لأجلها بقلم امل نصر الفصل الأخير ج1

 

— “واحد صاحبه.. كان معاه في المأمورية النحس.. قالي إنه اتصاب هو وعسكري كان معاه.. دوكها مات في لحظتها، وكمال…”

توقفت عن الكلام وشهقات البكاء تمزق صدرها بحرقة، قبل أن تتابع بصوتٍ واهن قطع نياط قلوبهم جميعاً:

— “كمال بين إيدين ربنا دلوقت.. عمليته خطيرة يا حمزة، والجرح واعر قوي.. يا مرك يا هالة، يا مرك يا سواد أيامك

 

— “بس.. فِضيها!”

هتف بها حمزة بحزمٍ يوقف سيل عويلها، حتى لا يصل صوتها إلى الرجال الغرباء والضباط المنتشرين في أرجاء الردهة؛ فسترة

بنت عمه في هذه اللحظة أوجبُ من إشفاقه عليها.
وبالرغم من حزمه، إلا أن قلبه كان يعتصر وهو يراها في حالةٍ من الضعف والهوان لم يشهدها عليها من قبل. حالتها تلك استنفرت غريزة الحماية لدى أبناء عمها؛ منصور ومعاذ وحتى خليفة….. خليفة الذي كان زوجها يوماً، وبينها وبينه خلافات السنين ومرارة الماضي، لم يملك أمام هذا المصاب الجلل إلا أن ينحي الضغائن جانباً، ويعاملها بمسؤولية الأخ وشهامة الرجل الصعيدي، مشدداً من أزرها مثلهم تماماً. يا الله! ابنة عمه التي كم عانوا من تعجرفها وغرورها، والتي كانت ترى نفسها فوق الجميع، ها هي الآن يعتصرها الحزن والتمزق خوفاً على رجلٍ لم تكن تحترم صفته كزوجٍ يوماً. يا إلهي.. منذ متى كانت “هالة” تبالي بشيء آخر غير هالة لتنهار بهذه الصورة المفجعة الآن؟ لقد فعلها القدر أخيراً؛ كسر كبرياءها لتدرك في أصعب لحظات حياتها أن من كانت تظنه قيداً، هو في الحقيقة أنفاسها التي تخشى انقطاعها.
………………..

قدم إليهم في تلك اللحظات أحد الضباط، ملامحه يكسوها الإرهاق لكنها تحمل فخراً حزيناً. عرّف عن نفسه ماداً يده لحمزة، الذي بادره بالسؤال دون انتظارٍ لمراسم التعارف:
— “السلام عليكم.. أنا الظابط سليم فتوح، حضراتكم تبع الرائد كمال؟”
قبض حمزة على يده بقوة وجيبه ملهوفاً:
— “أيوة إحنا أهله.. طمنا يا ولدي، عايزين نعرف إيه اللي أصابه؟ إحنا هنا زي الأطرش في الزفة من ساعة ما جينا، ومحدش راضي يدينا كلمة مفيدة!”
أجابه الضابط “سليم” بهدوءٍ شديد يحاول فيه امتصاص غضبهم وقلقهم:
— “معلش يا فندم، اتأخرت عليكم.. بس عقبال ما خلصت الإجراءات وسلمت المجرم اللي كان مطلع عيونا بقاله شهور؛ مطاردات وجرايم ما بتخلصش. الحمد لله، بفضل مجهود كمال باشا وشجاعته، قدرنا أخيراً نوصله ونقبض عليه بعد حصار للوكر اللي كان مستخبي فيه هو وعصابته، بس للأسف الخسائر كانت روح جندي بريء، وحضرة الظابط البطل اتصاب في صدره.
— “عند قلبه؟!”
صرخت بها هالة بجزعٍ شقّ سكون المكان، لفتت نظر الضابط وعددٍ لا بأس به من الحاضرين، فسارع بطمأنتها على الفور:
— “في صدره.. في صدره يا فندم. يمكن ده مكمن خطورة العملية دلوقت، حضرتك تبقي مراته؟”
أومأت برأسها وهي تشهق بالبكاء، فتابع مرحباً بنبرة رسمية:
— “يا أهلاً وسهلاً بيكي يا فندم، كمال باشا بطل ويشرف أي حد.
. — “يا باشا خليك معانا في المهم!”
هتف خليفة بخشونة وصوتٍ جهوري قطع مجاملات الضابط، ليستدرك الأخير خطأه ويعود للجدية سريعاً:
ـ “حاضر يا فندم، معاكم أهو.. حضرتك تبقى مين بقا؟” ……………………..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *