لأجلها بقلم امل نصر الفصل الأخير ج1

طال الانتظار خلف باب الغرفة المغلقة لساعاتٍ ثقيلة كأنها الدهر، حتى خرج أخيراً كبير الأطباء بملامح منهكة، يمسح حبات العرق عن جبينه، ليخبر الجمع الذي التف حوله بلهفةٍ عارمة:
— “اطمنوا يا جماعة، خير إن شاء الله.. هو هيخرج يقعد في العناية تحت الملاحظة أربعة وعشرين ساعة، ادعوا له إن الأزمة تمر بسلام.”
— “يعني لسه فيه خطر على حياته؟!”
هتفت بها هالة للمرة الثانية بصوتٍ متهدج، فالتفتت الرؤوس نحوها بصورةٍ كانت تستفز أبناء عمومتها، لكن لا أحداً يملك لومها في تلك اللحظات الحرجة. ولأنها كانت لافتةً للنظر بطبيعتها، والرجال الغرباء في المشفى لا يعرفون أصولاً ولا تقاليد في غض البصر، كان هذا ما يضاعف من سخطهم
طمأنها الطبيب بكلماتٍ روتينية محفوظة لتهدئتها، وما إن فُتح الباب وخرج “كمال” مسطحاً على “الترولي” يحيط به طاقم التمريض، حتى ركضت هالة بلهفة ونحيبٍ عالٍ هزّ أركان الردهة:
— “كمال! رد عليا يا كمال.. كمال كلمني!”
تمتم حمزة بغيظٍ مكتوم وهو يرى نظرات الفضول تنهش بنت عمه، وحبس رغبته في إزاحتها بيده بقوة، ثم وجه حديثه الصارم نحو عمه:
— “ارفعها وأبعدها الله يرضى عنك يا عمي.. إحنا في مستشفى حكومي ومش ناقصين فضايح من المجنونة دي .
…………………………..
خلف الزجاج البارد، كانت عيناها معلقتين به، تتابع في ذهول كل نَفَسٍ يصعد ويهبط في صدره المثقل بالجراح. كانت الأجهزة المحيطة به تومض بمؤشراتها الحيوية، وكأن نبض قلبها هو المعلق بتلك الأسلاك وليس نبضه هو. لم يرممها التفافُ الجميع حولها، فبرغم وقوف أهلها وإخوتها وبنات عمها بجانبها يشدون من أزرها، إلا أن إحساس الذنب كان ينهش روحها كالنار في الهشيم. كان يقتلها مجرد التفكير في أنه كان سيرحل وهو ساخطٌ عليها، دون أن يدرك حقيقة مشاعرها المكبوتة التي لم تستيقظ إلا في الوقت الضائع. لكن الصفعة الأقوى لضميرها، تجسدت حين شعرت بيدٍ حانية تربت على كتفها، فالتفتت لتصدم برؤية أكثر شخصين ألحقت بهما الأذى: اعتماد، التي كادت أن تفقد حياتها بسبب مكائدها، وليلى التي دبرت لها خطة دنيئة لتدفعها نحو الحمل غصباً عنها بغرض تخريب زواجها. فخاطبتها اعتماد بنبرة هادئة:
— “قلبي عندك يا هالة.. طمنينا، عاملة إيه دلوقت؟” تابعت ليلى بأسفٍ حقيقي:
— “سامحينا إن كنا جينا متأخر، بس والله كنت ‘متشندلة’ مع أمي والعيال الصغيرين، واعتماد كانت واقفة تستقبل الحريم اللي جايين يباركوا لأمي.”




