نعيمي وجحيمها بقلم امل نصر ج11

❈-❈-❈

– يعني اتحر,ش بيها الحــ يوان ده وفي الضلمة كمان؟
هتف جاسر بالسؤال بدم يغلي بين أوردته بعد أن قص عليه خالد وبعجالة وبدون تفاصيل ما حدث مع زهرة من هذا الرجل القبيح في بداية مراهقتها.
وتحمحم المذكور يجيبه بحذر:
-زي ما بقولك كدة، هي كانت راجعة من الدرس بعد العشا، لما شدها من إيدها في الضلمة، بس ولله الحمد انا لحقتها وجريته زي الخروف في قلب الشارع وسففته التراب….
– بس المشكلة دي فضلت مع زهرة وزودت على مشكلتها القديمة.
قالها جاسر بمقاطعة ورد خالد بالتأكيد:
– دا حقيقي بس انا ووالدتي كنا دايمًا معاها وبنحاول على قد مقدرتنا عشان نخليها تتجاوز وتعدي اللي مرت بيه بس للأسف، الحاجات الصعبة دي بتفضل في عقل الست مهما كبرت ولا عدى عليها سنين.
أكمل على قوله جاسر كازا على أسنانه:
– خصوصا كمان لما تقابل صاحب المشكلة اللي حصلت معاها ويهددها.
رد خالد بنبرة تفيض بالحزن:
– للأسف هو مكانش بيهددها بس، دا كان عايز يكرر الكابوس دا معاها من تاني بالجواز منها غصب عنها، قبل انت ما تتجوزها، حسب ما عرفت بعد ما جيت من السفر.
كور قبضته بتمتم جاسر يهدر بغضب حارق:
– الحيــ وان القذر، اه بس لو تطوله إيدي دلوقتي، لكنت اشرب من دمه حالًا، ليه مقولتليش من الأول يا خالد، ليه هي مرديتش تجاوبني على سؤالي
-ما انا قولتلك يا عم جاسر، دي حاجة ماتقدرتش تعترف بيها الست وبالذات لراجلها، غير لما هي تقرر من نفسها ساعة ماتحس انها تقدر تتجاوز وتعدي.
تفوه بالكلمات خالد قبل ان ينهض ويستأذن:
-اسيبكم بقى مدام اطمنا عليها.
اعترض جاسر وهو ينهض معه:
– ماتستنى يا بني وكملوا اليوم معانا انت ورقية، دا زهرة وشها نور بحضوركم.
– معلش بقى اعذرني انا اليومين دول مسحول في تجهيز الشقة عشان الفرح دا اللي فاضل عليه أيام بس. وكمان عشان نسيبها ترتاح شوية.
قالها خالد بإصرار قبل أن يغادر بصحبة من حضروا معه

❈-❈-❈

– ما تكملي يا كاميليا وقفتي ليه؟
هتف بها من خلفها بعد أن دلفت معه لداخل منزلهم، ف التفت إليه سائلة:
-أقدم فين تاني؟ مش لازم الست الولدة تستقبلني برضوا؟ هي فين مش شايفاها يعني؟
اقترب يجيبها قبل ان يتحرك ويسبقها بخطواته:
-هو انتي غريبة يا كاميليا ولا محتاجة عزومة في بيتك؟ ولا انتي مش حاسة انه بيتك؟
زفرت داخلها بسخط ثم تحركت لتلحق به لتجلس على أول كرسي قابلته أمامها، وعينيها تجول يمينًا ويسارًا، خلع هو سترة حلته ليجلس مقابلها بالقميص الأبيض المنشي والبنطال الأسود ليطالعها بنظرة مطولة بتمعن قبل ان يردف لها:
-منورة بيتك يا كاميليا.
-البيت منور باصحابه.
أجابته بمجاملة على عجالة قبل أن تتابع بسؤالها:
– هو انا ليه حاسة إن الدنيا هدوء زيادة عن اللزوم؟ ماما فين؟
– ماما خرجت وراحت المقابر لوالدي.
-نعم؟
هزهزت رأسها باستفهام لتتأكد من صحة ما سمعته، فردد هو كلماته على الفور بكل بساطة:
-بقولك ماما خرجت وراحت المقابر لوالدي، دا بعد ما انا اتصلت بيها وقولتلها اننا احتمال مانجيش ع الغدا عشان تخرج هي وتروح مشوارها في زيارة قبر والدي.
فغرت فاهاها لتعتدل بجلستها وترد على سهولة ما تفوه به:
– ياراجل؟ ودا من إيه ان شاء الله؟ قصدي ليه يعني؟.
اعتدل هو الاَخر بجسده ولكن للخلف، ويُجيبها باسترخاء وابتسامة غريبة اعتلت وجهه:
– من غير ما احلف يا كاميليا، أنا اساسًا عامل المشوار دا كله عشان اريحك انتي واجاوب ع الأسئلة اللي محيراكي.
– قصدك إيه؟
سالته بقلق وكان جوابه:
– انتي عارفة قصدي، فمفيش داعي نلف وندور على بعض.
اثار غضبها لتنهض هادرة به:
– الكلام دا تقوله لنفسك مش ليا انا؟ بقى بتخدعني وتجيبني في بيتكم في غياب الست الوالدة وبعدها تقولي انا اللي بلف وادور؟
– اقعدي يا كاميليا.
هدر بها بدوره ليكمل بلهجة مسيطرة لم تسمعها منه قبل ذلك:
– اقعدي وبلاش شغل العيال ده، ولا انتي مش واثقة في نفسك؟
استفزتها كلماته لتجلس وتجيبه بعند:
-بلاش النبرة دي معايا عشان انت عارف لوحدك الإجابة، لكن انا اعتراضي على الأسلوب نفسه، اسلوب الخداع والكدب.
-وإيه تاني يا كاميليا؟
باغتها بسؤاله الغريب ليصمت فمها عن الرد وتابع هو بنبرة معاتبة:
– يومين بس اغيبهم في السفر يخلوكي تقلبي عليا كدة؟
رددت من خلفه بنفاذ صبر:
-يومين إيه اللي انت بتتكلم عليهم؟ انا الأسئلة دي في دماغي من الاول، عايزة افهم وانت بغموضك وتصرفاتك بتزيد الأمر معايا، يعني بلاش بقى تلميحاتك دي اللي انا فهماها كويس قوي.
سمع منها ليميل برأسهِ نحوها ويرد بكل هدوء:
– خلاص بلاش تلميحات وندخل مع بعض بكل صراحة، إيه السؤال اللي محيرك بقى؟
تحفزت بجلستها أمامه لتساله على الفور:
– ندى وجوزها، إيه قصتك معاهم؟
تبسم ليُجيبها على الفور أيضًا ودون مواربة:
-ندى دي بنت عمتي اللي انا كنت بحبها الأول، وكريم دا كان صاحبي في كلية الشرطة، والده كان نائب مجلس الشعب في دايرته، يعني كان كبير ناس وأهله، بس بقى صداقتنا انتهت بعد ما اتعرف على ندى من ورايا وخلاها تحبه.
-سألته بعدم اقتناع:
– بس كدة؟
سمع منها ليجيبها:
-لا طبعًا مكانتش الحكاية بالسهولة دي؟ انا راجل ما بسبش حقي ودا واحد خاين، لف عليها من ورايا وكان بيروح لها الكلية لحد اما علقها بيه، واتفقوا مع بعض على الجواز، بعد ما كنت أنا مقرر مع والدتها اني هتقدملها بعد ما اخلص الكلية.
توقف لتردف هي بتركيز:
– وبعدين؟ يعني لما عرفت حصل إيه؟
أقترب بوجهه أكثر يرد بملامح شرسة لم تراها منه قبل ذلك:
-خدت حقي، عرفته هو مقامه، وعرفتها هي حجمه… انا اتفقت معاه على مباراة ودا كان في قلب الكلية وقدام مجموعة كبيرة من زملائنا في الحلبة، تعرفي الصرصار لما تدوسيه برجلك يا كاميليا وتفعصيه؟
توسعت عيناها تطالعه بارتياع مع انتظار الباقي، فاستطرد هو:
– صوت صريخه مع كل عضمة اتكسرت منه كانت بتسمع لبرا صالة الألعاب، الكل كان شايف حالته ومحدش فيهم قدر يقربلي عشان مركز والدي دا غير اني مكنتش هسمح لأي حد إن ينجده من تحت أيدي…. طبعًا الموضوع ده أثر على مركز والدي خصوصًا وان والده وصل الموضوع للسلطات العليا واضطرت الإدارة تصرفني من الكلية، لكن المقابل كان إيه؟ كريم فضل شهور في المستشفى بين العمليات والعلاج وفي الاخر والده سفره لبرا مصر، لكن برضوا عاش بالعرج اللي انا عملتهولوا.. وندي اتجوزتوا بعرجه.
– انت وحش.
خرجت منها بدون تفكير، فردد هو خلفها:
-فعلًا تقدري تعتبريني وحش، بس في حقي.. ندى كانت مكتوبالي ومن هي في اللفة وانتي…. وانتي مكتوبة دلوقتي على إسمي…. يبقي حقي فيكي اكتر منها واوعي تفتكري اني هكون اقل شراسة من زمان .
ارتجف قلبها بداخلها ولكنها تماسكت تجاهد لعدم إظهار الخوف منه، فقالت بدفاعية وهي تحاول انهاء النقاش والخروج من هذا المنزل على الفور والنفاد بجلدها منه:
-انا مش فاهمة بصراحة، ايه لزوم نبرة التهديد دي؟ دا كان سؤال عابر لوالدتك، مكنتش حكاية هي؟
وقف يجيبها بعد أن نهضت من أمامه ليقابلها برده:
– لا مكانش سؤال عابر يا كاميليا، عشان انتي لفيتي على كذا فرد في العيلة وسألتيه حتى مرات نجيب قصدتي تقابليها مخصوص في النادي اللي هي بتروحه دايمًا لتدريب أولادها، وسألتيها برضو….
قاطعته فجأة لتسأله بفطنتها الحاضرة دائمًا:
– استني ثواني… هي مرات نجيب ايه اللي يخليها تتصل بيك وانت برا مصر وتبلغك بحاجة زي دي؟ هو دا موضوع يستاهل ان واحدة زي دي وف وضعها تتصل بواحد قريب جوزها عشان تقولوا…..
توقفت فجأة تحدجه بنظرة نا,رية وهي تتابع بصدمة:
– هو انت على علاقة يا كارم مع الست دي؟
أجفل من ردها المباغت ليتراجع فجأة عن بروده ويهدر بلهجة فضحت اضطرابه:
-بلاش تأويلات بكلام فارغ من دماغك، ولا انتي عايزة تقلبي الطرابيزة عليا بتفسيرك الغريب ده؟
واجهته بثقة ازدادت من تخمينها:
-دي مش تأويلات ولا تفسير غريب، دا من كلامك وارتباك الغلط هو اللي كشفك، انا بجد مكنتش اعرف اتصور إنك تكون بالوضاعة دي .
توحشت ملامح وجهه بعد ان استفزت هذا الجزء بشخصيته والتي لا يقبل ان تشوبها شائبة ليصيح بها:
-بتتهميني أنا بالوضاعة يا كاميليا؟ امال بقى مين فينا الشريف؟ طارق باشا اللي كل يوم مع واحدة ست؟ ولا الست الوالدة اللي سابت ابنها على عمر سنة عشان تتجوز واحد تاني غير جوزها وابو عيالها؟
جحظت عينيها لتهتز أمامه كورقة جافة تهددها رياح الخريف القوية السقوط؛ وقد صعقها بذكر أخطر أسرارها، ليستغل وضعها ويزيد بقوله:
-مصدومة ليه يا كاميليا؟ ولا انتي كنتي فاكراني هتجوزك من غير ما اجيب أصلك ولا فصلك؟ ولا مفكرة اني واحد زيي هتفتوت عليه حاجة زي دي؟
تماسكت تحتجز الدموع بصعوبة حتى لا تظهر له ضعفها، وردت بقوة تدعيها وتحدي لم تكن تقصده ولكنه نبع من شخصيتها العنيدة دائمًا:
– اولًا.. لو هتفتكر نفسك احسن من طارق، فانت أكيد واهم عشان طارق راجل صريح وما بيخفش من حد عشان يخفي عيوبه اللي بيظهرها بكل شجاعة في العلن ولو هتتكلم عن أمي…
توقفت لتصرخ بوجهه بقهر:
– فاانا لا يمكن هسمحلك تجيب سيرتها على لسانك ده تاني فاهم ولا لأ؟ ولو مش عجبك يبقى غور وخلصني .
ختمت لتعدل من وضع حقيبتها لتتحرك وتتخطاه حتى تذهب وتغادر منزله، ولكنها تفاجأت به يوقفه بجذبها من ذراعها يخاطبها بنبرة مريبة:
– رايحة فين يا كاميليا؟ هو دخول الحمام زي خروجه؟
هتفت تحاول نزع كفه من ذراعها:
– خروج إيه وزفت إيه؟ أوعى إيدك عني وسبني اروح .
اطلق ضحكة خشنة وهو يعدل وقفتها لتُصبح مقابله، حتى يخاطبها باستخفاف:
-وتمشي من هنا عشان تنفذي تهديدك العبيط، بإنك تخلعيني من حياتك وترجعي لحبيب القلب، بعد ما أجبرتيني اني اقولك على سري القديم؟
ظلمة عينيه وحدها وهذه النظرة الغريبة بها وهو يخطابها، كانت كافية وحدها على أن توقف قلبها من الرعب، ولكنها ما زالت تجاهد حتى تستطيع الخروج من المنزل الاَن وبسرعة، فحاولت مرة أخرى بتخليص ذراعها مع رد التهديد لكن بحرص:
– سيبني اخرج يا كارم دلوقتي، وبعدها نبقى نكمل كلامنا، زهرة وعيلة جوزها كلهم كانوا قاعدين لما خرجت معاك.
سمع منها ليقول بسخرية:
– ولو الدنيا كلها شافتك معايا حتى؟ انتي ناسية انك مراتي.
لم تستوعب جملته سوى بعد ان وجدته فجأة يرفعها بذراعه الثاني من خصرها ليكمل وهو حاملها بطرفة عين:
– يعني كل اللي هيحصل ما بينا دلوقتي حلال ولا يعاقب عليه القانون .
صرخت وهي تحاول فك نفسها منه بعد أن طوقها بذراعين كالحديد بقوتهم:
– اقسم بالله لو كارم لو ما سيبتني لكون مندماك على كل الغلط اللي عملته في حياتك، أوعى سيبني سيبني..
هدر من تحت أسنانه وهو يتحرك بها رغم كل محاولاتها العنيفة لتخليص نفسها من يده:
– انا مش هأذيكي يا كاميليا، انا بس هرحمك من الحيرة اللي تاعبة نفسك فيها، لازم يا حبيبتي تفهمي عملي ان مالكيش حد غيري، لأني مش هسيبك.
كانت تقاوم وبكل قوتها للإفلات منه وبصوتها تصرخ
للنجدة علٌ أحد ما يسمعها، لتجده يضحك مع قوله لها:
– اصرخي ولو بأعلى صوتك حتى، البيت واسع وكبير، دا غير ان محدش يقدر يقرب من بيت اللوا اساسًا.
– ابعد وسيبني يا حيوان
صرخت بالاخيرة وقد وجدت نفسها داخل غرفة نوم كبير ليزداد صراخها ومحاولاتها البائسة لفكها حتى القاها على التخت واعتلاها ليقيد ذراعيها بيديه بجوار رأسها، ويحاصر أقدامها بين قدميه، لتصرخ مخاطبة ضميره بعد ان نزع منها بقوته حق ميزتها الوحيدة في المقاومة:
-للمرة الأخيرة يا كارم بحذرك، انا مغلطتش فيك عشان تأذيني؟
جالت عينيه على ملامح وجهها الفاتن وما ظهر من فتحة فستانها في الأعلى برغبة مظلمة قبل أن يرتكز بأنظاره على عينيها يردف بقوة:
– ومين قالك اني عايز اعاقبك أو أذيكي، انا بعمل بس اللي يضمن وجودنا مع بعض، انا حبيتك بجد يا كاميليا ودي حاجة ما بتحصلتش معايا غير نادرًا، قلبي دا مفتحتهوش غير ليها وليكي، بس هي كانت حب مراهقة انما انتي الحقيقي .
صاحت وهي ترفع رأسها هادرة به:
-إنت ما بتفتحش قلبك، إنت بتفتح سجنك.
– صح ومافيش منه هروب .
هتف بها قبل أن يرفع ذراعيها إلى أعلى رأسها ليُقيدهم بيد واحدة ويكتم بفمه صرخاته واليد الآخرى تتكفل بالباقي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *