مزرعة الدموع بقلم منى سلامة ج6

حاول “عمر” تحرير نفسه .. كادت يده أن تتمزق .. بل تمزق رسغه بالفعل وسال دمه .. كان يجاهد ليخرج يده من قيدها .. لينقذ “ياسمين” .. حبيبته .. ونور عينه ..استطاع تحرير يده والدماء تنزف منها ..أزاح عصبة عينه .. وأخذ يحاول تحرير قدمه كانت السلسلة مثبته بحلقة الى الأرض .. لن يستطع نزعها .. نظر حوله .. لا يوجد شئ .. الا الرماد .. ما هذا .. هذا المكان .. انه يتذكره جيداً .. هذا المنزل القديم المحترق .. هذا المكان .. دخله من قبل .. يعرفه .. تلك الغرفة الصغيرة .. هذا الفراش المحترق .. نعم انه يعرفه .. نعم هو نفسه .. أسرع وأخرج هاتفاً صغيراً كان قد أخفاه فى حذائه .. فتحه واتصل بـ “كرم” قائلاً بلهفه :
– أيوة يا “كرم” أنا “عمر”
– “عمر” انت فين وايه اللى حصل
قال “عمر” بنفاذ صبر :
– اسمعنى كويس .. أنا فى مكان جمب المزرعة هوصفلك توصله ازاى .. اطلب البوليس وتعلالى على هناك بسرعة
أعطاه “عمر” وصف المكان .. ومن حسن حظه أن “كرم” و “أيمن” كانا قد عادا الى المزرعة بعدما فقداه فى المنصورة .. ما هى الا دقائق .. ودخل “كرم” البيت المحترق .. استطاع الاثنان تحرير “عمر” الذى قال بلهفه :
– اطلبوا البوليس بسرعة .. وكل واحد فيكوا يدور فى جهه .. الراجل اللى خطف “ياسمين” خدها عشان يق*تلها
انطلق “عمر” فى اتجاه الأشجار والذى ظن أنه الاتجاه الذى ذهب فيه الرجلان حيث الأرض الشاسعة التى تخلو من البشر فى مثل هذا الوقت .. ظل يرقض وينادى بعلو صوته :
– “ياسمين” .. ” ياسمين”
نظر ليجد على بعد أمتار وتحت ضوء القمر رجلين أحدهما يقوم بالحفر فى الأرض والآخر يقف بجوار فتاة منهارة على الأرض .. شعر بقلبه يهوى .. أخذ يلف ويدور فى المكان حتى أمسك شيئاً حاداً .. وتوجه الى حيث الرجل الذى يقف بجوار “ياسمين” وجده يوجه اليها مس*دساً صغيراً .. التف حوله ببطء وحاول أن يلفت انتباهه .. وساعده على ذلك الأشجار التى تحيط بالمكان .. وفجأة هوى بما يمسك بيده على رأسه لتنفجر الدماء من رأس “بسطويسي” ويسقط أرضاً .. صرخت “ياسمين” وهى ترى دماء الرجل المنهار بجوارها .. أسرع ” عمر” وأمسك المس*دس الذى سقط من الرجل على الأرض واقترب من “ياسمين” التى نهضت مسرعة ووقف أمامها وصوب المس*دس الى الرجلين .. كان “عمر” يجهل طريقة استخدام المس*دس .. لذلك لم يستطع اطلاق النار .. لكنه وقف مهدداً اياهم قائلا :
-اللى هيقرب منى أو منها هموته
سُمعت صوت سرينة سيارات الشرطة قريبة من المكان .. شعر “مصطفى” بالفزع وقد أيقن هلاكه .. لكن “بسطويسي” الجالس على الأرض قلب الموازين عندما أمسك فجأة حجراً وألقى به فى اتجاه “عمر” ..فأصابه فى ذراعه التى تحمل الم*سدس .. تأوى “عمر” من الألم .. وصاحت “ياسمين” بلوعه :
– عمررررررررررر
أسرع الرجلين بالهرب من بين الأشجار .. يجريان خوفاً من لحاق الشرطة بهما .. لم تستطع “ياسمين” تحمل بكاء وعذاب وارهاق الثلاث أيام .. فهوت جالسه على الأرض تستند الى صخره .. كان “عمر” حائرا أيجرى خلف الرجلين أم يبقى معها .. قرر البقاء معها ..نظر الى ملابسها الممزقة .. لم تعد تجد فى نفسها القدرة على البكاء .. كانت تشعر الإنهيار التام .. اقترب منها وعلامات الألم على وجهه .. جثا بجوارها ونظر اليها قائلاً :
– “ياسمين” .. انتى كويسة
لم تجيبه أغلقت عينها وهى تسند برأسها الى الصخرة .. لم تجد فى نفسها القدرة على الكلام
تلألأت العبرات فى عين “عمر” ومسح بيده على شعرها .. فتحت عينينها التفتت اليه تحاول ابعاد رأسها فى ضعف .. مسح بأصابعه على وجنتها قائلاً :
– حبيبتى انتى كويسه .. حد فيهم عملك حاجه
نظرت اليه لتتأمل تلك اللهفة على وجهه لمعرفة ما أصابها .. حركت رأسها مرة أخرى لابعاد وجهها عن أصابعه .. اقترب بوجهه منها ومسح على شعرها .. قائلاً بألم :
– حبيبتى ردى عليا .. “ياسمين” حد فيهم عملك حاجه
هزت رأسها نفياً ..فما كان منه إلا أن هوى بشفتيه على جبينها وقبلها قلبه بث فيها كل خوفه وهلعه واشتياقه وخوفه ولهفته طيلة الأيام الماضية .. كانت تشعر بوهن فى جسدها كله .. حاولت أن تبتعد عنه .. فنظر اليها بحنان وعيناه تحتويان عينينها .. وقال بدفء :
– عارف انك عيزانى أبعد .. بس أنا مش قادر أبعد
ثم أخذها بين ذراعيه .. يضمها الى صدره فى قوه ممزوجه بالحنان ..لف ذراعيه حولها ودفن وجهه فى شعرها يستنشق عبيره .. حاولت دفعه عنها .. لكنها كانت الريشه التى تحاول ازاحة جبل من مكانه .. قال لها بصوت خافت :
– وحشتينى أوى .. كنت هموت من خوفى عليكي
لحظات وسمع صوت “كرم” آتى فى اتجاههما .. قام “عمر” من فوره .. وأسرع ليلاقيه قائلاً :
– “كرم” خليك مكانك متجيش هنا
سأله “كرم” :
– ليه ؟ .. لقيتها
أومأ “عمر” برأسه قائلاً :
– أيوة لقيتها .. بس خليك مكانك ثوانى
كانت “ياسمين” جالسه خلف الصخرة التى تستند عليها فلم يراها “كرم” .. عاد “عمر” اليها .. نظرت اليه بأعين مندهشه وهو يخلع الجاكت الذى يرتديه ثم جثا على ركبتيه ليلبسها اياه فى رقه كأنها طفل صغير .. لم يظهر من جسدها الا بعض من ذراعها بسبب ذراع بلوزتها الممزق .. لكنه أخفى تلك الرقعات الصغيرة بالجاكيت الذى ألبسها اياه وأغلقه .. ثم ولدهشتها وجدته يخلع قميصه ثم يمسح على شعرها بيده يرتبه الى الخلف ويضعه بداخل الجاكيت الذى ترتديه ثم يطوى قميصه نصفين ويضعه على شعرها المنساب ليخفيه تماما .. نظر فى عينيها برقه أذابت قلبها .. وانتقل الدفء من عينيه الى جسدها كله .. ابتسم لها ابتسامه عذبه وهمس قائلاً :
– بموت فيكي
ساعدها على النهوض .. حاولت قدر الإمكان أن تبتعد عنه وتسير بمفردها .. لكنها شعرت بدوار شديد فتهاوت .. كانت لا تستطيع حتى الوقوف على قدميها .. حاول أن يحملها فقالت بوهن وبصوت مبحوح من كثيرة الصراخ والبكاء :
– لأ
قال “عمر” بحزم :
– انتى مش عارفه حتى تقفى على رجلك
حملها بين ذراعيه دون أى يأبى لاعتراضها .. وسار بها وهو ينظر اليها .. أسندت رأسها على كتفه فى وهن .. كانت تشعر بجوع شديد مزق أحشائها وألم فى كل عظام جسدها الضعيف وبدوار يعصف برأسها .. لكن وسط كل تلك الآلام شعرت بالراحة وهى بين ذراعيه .. شعرت بالأمان وهو بجوارها وهى تعلم أنه لن يسمح لأحد بأن يؤذيها .. حاولت أن تقاوم وتبقى عينيها مفتوحتين .. لكنها لم تستطع كانت طيلة الأيام الماضية تخشى النوم .. فيصيبها أحد الرجلين بمكروه .. لكنها الآن لا تخشاه .. لأنها بين يدين تعرف أنهما ستحميانها .. أغمضت عينيها لتغرق فى سبات عميق أقرب الى غيبوبة .. نظر اليها “عمر” فى حنان وهو سائر بها .. شعر بأنه يحمل قلبه بين ذراعيه .. كان سعيداً لأنه ملتصقاً بجسد حبيبته ورأسها موضوع على قلبه .. وهى سليمه .. لم يصبها سوء .. وعادت اليه .. ولن يتركها تفلت منه أبداً .. أدخلها سيارة “كرم” وجلس بجوارها .. انطلق “كرم” بالسيارة فى طريقه الى المستشفى .. نظر “كرم” اليهما فى المرآه قائلا :
– هى كويسه ؟
أومأ “عمر” برأسه .. وأخذ ينظر الى وجه حبيبته النائمه فى حضنه .. قائلاً بقلق :
– أنا مش عارف هى نايمة ولا أغمى عليها .. بس هى بتتنفس كويس
قال “كرم” :
– ربع ساعة بالكتير وهتكون فى المستشفى .. متقلقش هو أكيد ده بسبب تعب اليومين اللى فاتوا كفايه الرعب اللى شافته
نظر اليها “عمر” مرة أخرى فى حنان .. لف ذراعيه جيداً حولها وكأنه لا يريد قيد شعره أن تفصله عنها .. أزاح قميصه قليلا عن شعرها ليطبع عليه قلبه حانيه هامساً :
– حبيبتى .. مش هسمحلك تبعدى عنى أبداً
أغمض عينيه عن كل ما يراه ليشعر فقط بحبيبته التى بين أحضانه .. بأنفاسها الساخنه التى تلفح وجنته .. وصوت تنفسها المنتظم .. ودقات قلبها التى يشعر بها على صدره.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *