حتى اقتل بسمة تمردك بقلم مريم غريب ج2

*******************************************************************
خلال الأيام التالية كانت تجد”داليا”مع مرور كل يوم عليها صعوبة في الإستمرار بعملها ، حيث كانت تري بعينيها نظرات الموظفين الخبيثة الساخرة ، و تسمع بأذنيها همساتهم التي توحي بوجود علاقة خفية بينها و بين رئيسهم المبجل ..
كم أثار ذلك حنقها و ودت لو تواجه الجميع دفعة واحدة كي تضع حدا لتلك السخافات و لكي تنفي كل الإشاعات التي تحوم حولها من كل جانب ، سألت نفسها .. هل هذا كله من أجل ما حدث لها يوم وفاة والدتها ؟ هل فسروا مساعدته لها علي هذا النحو ؟ هل يعتقدون حقا انها طائشة و سهلة إلي تلك الدرجة ! ربما و لكن هل يعتقدون أيضا أن رب العمل سيترك الجميلات اللواتي يحومن حوله طوال الوقت من أجل تبديد وقته مع سيكيرتيرة بل مع بنت بسيطة متشبثة بأخلاقها و كرامتها ؟ .. النفوس فسدت !
كان هذا جوابها علي الأسئلة التي طرحتها علي نفسها ، أفاقها من شرودها صوت رنين هاتف مكتبها ، فرفعت السماعة في سرعة و أجابت:
-الو !
ليأتي صوت قوي عرفته فورا:
-عز الدين نصار بيتكلم .. تعاليلي.
ثم أغلق الخط بوجهها ، إنتفضت ثم نظرت إلي سماعة الهاتف قائلة:
-انسان معقد !!
ثم تنفست بعمق و تبعا لأوامره ذهبت إلي مكنبه ، طرقت الباب مرتين دلفت إليه بعدما أتاها صوته القوي سامحا لها بالدخول ، تقدمت صوبه بخطي جامدة حتي وقفت أمامه مباشرة ، كان يجلس وراء مكتبه منشغلا يتصفح حاسوبه في تركيز بالغ فهمهمت:
-احم.
بقي علي وضعيته للحظات ثم حول نظره إليها و تفحصها في هدوء قائلا:
-اعملي حسابك بكرة عندنا Dinner work مع ناس مهمة جدا.
قطبت حاجبيها متسائلة:
-هو انا المفروض بحضر الاجتماعات اللي زي دي حضرتك ؟؟
أومأ رأسه ساخرا و هو يحدق فيها من خلال نصف عينيه المقفلتين ثم قال:
-اكيد طبعا .. مش حضرتك السكيرتيرة العام اللي بتابعي الصغيرة قبل الكبيرةفي الشركة .. يعني تحتي علطول.
أومأت رأسها ثم قالت في تردد:
-ايوه يافندم بس ..
-بس ايه ؟؟
قاطعها بحدة فأجابت:
-اولا مش محضرة نفسي لحاجة زي كده ثانيا حضرتك بتقول عشا و انا مش هينفع اتأخر علي اختي خالص ده غير اني عمري ما اتأخرت برا البيت قبل كده.
-اولا هتاخدي انهاردة باقي اليوم و بكرة كمان اجازة عشان تقدري تجهزي نفسك براحتك ثانيا لو علي التأخير ماتقلقيش .. العربية الليهتيجي تاخدك من قدام باب بيتك هي نفسها اللي هترجعك تاني بعد ما نخلص شغلنا.
أرادت أن تحتج و لكن دون فائدة ، بينما سارع إلي القول و هو يمد يده لها ببعض الأوراق النقدية:
-خدي الفلوس دي .. يمكن تحتاجيها في حاجة.
رمقته في غضب قائلة:
-شكرا لكرم حضرتك .. بس انت عارف موقفي ناحية الامور دي كويس ده غير اني مش محتاجة فلوس معايا اللي يكفيني و زيادة.
هز كتفيه بلا إكتراث و ألقي النقود بإهمال فوق المكتب ثم تناول علبة سكائره قائلا:
-براحتك.
ثم تابع في نظرة ثاقبة بعدما سحب نفس عميق من عبق سيكارته البيضاء:
-كانك متعصبة انهاردة شوية يا داليا ؟ في حاجة و لا ايه ؟؟
أجابته في جمود:
-لأ .. مافيش حاجة حضرتك.
-بجد ! اومال ليه شايف العصبية بتنط من عيونك ؟؟
كان صوته ساخرا و كأنه يعلم سبب توترها و عصبيتها ببنما قالت:
-حضرتك بيتهيئلك انا مش عصبية و لا حاجة.
ضحك”عز الدين”بقوة لسماع نبرة صوتها الغاضبة ثم حدق فيها و قال:
-انتي بتخافي مني يا داليا ؟؟
-لأ .. لأ طبعا .. و هخاف ليه يعني ؟؟
إبتسم من جديد ثم قال ساخرا:
-مش عارف من امتي اتعلمتي الكدب و الله اعلم ايه كمان غيره .. عموما زي ما قلتلك لازم تكوني جاهزة بكرة باليل السواق بتاعي هيجيلك علي الساعة 8.
ثم تابع منبها:
-ضروري تكوني جاهزة قبل الميعاد و ماتنسيش تظبطي مظهرك علي اد ما تقدري.
و كأن موجة من الغضب سحقتها كليا فأغمضت عيناها بشدة في ألم و تساءلت في نفسها بحنق .. تري إلي متي سوف تستمر إهاناته لها ؟؟
إنتفضت”داليا”في ذعر عندما إنفتح باب المكتب فجأة لتدخل سيدة سبقها صوتها الصاخب الغاضب فيما لحقتها”إنجي”في إنفعال مسرعة و هي تحاول منعها من الدخول و لكن بلا جدوي بينما إنتصب”عز الدين”واقفا ثم إستدار في غضب حول مكتبه قائلا:
-ايه ده ؟ ايه التهريج اللي بيحصل هنا ده ؟ في ايه ؟؟
-يافندم حاولت امنعها بس زقتني و دخلت بالعافية.
قالت”إنجي”مبررة موقفها فيما نظرت إليها السيدة في عداء ثم قالت بإعتلاء:
-انتي اتجننتي و لا ايه ؟ بتقصديني انا بكلامك ده !!
عندها إلتفتت”داليا”و حدقت بوجه السيدة الغاضبة التي كانت تقف خلفها فتعرفت عليها فورا بينما صاحت متابعة:
-انتي مش عارفة انا مين ؟ انا جومانة خطاب يعني تلزمي حدودك معايا في الكلام و ماتنسيش نفسك.
أطرقت”إنجي”رأسها في أسي بينما تدخل”عز الدين”في عنف قائلا:
-جوماانة .. اظن ان انتي اللي لازم تلزمي حدودك هنا .. بصفة ايه توجهي كلام زي ده لواحدة من الموظفين بتوعي ؟؟
-هي اللي بنت مش محترمة ازاي تمنعني اني ادخلك ؟ انت لازم تمشيها.
-امشيها !!
ثم حول نظره إلي”إنجي”و قال:
-معلش يا انجي ياريت تنسي اللي حصل.
ثم تابع بحدة:
-انسة جومانة اكيد ماكنتش تقصد .. اتفضلي انتي علي مكتبك.
أومأت”إنجي”رأسها فيما تبعتها”داليا”إلا أن صوت”عز الدين”إستوقفها:
-استني يا داليا .. رايحة فين انا لسا ماخلصتش كلامي معاكي.
تنهدت”جومانة”في ضيق ثم تقدمت صوبه و أحاطت عنقه بذراعيها ثم قالت بغنج:
-انا شايفة انك لسا زعلان مني بسبب سوء التفاهم اللي حصل بينا .. بس انت هتنسي يا بيبي انا متأكدة.
-جومانة لو سمحتي !
قال ذلك في حزم و هو يبعدها عنه في قوة ثم تابع بقسوة:
-انتي ايه اللي جابك ؟ عايزة ايه ؟ الشغل اللي كان بينا خلص خلاص و كمان كل حاجة كانت بينا انتهت جاية عايزة ايه بقي ؟؟
لا شعوريا إرتجفت”داليا”فجأة جراء ما سمعته للتو ، فحتما إذا تحدث إليها”عز الدين”أو غيره بهذه اللهجة لماتت من شدة الأسي ، و لكن كان واضحا أن”جومانة”إعتادت تلك اللهجة فلم تتحرك شعرة منها بل نظرت إليه في سخرية و قالت:
-انت شكلك فعلا لسا زعلان .. بس انا بردو متاكدة انك هتنسي .. و عموما انا همشي دلوقتي لكن اكيد راجعة تاني.
و ضحكت قليلا فرمقها بنظرة باردة ، فتنهدت بحنق ثم إتجهت إلي باب المكتب في بطء ، و قبل أن تخرج رمقته مودعة فأشاح بوجهه عنها للجهة الأخري فأسرعت إلي الخارج غاضبة يتآكلها الغيظ ..
بينما زفر “عز الدين”في ضيق ثم حول نظره إلي”داليا”التي أجبرت نفسها علي إستيعاب ما حدث منذ دقائق:
-كنا بنقول ايه ؟؟
سألها فأنتفضت منتبهة ثم قالت:
-هاه .. أاا .. حضرتك .. حضرتك كنت بتقول اني لازم اكون جاهزة بكرة باليل الساعة 8 عشان السواق بتاع حضرتك هيجي ياخدني.
أومأ رأسه ثم قال:
-تمام .. و اتمني بردو ماتنسبش باقي التعليمات لازم تك ..
و قبل أن يكمل جملته قاطعته قائلة:
-ماتقلقش يافندم انا حفظت كلام حضرتك كله خلاص.
-عظيم.
هتف بقوة ثم أضاف:
-اتمني تنفذيه بقي.
-ان شاء الله.
قالت ذلك مقتضبة ثم إستدارت و غادرت المكتب و هي تشتعل حنقا …





