منه نظرةحارقة و تركته و توجهت إلي باب الغرفة حتي أمسكها من ذراعها بعنوة و أدارها تجاهه:لما أكون بكلمك ماتسبينيش وتمشي ،فاهمة؟
تنهدت منة لتهدئ منروعها: طيب ممكن أمشي؟
ترك سامح ذراعها ودفعها قليلاً: اتفضلي..
أسرعت منة إلي دورةالمياة لتتوضأ لصلاة الفجر حينها اختلطت دموعها بماء الوضوء ،انتهت من صلاتها ودعائها إلي ربها أن يخفف عنها بلاءها و أن يغفر لوالدها و يرحمه..
وفي صباح اليوم التالي أجرت والدة منة اتصالاً بمنة: أيوة يا حبيبتي عاملة ايه؟
منة: الحمدلله ياماما،انتي عاملة ايه و هالة وحشتوني أوي؟
والدة منة: الحمدللهيا حبيبتي ،بقولك ايه عمك عازمنا كلنا علي الغدا النهاردة،وقال تيجي هي و جوزها..
تلعثمت منة :ها، مش عارفة يا ماما هينفع ولا ايه، هسأل سامح و أقولك..
والدة منة:وهو سامح هيرفض ليه دي عزومة العرسان دي حاجة ضروري و عمك هيزعل لو موافقش..
منة: خلاص يا ماماهقوله وأعرفك..
-ماشي ياحبيبتي،مع السلامة..
-الله يسلمكيا ماما..
وأغلقت منة الاتصال وظلت تحدث نفسها”ياربي هقوله ايه دلوقتي و لا هقول لماما ايه ومنظرنا هيبقي ايه لو مارحناش” استجمعت شجاعتها و خرجت إلي سامح الذي كان يحضر حاله للذهاب الي عمله وهو مكتب المقاولات لفرع الشركة الخاصة بهم بالقاهرة ..دخلت منة عليه بعد أن سمح لها بالدخول ووقفت مترددة فقال لها: ها ،ارغي ،عايزة ايه عالصبح؟
لملمت غرتها خلف أذنها لشعورها بالإحراج من طريقته بالحديث ثم قالت: عمي عازمنا عالغدا النهاردة..
التفت اليها سامح وهو يستكمل ارتداء حلته:نعم ،ايه الجو ده ، انتي فاكرانا متجوزين بقا و عزومات وكدة ؟!
منة: لا أنا فاهمة،بس قلت نروح عشان محدش ياخد باله..
سامح: لا أنا مش فاضي للهبل ده، ممكن تروحي انتي و تقوليلهم عنده شغل ..
منة: ماشي..وهمت بالإنصراف حتي أوقفها بحديثه مرة أخري: مش عايز تأخير..
منة: ان شاء الله ..وخرجت و تحدثت مع والدتها لإخبارها..حتي جاء وقت ذهاب منة إلي عمها ولكنها رفضت الذهاب قبل تحضير الغذاء لسامح و توفيق فأحضرته و خرجت حتي جاء سامح من عمله فوجد الطعام جاهزاً علي السفرة و مغطي ،ابتسم سامح وأيقظ والده و تناولوا الطعام معاًوقال توفيق: أما مراتك دي عليها شوية طبيخ فكرتني بأكل أمك الله يرحمها.. ابتسم سامح وقال: بس ماتقولش مراتي..
توفيق بحزن: منة صعبانة عليا يا سامح طول عمرها هادية و رقيقة و مش حمل الشخط والزعيق كل شوية ده..
سامح : ايه يا بابا،انت هتضعف من أولها كدة؟
توفيق: لا حول ولاقوة الا بالله ،والله ماعارف أقولك ايه يا ابني انت دماغك ناشفة..
وهناك اجتمعتالعائلة معاً وسألها عمها : أمال فين جوزك يا بنتي؟
منة: معلش يا عمو هو بيعتذرلك لأنه عنده شغل كتير أوي..
*************
وكان في غرفته تراوده مشاعر مختلفة ما بين الفرحة لقدمومها و رؤيتها و بين الألم لخسارتها كحبيبةو زوجة فخرج من غرفته ليجد الجميع يقوموا بتجهيز المائدة فسلم علي الجميع و وقف عندها بنظرة يملأها الحنين و الألم: ازيك يا منة؟
-الحمدلله يامحمد،ازيك انت؟
-الحمدلله..
وكانت هالة و نهلةفي الشرفة تتمازحان حتي أقدم عليهم يحيي و وكز هالة في ذراعها : مفيش ازيك يايحيي؟
هالة: تؤ ،بطل ض*رب بقا ..
نهلة: ارحموا نفسكوالسة الليلة مابدأتش..
وخرجت نهلة لتساعد الباقين في ترتيب السفرة ..فنظر يحيي لهالة : وحشتيني يا قردة..
هالة بطفولية: والله يا يحيي لو ما بطلت تقولي يا قردة هزعل منك..
يحيي: هو أنا بقولهاغير بيني و بينك يا قردتي..
نهرته هالة بض*ربة منقبضة يدها الصغيرة علي كتفه : طب اوعي بقا و تركته وخرجت لمساعدة الآخرين..
التف الجميع حول المائدة وبدأوا بالطعام و تبادل الحوار وكانت منة تقلب في صحنها و هي شاردة ويراقبها محمد الذي كان يجلس أمامها ..مالت عليها نهلة الجالسة بجانبها : مابتاكليش ليه؟
منة: مش جايلي نفس.
نهلة:ايه ده حامل ؟وربنا حامل؟ وبدأ يعلو صوتها..
أوقفتها منة: بس يانهلة حامل ايه هو أنا لحقت؟
نهلة: وايه يعنييمكن في الاول يا منة..
منة: لأ مش حامل،اهدي بقا لحد يسمعك..
قاطعهم عم منة: وجوزك عامل ايه معاكي يا منة؟
منة بتلعثم:الحمدلله يا عمو كويس ..
عم منة: يعنيبيعاملك كويس هو وباباه و مرتاحة معاهم في البيت؟
منة بنظرات زائغة:اه يا عمو الحمدلله ،دول طيبين أوي..
قامت منة أول من قاممن علي المائدة و دخلت لتغسل يديها و خرجت لتصطدم بمحمد أمامها في الردهة وفجأة قال محمد بدون مقدمات: جوزك مزعلك؟
انصدمت منة من كلمته وأمأت برأسها وهي تقول : لا ،ليه بتقول كدة؟
محمد: حسيت..
منة: لا مفيش حاجة،بعد اذنك وما أكملت خطوة حتي سمعت عمها من الخارج: علقي عالشاي يا منة لو سمحتي..
منة: حاضر ياعمو..فدخلت إلي المطبخ و يلاحقها محمد: مبسوطة معاه؟
منة وهي تملأالبراد: اه الحمدلله..
محمد: مش باين عليكي..
التفتت اليه : ليهبتقول كدة؟
محمد:احساسي هو الليبيقولي كدة
منة وعادت لتحضيرالشاي: لا سامح كويس وأنا مبسوطة معاه أوي..
محمد: وأنا بتمنالك كدة .. وتركها وخرج..تدفقت من عينها دمعة تائهة وصلت إلي مرساها فمسحتها سريعاً حتى لا يراها أحد..
جلس الشباب و البنات في الشرفة كعادتهم و كان المرح والضحك يسود المكان حتي رن هاتف منة وردت: ألو
سامح بصوت مرتفع: هوده اللي بقولك مش عايز تأخير؟
نظرت منة حولها لترىهل من أحد يسمعها: أنا جاية..و سمعت صوت الصافرة دون رد منه فأكملت حديثها وكأنهمازال معها علي الهاتف : ماشي مع السلامة..
وقفت منة واستعدت للرحيلفقالت هالة: ايه ده انتي هتمشي دلوقتي دي السهرة لسة في أولها؟
منة: معلش يا هالة،ابقي هاتي نهلة وتعالوا اقعدي معايا شوية..
نهلة: ماشي يا منة ،هنسيبك تمشي علشان لسة عروسة و جوزك مايتخنقش مننا
ابتسمت منة و قبلت البنات و وودعت الشباب و خرجت وودعت الآخرين و قالت والدتها: هتمشي لوحدك؟
منة: عادي يا ماماهركب تاكسي..
عم منة: تاكسي وعربية عمك راكنة تحت دي حتي عيبة، يا محمد تعالي وصل
بنت عمك..
أسرع محمد إليهم وهوسعيد لأنه سيراها لمزيد من الوقت..استقل محمد و منة السيارة و انطلق محمد وفيالطريق: ماتزعليش مني عالكلام اللي قولتهولك..
منة وهي تلهوبحقيبتها: لا عادي ..
محمد: انتي عارفة انتي غالية عندي ازاي و محبش أشوفك حزينة أو مهمومة..
منة: لا يا محمد ماتقلقش عليا أنا كويسة..
وقد اقتربت المسافةو شعر محمد أن روحه العائدة له بدأت تنسحب منه مرة أخري : منة لو احتجتي أي حاجةماتتردديش واطلبيها مني..
منة: أكيد يامحمد،ومتشكرة علي التوصيلة.
محمد: العفو علي ايه..
ترجلت منة من السيارة وكان سامح يقف في الشرفة فدخل ليستقبلها بحفاوته المعهودة..و بمجرد دخولهاإلي الشقة وما أكملت سلامها لتجد سامح يدفعها بشدة في إتجاه غرفته: ادخلي يا هانم..
حتي وصلا الغرفة فدفعها علي الفراش وكاد أن يصفعها :هو ده البدري بتاعك أنا غلطان اني سبتك تروحيفي حتة، ابقي قابليني لو عتبتي باب الشقة تاني ..
وخرج سامح و سحب الباب خلفه بقوة ولم يعطيها فرصة للحديث وظلت هي كما هي لبضع ثواني ثم قامت وأبدلت ملابسها و خلعت حجابها و هنا استوقفتها جملته وهو يقول: انتي فاكرانا متجوزين!!
ظلت منة تفكر في هذه الجملة بدقة وبعد قليل خرجت من غرفتها مرتدية عباءة فضفاضة و الحجاب فوق شعرها ودخلت علي المطبخ لتلملم ما به،دخل عليها سامح ليستكمل حديثه اللاذع فأوقفته هيئتهافقال: انتي هتتحجبي في البيت ولا إيه؟
منة:اه
سامح: وده من إيه؟
منة: ده لأننامتجوزين سوري بس قدام الناس ،انما قدام ربنا مفتكرش..
رفع سامح حاجبه وغير مجري الحوار: عملتي ايه هناك؟
منة: عادي اتغدينا وقعدنا مع بعص كلنا و سألوا عليك قلتلهم عنده شغل..
_امم وماتكلمتوش في حاجة؟
_حاجة ايه؟
_ماحكتلهمش حاجة؟
_لأ طبعاً،عمري ما هقول لماما الموضوع ده ،أنا هقول لهالة وهتصرف أنا وهي..
سامح: امتي؟
_لما أشوفها تاني يا سامح..
_طيب اعملي شاي..
_حاضر..
وخرجت منة بالشاي لسامح و والده الذي قال: تسلم ايدك يا منة عالأكل..
توفيق:بجد يا أونكل،بألف هنا و شفا..
سامح: خلاص كفاية رغي و ادخلي شوفي كنتي بتعملي ايه..
دخلت منة إلي مطبخها ووجه توفيق اللوم لسامح: يا ابني بالراحة عليها ،واحدة غيرها ماكنتش سكتت علياللي بيحصلها ده بس منة بنت متربية..
سامح بتهكم: من مين من حمدي؟
شرد توفيق في صديقه الخائن و لمعت عيناه حزناً..


