جنتي بقلم الكاتبة اسما المصري ج٤

أخاه برقصة خاصة بالجلباب الصعيدي التي تمسك بارتدائها رجال العائلة، فتراقصوا معه برقصتهم الشهيرة، وانزوت الفتيات يحيطن جنة بدائرة صغيرة يتراقصن على أنغام الموسيقى في مشهد سحر الحضور والمتفرجين.
لم يتوانَ سليم بالتوجه لسحب جنة من وسط الدائرة، وأخذ يتراقص معها على أنغام المزمار، وابتسامتها تعلو فمها بسعادة وفرح.
تقدمت بخطوات واثقة، وهي ترتدي ثوبًا أنيقًا، يتأبط ذراعها أبناؤها الذين تخطى طولهم طولها، فقد ورثوا بنية أبيهم الفارعة.
صعدت حلبة الرقص، وفرقت الجموع المحيطة بجنة، ووقفت أمامها بابتسامة مشتاقه تهتف بفرحة
ألف مبروك يا جنة، مع إني زعلانة منك عشان أكون آخر من يعلم.
فزعت جنة فور أن رأتها، وتراجعت خطوة إلى الخلف، وهي تهمس من بين أسنانها
مامي!!!
لمح محسن المشهد، فهب واقفًا لتجول حالة من الهرج في أجواء الزفاف التي كانت سعيدة حتى قدومهم، فتقدم منهم وهتف بحدة
إيه اللي جابك يا هبة؟
دفعها عصام للخلف بلفتة متصنعة الرقة، واقترب من سليم ومد ساعده يردد
مبروك.
نظر له سليم بعيون جاحظة مليئة بالكره والغضب، وكانت عيون عصام مرتكزة على جنة المرتجفة من الخوف، ليردد بصوت ساخر
كبرتي يا جنة وبقيتي عروسة زي القمر.
صر سليم على أسنانه، وهو يقف بجوارها داعمًا لها، وباليد الأخرى أشار لعصام أن يبتعد، هاتفًا بصوت أجش
خليك معايا أنا يا أستاذ.
دارت حرب نظرات بينهما، قطعها صوت ارتطام حاد، فنظر سليم بجواره ليجد جنة مفترشة الأرض بجسدها غائبة عن الوعي ووجهها شاحب يغزوه قطرات العرق.
لم يتوانَ في حملها والهرولة بها سريعًا خارج أبواب القاعة، يتبعه مراد ومحسن، وسبقهم سليمان بفتح باب السيارة لسليم ليضعها في المقعد الخلفي، ويقود بهم سليمان بسرعة باتجاه المشفى، وهو ينظر لأخيه بمرآة السيارة الأمامية متعجبًا مما يحدث.
تبعهم مراد ومحسن، الذي ظل يدعو لابنته ويلعن ذلك الوغد على إفساد فرحتها، أما إنصاف فوقفت توبخ أختها بحدة
إنتي إيه اللي جابك؟ حلو اللي حصل ده؟ حرام عليكي يا شيخة بوظتي فرح بنتك.
أجابتها الأخيرة بمعاتبة
كنتي عايزاني محضرش فرح بنتي!! أنا مش فاهمة إيه اللي جرالها؟
ضحكت بسخرية وهي تجيبها بامتعاض
خليكي مش عارفة….كان يتقطع لساني قبل ما أقولك يا شيخة، كنت بحسبك بني آدمة وحتحسي ببنتك وتيجي لوحدك من غيره….إيه اللي خلاكي جبتيه معاكي يا هبة؟
أومأت ببرود تردد
ده زي أبوه وكان فرحان ونفسه يشوفها عروسة.
قوست وجه إنصاف بامتعاض وتخاذل من موقف أختها تجاه ابنتها، فابتعدت عنها وهي تضرب كفًا بالآخر باستسلام من أفعالها، لاعنة نفسها على تسرعها وإخبارها بزواج ابنتها.
هرع سليم يحمل عروسه إلى داخل المشفى وهو يصرخ بذعر
دكتور…..عايز دكتور!
التقطها منه فريق التمريض وبدأ الأطباء بإسعافها، وهو يجوب الغرفة مجيئًا وإيابًا، وأخوه يقف بالخارج برفقة مراد ومحسن.
لحظات حتى تقدم منه الطبيب يخبره بالأمر
متقلقش، هي ضغطها كان واطي شوية ويمكن ده سبب الإغماء، واضح إنه من مجهود الفرح أو إنها اتعرضت لضغوط جامدة. أنا اديتها حقنة منومة حتنام للصبح، وبكره حرجع تاني أعملها شوية فحوصات عشان نطمن أكتر.
ردد بتحفظ
يعني حتبات هنا؟
ابتسم الطبيب وردد
أنا فاهم إن الليلة فرحكم، بس أنا شايف إنها محتاجة للراحة، ولو حابب تاخدها مفيش مانع، بس ياريت تعملها الفحوصات دي في أقرب وقت. وألف حمد الله على سلامتها.
خرج سليم يطمئن أباها بعد أن قرر إخراجها من المشفى حتى لا تتأذى نفسيًا أكثر من ذلك، فعاد بها إلى فيلته وأراحها على الفراش، وساعدتها خالتها ورايتشيل على تغيير فستانها إلى ثوب منزلي مريح.
أما سليم فوقف يحدث مراد بغرفة مكتبه مرددًا بغضب
مش كفاية كده عليه ولا إيه؟
أومأ له مراد ليستطرد الأول
أنا كنت وعدتها إني مش حسيبه، بس هو اللي لعب في عداد عمره، ومشكلته إنه لعب مع الراجل الغلط.
التفت لمراد وهتف بتساؤل
كل حاجة جاهزة؟
أجابه مراد بخضوع
مستني أوامرك.
ردد سليم بقسوة
نفذ…..قبل ما أسافر شهر العسل يكون الموضوع ده خلص.
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
أفاقت من نومها صباحًا لتجد سليم يجلس بالقرب منها بملابس زفافه كما هو، فحاولت أن تعتصر رأسها لتتذكر أحداث الأمس.
شهقت بحزن وبكت بألم فور تذكرها حضور ذلك البغيض ونظراته التي أعادتها لنفس الفترة التي كانت أسيرة تجاوزاته وتحَرشه بها دون قدرتها على منعه.
شعر سليم برجفتها وعبراتها، فاستدار إليها على الفور، لكنه لم يقترب منها، وهتف بهدوء
أنا جنبك….متخافيش.
بصوت باكٍ أجابته
الفرح باظ.
هز رأسه مطمئنًا
فداكي….حعملك غيره.
جلست مترددة في سؤاله، لكنها اتخذت قرارها بالنهاية وهتفت
أهلك قالوا إيه امبارح؟
حرك رأسه بعدم اهتمام
ولا حاجة…ومش عايزك تشغلي بالك بأي حاجة، ودلوقتي عايزين نجهز نفسنا عشان نسافر.
نظرت لأسفل بخجل وخوف في آن واحد، ثم سألته
مين اللي غيرلي هدومي؟
أجابها ببساطة
خالتك.
أطرقت رأسها تهتف بخجل
ومامي مشيت؟
أومأ لها، فرفعت عينيها تنظر له بحزن، لكنه قال بصوت هادئ
مش عايز أشوف نظرة الحزن دي في عينيكي أبدًا.
ساد الصمت بينهما للحظات، ثم قال لها
خدي وقتك واهدي، وإحنا مش مستعجلين على أي حاجة.
رفعت عينيها إليه، فابتسم لها مطمئنًا
أهم حاجة عندي إنك تكوني مرتاحة وآمنة.
أومأت له، بينما ظل هو جالسًا بعيدًا عنها حتى تشعر بالأمان، ثم تحدثا عن السفر وما ينتظرهما خلال الأيام القادمة.
وبعد قليل خرج من الغرفة ليترك لها المساحة التي تحتاجها، بينما بقيت هي تفكر في أحداث الأمس وما حدث منذ وصول والدتها إلى الزفاف.
دلفت ناريمان تتمختر بمشيتها أمام عصام وتتدلل عليه أثناء تمريرها الأوراق له ليوقع عليها، ولكنه لم يتوانَ في أن يظهر لها عدم اهتمامه، فهتف بصوت جاد
إنتي مش شايفة إحنا فين ولا إيه؟ بتنسي دايمًا إن مركزي حساس وأي غلطة بفورة.
اقتربت منه وهي تهمس بثقة
بقى بعد السنين دي كلها اكتشف إن مزاجك في الأندر إيدچ؟ طيب كنت قولي وأنا أظبطك…بس أنول رضاك يا باشا.
نظر لها عصام بنظرات حادة يهتف بتحذير
بلاش اللعب معايا أنا بالذات يا ناريمان، إنتي مش قدي وعارفة أنا أقدر أعمل فيكي إيه؟
ابتلعت لعابها برهبة زعزعتها قليلًا، لكنها عادت تردد بثقة
أنا كل اللي عايزاه أنول رضاك.
ابتسم بزاوية فمه وردد بكبر
ومنين جبتي الكلام ده؟
أمالت رأسها للجانب تهتف بصوت رقيق
اللي يسأل ميتوهش، وأنا من سنين نفسي أعرف إزاي أقدر أكسب رضاك.
حرك رأسه عدة حركات متتالية، ورمقها بنظرة متفحصة يهتف بفضول
وناوية تعملي إيه بقى؟
أخرجت هاتفها وأرته صورة لفتاة صغيرة، ثم قالت
دي بنت الشغالة اللي عندي، وأمها محتاجة فلوس، وأنا أقدر أرتب الموضوع بطريقة تخليني أكسب رضاك.
تجمدت ملامحه للحظة، ثم نظر إليها بحدة
إنتي بتتكلمي عن إيه؟
أجابته دون تردد
قلتلك يا باشا، كل اللي عايزاه رضاك.
ضرب بيده على المكتب بغضب
إنتي مجنونة؟ البنت دي طفلة، وإياكي تفكري تقربي منها أو تدخليها في أي حاجة من النوع ده.
تراجعت ناريمان خطوة، بينما أكمل بصرامة
ولو حاولتي تعرضي عليها أو على أهلها أي حاجة من الكلام ده، أنا بنفسي هحاسبك. فاهمة؟
أومأت برأسها في خوف، فأشار لها بالخروج
اطلعي بره دلوقتي، وأنا هتصرف في الموضوع ده.
لملمت الأوراق من أمامه وخرجت على الفور من مكتبه،
بينما ظل هو ينظر إلى الباب بضيق، ثم تمتم لنفسه
يا ترى مين اللي زقك عليا عشان توقعيني؟ وأنا وديني لأعرف الحقيقة كلها.
يتبع…
هكذا هي الحياة….. لا البدايات التي نتوقعها، ولا النهايات التي نريدها.
هكذا كان حال سليم، يجلس في غرفة مكتبه دون أن يذوق طعم النوم أو الراحة، يفكر في حياته ومأساة زوجته وحبيبته. لم يتخيل في حياته أن تكون حالتها النفسية بهذا السوء، وأن يترك ما تعرضت له في طفولتها كل هذا الأثر بداخلها.
كان عقله يعيد إليه ما حدث بالأمس، وكيف تبدلت حالتها فجأة، وكيف بدا عليها الخوف والاضطراب، الأمر الذي جعله يدرك أن جرحها القديم ما زال مفتوحًا.
تذكر قصتها له عن ماضيها عندما كانت في قبرص برفقته، لكنه بدأ يتساءل
هل أخبرته الحقيقة كاملة؟
أم أنها، مثلما فعلت مع والدها، عجزت عن الإفصاح عن كل شيء؟
دخل عقله في دوامة من الأفكار، ولم يستطع الخروج منها، حتى اتخذ قراره.
سيواجه عصام.
بل أقسم أن ينال منه العقاب الذي يستحقه، لكن عليه أن يفكر جيدًا، حتى لا يتحول غضبه إلى كارثة جديدة.
عاد وجهه إلى الوجوم مرة أخرى، ووبخ نفسه
عن أي صبر تتحدث؟
ألم يكفِ كل ما حدث؟
لقد حان وقت وضع حد لكل ذلك، وسيستخدم كل ما يملكه من قوة ونفوذ لتحقيق غايته.
صعد درجات السلم الداخلي المؤدي إلى جناحه، ودلف بهدوء، ليجد رايتشيل لا تزال تجلس بجوار جنة، تراقبها وهي غارقة في النوم، بينما آثار البكاء لا تزال واضحة على وجهها.
رفعت رايتشيل بصرها نحوه عندما شعرت بوجوده، فسألها بعينيه عن حالها دون أن ينطق، فأجابته بتقوس فمها وحزن ملامحها.
اقترب منها قليلًا وتحدث بصوت خافت
اذهبي أنتِ لترتاحي قليلًا يا رايتش.
أومأت بصمت واتجهت إلى الخارج، فاتخذ سليم مكانها بجوار جنة، وظل يراقبها للحظات قبل أن يهمس
سامحيني إني مكنتش جنبك من زمان، وسامحيني إني خذلت وعدي ليكي إني مش هقرب منه.
تململت جنة في نومها عندما شعرت بوجوده، ثم فتحت عينيها ببطء وقالت بصوت ناعس
بحبك يا سليم.
ابتسم لها وقال
وأنا كمان يا جنة.
عادت تردد بضعف لم يسبق أن رآه فيها
أوعى تسيبني.
أجابها بهدوء
مستحيل أسيبك لوحدك.
نظرت إليه بصمت، فأكمل
مش عايزك تبقي كده…. إحنا هنعدي الموضوع ده سوا. أوعى تتكسفي مني أو تخبي عليا إحساسك، وإنتِ وأنا مع بعض هنقدر نعدي أي حاجة.
ابتسمت له وأومأت موافقة.
استطرد سليم
قومي بقى خدي وقتك واهدي، عشان باباكي هيتجنن عليكي من امبارح، وأنا مخلتهوش يطلع عشان ميشفكيش كده.
نظرت إليه بتردد، ثم سألته
إنت زعلان من اللي حصل بينا؟
هز رأسه نافيًا
لا طبعًا…. وعايزك تطمني من الناحية دي. أهم حاجة عندي إنك تكوني مرتاحة، ومش هعمل أي حاجة تخوفك أو تضايقك.
شعرت بالراحة من حديثه، فأكمل
أنا بحبك، وعايزك تعرفي إنك تقدري تقوليلي لأ في أي وقت، وأنا هحترم ده.
أومأت بخجل.
ابتسم لها ثم تحرك ناحية الباب ليعطيها مساحة من الخصوصية، لكنه توقف عند عتبة الباب وسأل
تحبي أبعتلك رايتشيل تساعدك؟
أومأت بالنفي، فابتسم وأغلق الباب خلفه، وهو يتنفس أخيرًا براحة، ويأمل أن تبدأ جنة في تجاوز ما حدث دون أن يزداد جرحها القديم.
كانت عيون كعيون الصقر تتابعه وهو يدلف إلى تلك البناية، لكنه كان محنكًا في كشف المراقبة، فابتسم بخبث وردد في نفسه
أما نشوف مين اللي مسلطك عليا؟
دلف إلى المصعد، ومنه إلى الشقة التي كان يستخدمها في أعماله المشبوهة، وجلس ينتظرها حتى أتت ومعها السيدة وابنتها.
رحب بهن، ثم جلس بغرور واضعًا قدمًا فوق الأخرى، وهتف
طلباتكم؟
أجابت ناريمان على الفور
يا باشا بالنسبة لي مش عايزة غير رضاك، إنما بقى شوف الست زينب تطلب إيه؟
أومأ موافقًا، ونظر إلى السيدة منتظرًا أن تجيبه، فهتفت برهبة
اللي تشوفه يا بيه.
وقف مكانه واضعًا يديه خلف ظهره، ثم اتجه إلى زجاج الشرفة المطلة على الشارع الرئيسي، يتابع الطريق ويتأكد من تنفيذ خطته.
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
دلف سليم إلى مكتبه، وأمسك هاتفه وضرب بأصابعه على شاشته حتى أجاب الطرف الآخر، فهتف بلهفة
وصلت لفين يا مراد؟
أجابه على الفور
ناريمان السكرتيرة فوق معاه دلوقتي…. وإحنا عرفنا الشقة بتاعته ولسه هنكمل باقي الخطة.
قاطعه سليم
اسحبهم من عنده فورًا…. أنا مش موافق على الطريقة دي.
تعجب مراد
أنا مش فاهمك، الدنيا ماشية إزاي وإنت وافقت؟
أجابه سليم بضيق
مكنتش بفكر صح وقتها…. اللي زي عصام الشاطر ده مينفعش معاه الطريقة دي. لا الفضيحة ولا حتى لو اتمسك متلبس بحاجة هتفرق معاه.
زفر مراد من تردد رفيقه، ثم قال
سليم…. اخلص وقول ناوي على إيه؟
أجابه والصرامة تملأ صوته
ستيفانو.
ارتفع ضجيج قلب مراد وهو يستمع إليه، فردد بتحذير
بلاش يا سليم…. الدنيا كده ممكن تولع!
ابتسم سليم بسخرية
وهو ده اللي أنا عايزه. ستيفانو نفسه يسد الدين اللي ليا عنده من سنين، وجه وقته دلوقتي.
قوس مراد فمه بامتعاض وهتف بتخوف
ربنا يستر.
هرج ومرج اكتسح أجواء ذلك المنزل بعد أن تم القبض على كبير العائلة وبعض رجاله، فجلست نساء الدار في البهو الواسع ينتحبن، وكأنهن في عزاء.
انفض الجميع عن أهل الدار بحلول المساء، لتتكرر حالة التوتر في اليوم التالي.
اقتربت الأخت الكبرى من قمر وهمست في أذنها
غياب ابوي لو طال…. البلد حتولع، الرچالة مستحلفين للي عمل البلاغ.
توترت قمر، فهي أيقنت أن بلاغها ضد عائلة الراوي كان من الأسباب التي جعلت الشرطة تراقب مخازن والدها، لكن كيف لها أن تعلم أن فتح باب النار سيحرق الجميع؟
انزوت بجانب

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *