جنتي بقلم الكاتبة اسما المصري ج٤

أحيانًا لا نعلم قيمة الأشياء التي بحوزتنا حتى نفقدها، ويبدأ وقتها فقط الشعور بالندم وما يتخلله من ألم مضنٍ، ولكن أحيانًا تعطينا الحياة فرصة أخرى لنستشعر بها قيمة الأشياء والأشخاص حولنا، فعندما نفقد عزيزًا علينا نقول يا ليتنا… يا ليتنا قضينا معه وقتًا أطول، يا ليتنا لم نبتعد، يا ليتنا لم نحزنه… وهل الندم يعيد الماضي؟
صوت صفارة الإسعاف اخترق الآذان، وهرع المسعفون والعاملون بالمشفى لإسعاف ذلك المصاب الغارق في دماءه.
دلفوا به لغرفة الطوارئ وبدأوا بمحاولة تضميد جراحه، واستدعت موظفة الاستقبال بمكبر الصوت تهتف
على الطبيبة جنة الصاوي التوجه للطوارئ للأهمية
سمعت نداءها عبر مكبرات الصوت المنتشرة بالمشفى أثناء استراحة الغداء، فهرعت برفقة رايتشيل لغرفة الطوارئ.
تسمرت مكانها فور أن رأت جسد ذلك المصاب بتلك الحالة الغارقة في الدماء والأطباء يحاولون إنعاش قلبه الذي توقف.
نظر الطبيب توم واتسون لها وأردف بحدة
اقتربي وساعديني
ابتلعت لعابها لا تعلم ما حدث لها من شلل دماغي مؤقت، ولكنها عادت لحالتها المتأهبة مرة أخرى وبدأت بالفعل بتنفيذ تعليمات واتسون وضمدت جراحه بعد أن نجحت بوقف النزيف وإعادته للحياة.
زفرت بإجهاد وتعب، فنظر لها توم واتسون وردد بإعجاب
أحسنتِ جنة… أنتِ بالفعل طبيبة ماهرة وخسارة كبيرة وجودك بغرفة الطوارئ
ابتسمت في حبور تردد بتساؤل
أين يجب أن أكون دكتور واتسون؟
أجابها بما لا يدعو للشك
قد تصبحين جراحة ماهرة
أومأت له بامتنان على إطرائه، وانصرفت لتنظر لمؤشرات ذلك المصاب الذي أنقذت حياته منذ قليل من حادث مهول شبيه بذلك الحادث الذي تعرض له سليم منذ ست سنوات، فتنهدت ببطء وهي تسترجع بعقلها رومانسيته ونجاحه في التعبير عما يجيش بقلبه.
انتبهت رايتشل لشرودها فاقتربت منها تهتف بقلق
هل أنتِ على ما يرام؟ ماذا حدث؟
أجابتها بتنهيدة حارقة
أشعر بالضياع رايتش… أفتقده كثيراً، والغريب في الأمر أنه منذ أن انفصلنا لم يحاول أن يتواصل معي بأي شكل وكأنه أعرَض عني
حرّكت رايتشيل رأسها للجانب قليلاً ورددت
حسناً جنة، أنا لا أريد أن أحزنك ولكنك تستحقين ذلك، فهو لم يتوانَ في إظهار مشاعره لكِ، وأنتِ بكل بساطة بعد أن استبسل لإنقاذك من ذلك الوغد تنفصلين عنه
هدرت بها بضيق
ماذا عليّ أن أفعل وهو متزوج بمصر؟
لم تخبرها بشأن أعماله، فقد شعرت أنه من الخطر أن تفشي أسراره خوفاً من أن تعرضه للخطر أو حتى للمساءلة القانونية.
ربتت رايتشيل على كتفها تردد
حسناً جنة، لقد انتهى الأمر الآن فلا جدوى من الحديث، هيا لنعد للعمل
ظلام دامس مع انعدام بالجاذبية وضيق تنفس أتبعه ذلك الصوت لقطرات كالماء مع سكون عجيب بعتمة حالكة.
لا يستطيع الحراك أو فتح عينيه، هل هو داخل كفنه الآن بعد أن مات؟ وإن مات لِمَ يشعر بضربات قلبه تخترق أذنه؟
حاول التحرك ولكن هناك شيئاً يعرقل حركته، لا يستطيع أن يجزم ما هو بالتحديد؟
قطع عليه تخبطه ذلك الصوت المألوف يهمس بمكر داخل أذنيه
سليم الراوي مقيداً بلا حراك… لو كان أخبرني أحد بذلك ما صدقته حتى لو رأيته بأم عيني
ضربه الواقع بلمحة بصر فور سماعه لهراءه، فتذكر آخر لحظات عندما وقف يستقبل الموت بصدر رحب مغمضاً عينيه مستمتعاً لرؤيتها في مخيلته لأخر مرة، عندما شعر فجأة بألم حاد أسفل عنقه بعد أن ضربه أحدهم بأسفل سلاحه أفقده توازنه وأحدث جرحاً نزف منه، فغامت عيناه على الفور وسقط مغشياً عليه.
والآن هو مقيد اليدين خلف ظهره بقيود حديدية، مكفف العينين بعصابة سوداء، ومكمم بلاصق فضي، ومصعوب الحركة تماماً.
أخذ سليم ينتفض بقوة ليحرر ساعديه ولكنه فشل، فأخذ يزوم بصوت متحشرج خشن حتى انتزع مايكل اللاصقة من على فمه بقسوة، أعقبه صراخ سليم الهادر والذي دب الفزع برجال مايكل المجتمعين حوله
أيها … الأفضل لك أن تقتلني لأني إذا خرجت من هنا حياً سأطاردك حتى آخذ حقي منك
انتزع مايكل عصابة العين وأخذ يلف حوله ببطء وحركات مسرحية قاصداً استفزازه، مردداً بصوت هادئ
وعيد وتوعد وحديث وكلام وتهديدات… هي فقط كل ما تستطيع فعله سليم، لا أكثر من ذلك
قوس سليم حاجبيه وكشر عن أنيابه بحدة مردداً
اقتلني إن تجرأت… هيا افعلها أيها الجبان!!
ابتسم الأخير باستفزاز مردداً بتحفيز
ألِهذه الدرجة تتألم من فراق حبيبتك لدرجة أنك تتوسلني حتى أخلصك من عذابك؟
صمت وعاد ليدور حوله وسط انتفاضة جسد سليم وغليان دماءه وثورته، فعاد مايكل يستطرد
حسناً صديقي لا تقلق… سوف أنهي عذابك ولكن ليس قبل أن تخبرني بمكان ماريا؟ أين هي أختي الصغرى سليم؟
ضحك سليم بصخب وسخرية وردد باستهزاء
هل تعتقد بأحلامك أنني قد أُخبرك بمكانها… اقتلني أسهل لك أيها الوغد
اقترب مايكل منه وانحنى لينظر لوجهه وردد بهدوء
هل هي على قيد الحياة إذاً سليم؟
أجابه بنفور
مع الأسف… لأنني لن أقتل امرأة أيها
ابتسم براحة وزفر أنفاسه ببطء ليردد بهدوء وثيق
فلتتركها إذاً… ولنصبح متعادلين سليم، فبالنهاية لدينا مصالح مشتركة لا تحتاج لمشاحنات أو خصام بيننا
انتفخت أنفه ورفع حاجباً مردداً بحدة
فك وثاقي الآن مايكل وإلا أقسم لك أنك لن تخرج من هنا حياً
صرخ مايكل بشراسة
أين تخبئها؟ أين أختي الصغرى سليم؟
أجابه بسباب حاد، فخرج مايكل عن هدوئه وبدأ يوجه له ضربات قاسية، وكلما سبه أكثر كلما زادت ضرباته عنفاً حتى أُنهك جسد سليم تماماً وظهرت عليه آثار الكدمات والإجهاد الشديد.
توقف مايكل ليأخذ أنفاسه من أثر المجهود البدني الذي بذله، وتنهد ببطء يردف بحشرجة صوته ولهاث أنفاسه
لن تقتل امرأة ولكنك على استعداد لإبلاغ التجار بإفشائها سرك، أليس كذلك؟ وتتركها لمصيرها وما يقررونه لها!!
ونظر لوجهه المتألم وصاح به بإنفعال
لن أسمح لك سليم… أخبرني أين هي ولا تضطرني لاستخدام وسائل أكثر قسوة معك
بصق سليم بوجهه وهو يصرخ به
خائن وخسيس أنت وهي
اعتدل مايكل بوقفته ومسح وجهه بظهر يده متقززاً، وأخرج سلاحه الحاد أخذ يتلاعب به وهو ينظر لنصله اللامع ويردد بتلاعب
هل تعلم أن هذا السلاح يستطيع أن يتسبب بآلام لا تُطاق؟
أمر رجاله بصوت خشن
أثبتوه جيداً
فعل الرجال ما أمرهم به وهم متخوفون من صياح سليم المتوعد لهم جميعاً، اقترب مايكل منه ورفع أمامه السلاح وردد ببسمة خبيثة
فقط سأفعل هذا لتتحدث، فأنت بالنهاية صديقي يا سليم
استخدم مايكل السلاح بضغط شديد على جروحه فصرخ سليم بقوة متألماً لاعناً إياه ومتوعداً له
أقسم لك مايكل أنني حتى وإن مت فلن أتركك وستخرج روحي لتطاردك أيها اللعين
زغر بعينيه من عناده وإصراره وردد بتحذير
لِمَ العناد وأنت بالنهاية ستخبرني عن مكانها شئت أم أبيت؟ فأنت تعلم جيداً أنني لن أتركك حتى تتحدث
ضغط بالسلاح مجدداً حتى صاح سليم متألماً
آاااه… اللعنة عليك
عادت جنة لمنزلها بعد يوم طويل وشاق وصعدت غرفتها ترتمي على فراشها، فأمسكت هاتفها وأخذت تتصفح معرض الصور وما به من صور تجمعها به.
أخذت تقلب بالمعرض حتى شعرت بنبضات قلبها تتزايد، وفجأة ومن دون سابق إنذار شعرت بوغزة عميقة بقلبها تؤلمها جعلتها تتوقف عن التنفس حتى لا تتألم أكثر.
وضعت كفها موضع الألم لتدلكه ولكنه كان قوياً، فرددت لنفسها
آاه… وجع غريب جداً.. آاه
حاولت الاعتدال بجسدها ولكن الألم كان في ازدياد، فصاحت تنادي مدبرة منزلها بصوت عالٍ
أنيتاااا… اصعدي لهنا
هرعت الأخيرة لتجدها بهذه الحالة، فجلست بجوارها تدلك لها موضع الألم وهي تردد بأسى
حبيبتي… هل أستدعي

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *